Menu

التحالف الصهيوني: اليميني العلماني واليميني الديني المتطرف في حكومة نتنياهو وأثره على القضية الفلسطينية (الجزء الخامس)

غازي الصوراني

غازي الصوراني

(قراؤنا الأعزاء بدأنا من يوم السبت 11/2/2023، نشر وعلى أجزاء متلاحقة، آخر إصدار/كتاب؛ للمفكر والباحث العربي الفلسطيني غازي الصوراني، الموسوم بعنوان: التحالف الصهيوني: اليميني العلماني واليميني الديني المتطرف في حكومة نتنياهو وأثره على القضية الفلسطينية. هذا الكتاب الهام والصادر في يناير من العام الحالي بعدد 228 صفحة، بحجم ورق من القطع المتوسط؛ نضعه بين أيدي قرائنا آملين أن تتم الاستفادة المرجوة منه في موضوعه المحدد وعلاقته المباشرة؛ بشعار/دعوة/مبادرة/ضرورة: "اعرف عدوك" وضرورة مواجهة تجسيداته العملية إلى جانب ما يسمى: راويته التاريخية..

نوجه شكرنا الكبير وتحياتنا العالية إلى الباحث والمفكر القدير غازي الصوراني، على جهده الفكري والمعرفي المتواصل، وعلى خصه بوابة الهدف بنشر كتابه على أجزاء عبر موقعها الإلكتروني).

 

الإستراتيجية الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية وقطاع غزة:

"تنطلق الاستراتيجية الإسرائيلية في جوهرها في تكريس الفصل بين القطاع والضفة ليس من الناحية السياسية فحسب بل بالأساس بتجزئة القضية الفلسطينية إلى قضيتين وفق مخططات التحالف الديني والقومي الصهيوني اليميني المتطرف في الحكومة الحالية، وذلك بالفصل بين قضية قطاع غزة وقضية الضفة الغربية، وفرض حقائق استيطانية على الأرض، الى جانب مشروع الترانسفير الذي يدخل في إطار الضم الصهيوني التوسعي، مع إبقاء السلطتين في الضفة وغزة ضعيفتين، ومنح الفلسطينيين بعض التسهيلات الاقتصادية المتمثلة أساسا في زيادة عدد تصاريح العمل في الضفة وقطاع غزة.

تجدر الإشارة أن الإطار العام للاستراتيجية الإسرائيلية في قطاع غزة هو ثابت ويتعدى التغييرات السياسية في "إسرائيل" والأمر ليس سيان مع الضفة الغربية، حيث تستمر "إسرائيل" بالاستيطان والتغيير بشكل يومي، وهو عمل يدخل ضمن استراتيجية "الضم الزاحف"، أي ضم واقعي بدون ضم قانوني، وتشكل منطقة "ج" في الضفة الغربية الهدف الأساسي لإسرائيل، وتحديداً لليمين الذي يُجمع تقريباً على فكرة ضمها، بحيث لا تشمل الاستراتيجية الإسرائيلية للضفة الغربية تقويض السلطة الفلسطينية ومؤسساتها وأجهزتها بما في ذلك التنسيق الأمني، وذلك لمنع نشوء "دولة ثنائية القومية"[1].

وفي كل الأحوال فإن بقاء السلطة الفلسطينية يشكل مصلحة إسرائيلية أمريكية، ما يعني أن السلطة الفلسطينية هي الخاسر الأكبر نتيجة فوز اليمين والصهيونية الدينية، ودخول بن غفير وسموترتش إلى حكومة العدو الصهيوني ، بما يعزز التقديرات التي تؤكد على التغييب الكامل لتطبيق فكرة "حل الدولتين" أو التفاوض حولها، إلا وفق شروط التحالف اليميني الليكودي والصهيوني الديني، وهنا لابد لي من التذكير فقط بأن شعار حل السلطة الذي قد يرفعه البعض بوعي أو بدونه، يعني العودة بالتاريخ إلى الوراء وهي مسألة مستحيلة، لان هذه السلطة قامت بقرار أمريكي إسرائيلي عربي رجعي، ولن يتم حلها إلى بعد الغاء ذلك القرار.

وفي هذا الجانب، أقترح العودة إلى التأمل والحوار الموضوعي في شعار "الدولة الفلسطينية المستقلة على الأراضي المحتلة عام 67"، لأن تجاوز هذا الهدف معناه بصراحة شديدة تجاوزاً للشرعية الدولية ولقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 67/19 بالاعتراف بالدولة الفلسطينية "غير عضو" في 29 نوفمبر 2012، ومن ثم الذهاب صوب المزيد من العزلة على المستوى الدولي والغموض على المستوى الوطني والقومي.

لذلك أدعو إلى التفكير مجدداً، بإعادة النظر في فكرة حل الدولتين، شرط إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة على أرضها ومواردها وسماؤها ومعابرها وحدودها وعاصمتها القدس ، كحل مرحلي لا يلغي حق شعبنا التاريخي في كل فلسطين.

بالطبع، إنني أدرك تماماً موقف الفصائل الوطنية المناهضة لاتفاق اوسلو، وأدرك أيضاً أن السياسات الصهيونية العدوانية النازية المتطرفة (العلمانية والدينية) الراهنة، ستؤدي إلى تفعيل روح المقاومة المسلحة والشعبية -بصور ومنطلقات عفوية أو منظمة- في الأراضي المحتلة عموماً وفي الضفة الغربية خصوصاً، ستؤدي إلى صحوة الأطراف الفلسطينية المنقسمة لكي تراجع ذاتها، لعلها تستعيد منطلقاتها الوطنية التي تذهب بها مجدداً إلى انهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية التعددية ضمن إطار م.ت.ف الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، وذلك انطلاقاً من الرؤية الوطنية الموضوعية التي ترى أن الكفاح المسلح الفلسطيني لن يكون مجدياً بدون وحدة القيادة الوطنية الفلسطينية من ناحية، ولن يكون حديث الفصائل الماركسية المعارضة أو غيرها من الفصائل عن ضرورة عقد انتخابات تشريعية أو وطنية في الأراضي المحتلة 67 مجدياً أيضاً من ناحية ثانية، آخذين بعين الاعتبار تداعيات الانتخابات الأخيرة وفوز اليمين الديني الصهيوني المتطرف وانعكاس مواقفه صوب المزيد من رفض قرارات الشرعية الدولية المزيد من التفكك والتراجع ضد قضية شعبنا الفلسطيني حقوقه الوطنية سواء في الأرض المحتلة 1948 أو في الأرض المحتلة 1967، إلى جانب استمرار الانقسام وفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وفي كل الأحوال، فإن حفاظنا على مواقفنا السياسية الثورية المبدئية، لن يكلف كثيراً، وطالما أننا نملك هامشاً للعمل والاستعداد للصمود والمقاومة ، فإننا سنحصل على احترام شعبنا وشعوبنا ، وسنحقق أهدافنا بدون الحاجة للتنازل عن مواقفنا.

أما بالنسبة للعلاقة مع قطاع غزة، فإن الاستراتيجية الصهيونية تنطلق بالتعامل مع القطاع من السياسات التالية:

  1. الحفاظ على حالة الفصل السياسي والجغرافي بين قطاع غزة والضفة الغربية.
  2. عدم وجود مصلحة إسرائيلية في اسقاط حكم حماس في قطاع غزة، لأسباب تتعلق بالثمن الذي قد تدفعه جراء ذلك، وكجزء من تكريس حكم حماس لتكريس الانقسام، حيث أن اسقاط حكم حماس يعني ان يكون البديل واحد من ثلاث، غياب سلطة قوية في قطاع غزة وسيطرة المنظمات الفلسطينية عليها بقاء "إسرائيل" في القطاع وهو أمر لم يعد محل إجماع ولا تريده إسرائيل، أو عودة السلطة الفلسطينية للقطاع وهذا يعني وحدة الضفة وغرة سياسيا.
  3. السعي للتوصل لاتفاق تهدئة طويل الأمد مع بقاء الحصار على قطاع غزة.
  4. منح تسهيلات اقتصادية للقطاع مثل منح تصاريح عمل للعمال الفلسطينيين وإدخال مواد بناء من أجل الحفاظ على حالة التهدئة وزيادة التكلفة الاقتصادية لكل مواجهة عسكرية بالنسبة للقطاع.

في هذا الجانب، اعتقد أن العلاقة بين "إسرائيل" و حركة حماس في قطاع غزة يسودها حالة من الهدوء المتوتر أو الحذر، حيث تنزلق العلاقة المتوترة بينهما إلى مواجهة عسكرية بين فترة وأخرى، بيد أن الطرفين حاليا غير معنيين بمواجهة عسكرية على الرغم من استعدادهما وتحضيراتهما لها، حيث يدرك الطرفان أن تسوية سياسية بينهما غير ناضجة الآن، فكل طرف يضع شروطا للتسوية لا يقبلها الطرف الثاني، لكنهما يتفقان على أهمية بقاء حالة الاستقرار، لاعتبارات مرتبطة بمصلحة كل فريق.

في هذا السياق، تراهن دولة العدو الإسرائيلي على المسار الدبلوماسي، في محاولة منها لإجبار حركة حماس التوقيع على تسوية تستجيب للشروط والمصالح الإسرائيلية، وتقود مصر المسار الدبلوماسي للتوصل إلى التسوية بين الجانبين، لذلك "فإسرائيل" تريد اعطاء المسار الدبلوماسي الفرصة للتوصل للتسوية، واحترام الدور المصري بهذا الشأن ، ومع ذلك فإن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تعتقد أن المواجهة مع حركة حماس هي مسألة وقت، ولكنها تحاول توفير الوقت للمسار الدبلوماسي من خلال تهدئة الأوضاع مع قطاع غزة عبر امتيازات وتسهيلات اقتصادية جزء منها خرج لحيز التنفيذ، مثل توسيع نطاق الصيد والتجارة والصادرات والواردات للقطاع والسماح بدخول فلسطينيين من القطاع للعمل في إسرائيل.

وهذه السياسة الإسرائيلية الحالية في التعامل مع قطاع غزة، تنطلق -كما يقول مهند  مصطفى- "من خلال ما يسمى "تنفيد خطوات من التسوية بدون تسوية"، أي منح القطاع امتيازات وتسهيلات اقتصادية ، وفي نفس الوقت التحضير العسكري للمواجهة القادمة في حالة حدوثها، ولكن دولة العدو الإسرائيلي لازالت متمسكة بأهداف تقوم على ردع حركة حماس بما يحقق -من وجهة نظر العدو- فرض نوع من التهدئة طويلة الأمد مع حماس ، علما بان الوضع الراهن يخدم المصالح الإسرائيلية على المدى القصير ، فهناك حالة من الهدوء النسبي راهناً (بداية 2023) مع القطاع ولكن بدون تسوية سياسية.

كما "استمرت "إسرائيل" في تعزيز الانقسام الفلسطيني، خاصة وانها ترى في الانقسام مركباً أساسياً من مركبات السياسات الإسرائيلية تجاه المسألة الفلسطينية، فكان التعامل الإسرائيلي في البداية مع قطاع غزة تعاملا أمنياً كاملا، ثم بات التعامل معها كقضية سياسية بالدرجة الأولى وأمنية بالدرجة الثانية.

وتتبنى "إسرائيل" منذ سنوات قليلة -كما يضيف مهند مصطفى- "استراتيجية تعزيز الانقسام واضعاف طرفيه دون الوصول بهما الى حالة الانهيار، وذلك عبر اضعاف السلطة، وفي نفس الوقت منع انهيارها، وإضعاف حماس عبر استمرار الحصار دون العمل عسكرياً على إسقاط حكمها في قطاع غزة ودون تجويع القطاع.

  وستقوم "إسرائيل" بالسماح بإقامة مشاريع اقتصادية كبيرة في القطاع من مبدأ الاقتصاد مقابل الأمن والهدوء"، وتشمل إعادة بناء تدريجي للقطاع على نحو: ترميم بنية الكهرباء والغاز، بناء محطات لتحلية مياه البحر، ترميم الجهاز الصحية والبنية التحتية والسكن، وكل ذلك مقابل التزام حماس بالهدوء وضمانه من خلال التزام ومراقبة دوليين بتنفيذ ذلك. بحيث تكون "إسرائيل" مستعدة لوقف عملية إعادة البناء إذا خرقت حماس هذا الاتفاق"[2].

بالطبع "إسرائيل" سوف تبقى المتحكمة بالكهرباء والماء للقطاع، وفقط بعد مرحلة طويلة من الهدوء والالتزام بالاتفاق، سوف تمنح "إسرائيل" استقلالية الطاقة للقطاع. علاوة على ذلك، تشمل هذه المرحلة سيطرة السلطة الفلسطينية على المعابر، فضلا عن سيطرة مصر على معبر رفح، وفي مرحلة معينة سوف تفتح "إسرائيل" معبر كارني من أجل تسهيل عملية ترميم قطاع غزة، لكن دولة العدو الصهيوني لن تتراجع بسهولة، عن تأييدها للانقسام، إلا إذا أصبح الانقسام عبئاً عليها، أو لم يعد مكسباً صافياً لها.

على الرغم من الخلاف في "إسرائيل" حول السياسة التي يجب اتباعها تجاه قطاع غزة، إلا أن حكومة العدو الإسرائيلي اتخذت مجموعة من الخطوات تجاه قطاع غزة من أجل منع مواجهة مع القطاع في المرحلة القادمة، إما من أجل التحضير للمواجهة العسكرية، وإما من أجل اعطاء الخيار الدبلوماسي من خلال مصر للتوصل لتسوية تستجيب مع المصالح الإسرائيلية، ومن الخطوات التي اتخذتها دولة العدو الإسرائيلي[3]:

أولا: اتخاذ ترتيبات لدخول عمال فلسطينيين من القطاع للعمل في إسرائيل، وقرر وزير الدفاع "بيني غانتس" رفع العدد إلى 15 آلاف عامل وتاجر حيث من المتوقع أن يؤدي هذا الارتفاع إلى إدخال 80 مليون شيكل لقطاع غزة في الشهر، كما سمحت "إسرائيل" بتوسيع مجال الصيد للصيادين.

ثانيا: اتمام بناء الحاجز تحت الأرضي مع قطاع غزة: أنهت "إسرائيل" في شهر ديسمبر 2020 بناء الحاجز تحت الأرض حول قطاع غزة، حيث تم بناء 65 كليو متر من العائق على طول الحدود مع القطاع، وخلالها تم الكشف عن عشرات الأنفاق من قطاع غزة المتجهة نحو إسرائيل. ووصلت تكاليف المشروع إلى 3.5 مليار شيكل (حوالي مليار دولار).

 ان بناء العائق تحت الأرض يعتبر من أكبر المشاريع الهندسية المعقدة التي نفذها الجيش في تاريخه، حيث يتكون العائق من سور إسمنتي بطول ستة أمتار فوق الأرض وعشرات الأمتار تحت الأرض ويمتد العائق على طول الحدود مع قطاع غزة، وهو عائق إضافي للجدار الحدودي القائم مع القطاع. ويمتد حتى داخل البحر.

 يهدف هذا العائق – كما تقول وسائل الاعلام الصهيونية - إلى ردع حماس عن تنفيذ عمليات عسكرية، وسلبها واحدة من نقاط قوتها، وهي الأنفاق التي كانت تعتبرها حماس سلاحها الاستراتيجي في المواجهات مع "إسرائيل".

 

 

 

[1] د. مهند مصطفى – الاستراتيجية الإسرائيلية للضفة وقطاع غزة – دراسة مقدمة إلى مؤتمر مسارات – نوفمبر 2022.

[2] المصدر السابق - د. مهند مصطفى.

[3] المصدر السابق - د. مهند مصطفى.