لا جديد في القول حين نشير إلى مركزية دور طلبة فلسطين في بناء الحركة الوطنية، حيث كان للطلبة دور ريادي وطليعي في مواجهة قوى الاستعمار والهيمنة الأجنبية ووكلائهما في المنطقة العربية، وكان قد بادر الطلاب الفلسطينيين لإطلاق حركات قومية ووطنية كبرى، ويمكن الإشارة هنا إلى حركة القوميين العرب التي تأسست في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي على يد طلبة الجامعة الأمريكية في بيروت وكذلك إلى الدور الفاعل والريادي للطلبة الفلسطينيين في انطلاقة الثورة الفلسطينية منتصف الستينات من القرن الماضي أيضاً.
قد لا يعرف البعض أن الاتحاد العام لطلبة فلسطين سبق تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية بأعوام ستة على الأقل، وكان أحد أهم الروافد النضالية والثورية لحركة المقاومة الفلسطينية وفي التكوين القيادي لحركة فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وغيرها من القوى والفصائل الفدائية التي انطلقت عشيّة حرب حزيران عام النكسة 1967.
ولعبت الحركة الطلابية في لبنان و مصر وسوريا والعراق أدواراً تاريخية وهامة في توجيه وقيادة حركة النضال الوطني والقومي.
عادت الحركة الطلابية الفلسطينية إلى واجهة المشهد من جديد ببدء مشاركتها الواسعة والفاعلة في انتفاضة القدس ، وذلك من خلال قيادتها للفعاليات التي تحرك الشارع وتنظم حراكه الشعبي وتدعم تطلعاته، خصوصاً فيما يتعلق بالمواجهة المباشرة مع المحتل في نقاط التماس على امتداد محافظات الوطن، مثل جامعة بيرزيت وجامعة خضوري والنجاح والخليل وغيرها.
اعاد هذا المشهد للأذهان دور الحركة الطلابية في الانتفاضتين الأولى والثانية، ومدى التأثير الكبير الذي خلفته مشاركتها على الصعيد العسكري، حيث كان لطلبة الجامعات دور كبير في العمليات التي وقعت داخل الاراضي المحتلة عام 1948، وأدت إلى مقتل المئات من الصهاينة، حيث لا يزال اسم "عياش" ابن جامعة بيرزيت، والحنبلي ويامن فرج وجبريل عواد أبناء جامعة النجاح وأبو عكر وعبيات ونزال ومسك رموزاً لن تنساها الأجيال كما لن ينساها المحتل بالتأكيد.
عودة الحركة الطلابية إلى الانخراط في مشهد المواجهة مع المحتل من جديد، له دلالات واسعة وتأثير كبير في الساحة الفلسطينية وعلى الشباب الثائر والمنتفض من شرائح المجتمع، حيث أدى ذلك إلى إحداث تأثير كبير في زيادة فعالية هذه الانتفاضة واستمراريتها.
قدمت الحركة الطلابية في هذه الانتفاضة ما يقارب (63) شهيداً، وما يزيد على (600) أسير تم تحويل غالبيتهم للاعتقال الإداري وأصيب الآلاف منهم عبر نقاط الاشتباك اليومي مع جنود الاحتلال بالرصاص الحي والمطاطي، الأمر الذي يزيد عليهم وعلى ذويهم أعباء إكمال المسيرة التعليمية وزيادة نفقات التعليم والدراسة، ومواجهة صعوبة في الانخراط بسوق العمل لاحقاً وما قد يتعرضون له من مضايقات في التنقل بين المدن الفلسطينية والسفر إلى خارج حدود الوطن وفرض الإقامة الجبرية عليهم والإبعاد من بعض المناطق.
من ناحيته، شدّد الشاب "محمود" سكرتير القطب الطلابي التقدمي في جامعة بير زيت لـ "بوابة الهدف" على أن مشاركة الحركة الطلابية بانتفاضة القدس ساهم بشكل كبير في اتساع رقعتها، الأمر الذي أدى لاستمرارها، على الرغم من حملات الاعتقال التي تشنها قوات الاحتلال الصهيوني في صفوف الطلبة من جامعة بيرزيت، حيث اعتقل الاحتلال (90) طالب من أبناء جامعة بيرزيت، وجرح ما يزيد على (380) طالب على يد قوات الاحتلال الصهيوني، وقال سكرتير القطب الطلابي التقدمي أن "الحركة الطلابية الفلسطينية سارعت للانخراط في كل ما تمخض عن هذه الانتفاضة من المشاركة في تأسيس اللجان الشعبية لحماية القرى والبلدات الواقعة على خطوط التماس مع المستوطنات الصهيونية، والمشاركة في بناء حاضنات شعبية لإعادة بناء منازل الشهداء والأسرى التي دمرها الاحتلال، والضغط باتجاه تشكيل لجان حقوقية وقانونية وانسانية للمطالبة باستعادة واسترداد جثامين الشهداء"، داعياً الهيئات المسؤولة في جامعات الوطن إلى الكف عن الضغط على الطلبة على خلفية مشاركتهم في الانتفاضة وأخذ الدور المناط بهم والمسؤولية التاريخية الواقعة على كاهلهم.
منسق الكتلة الاسلامية في جامعة خضوري "ناصر" يقول "رغم أن القائمين على الحركة الطلابية هم من فئة العشرين، أي ممن وُلِدوا وعاشوا في ذروة مرحلة المفاوضات والمطالبة بالسلام، لكن استمرار الاحتلال بسرقة أرضنا والاعتداء على مقدساتنا وانتهاجه سياسة القتل والحرق والإبادة لشعبنا جعل منا مقاومين له بكافة السبل والوسائل المتاحة، وسنفشل كافة مخططاته بكل عزم وإرادة"، داعياً إلى تشكيل جسم طلابي مركزي موحّد يعبر عن أهداف الطلبة وتطلعاتهم في تحرير الأرض والإنسان من الاحتلال الصهيوني.
أحد قيادات حركة الشبيبة الطلابية في جامعة الخليل والذي رفض الكشف عن اسمه, أكد لـ "بوابة الهدف" على أن "تاريخ الحركة الطلابية والأجيال التي خرّجتها من أسرى وشهداء شكل دافعاً كبيراً وقوياً لتكون الحركة الطلابية صاحبة الريادة في قيادة الهبة الجماهيرية الحالية لإفشال مخططات الاحتلال."
طلبة المدارس كان لهم دور بارز أيضاً في انتفاضة القدس، فالشهيدة أشرقت قطناني ودانيا ارشيد والشهيد مأمون الخطيب ومحمود الشلالدة استشهدوا بأعمار دون الـ 18 عام، فشارك طلبة المدارس في المظاهرات والمسيرات وتشييع جثامين الشهداء، واستشهد من طلاب المدارس على امتداد محافظات الوطن بما فيها مدينة القدس 28 طالباً، واعتقل ما يزيد على (310) طالب، وجرح منهم (900) طالب، وأسفرت إجراءات الاحتلال من خلال نصب وإغلاق الحواجز وتعطيل المعلمين من الوصول إلى مدارسهم بشكل كلي وجزئي إلى هدر (7479) حصة تعليمية، وتعرضت العديد من المدارس خاصةً في مدينة الخليل إلى اعتداءات المستوطنين وجنود الاحتلال، وأصيب مئات الطلاب بحالات الاختناق جراء استنشاقهم الغاز السام في مدينتي الخليل وبيت لحم.
أمام الحركة الطلابية الفلسطينية مهمة استعادة اتحادها العام وحشد كل قوة ممكنة في الجامعات والكليات من أجل تعزيز وحدتهم أولاً ورصّ صفوفهم، والدفع باتجاه وحدة كافة أطياف الحركة الوطنية الفلسطينية، وتقع مهمات ومسؤوليات كبرى تتصل بحماية ودمقرطة ومجانية التعليم وصون قيم العمل التطوعي والوطني، خارج نظام "الكوتا" الفصائلي والحزبي، لتسهيل المشاركة والاستمرار في العمل الوطني.

