لعلَّ الوصيَّةَ، أو الخًلاصةَ الجوهريَّةَ المنطقيَّةَ العقليَّةَ، والوجودِيَّةَ الشَّاعريَّةَ، في آنٍ مَعَاً، والتي باقتباسِهَا أكْمَلنَا القِسمَ السَّابِقَ منْ هَذه المُقاربَةِ النَّقْدِيَّةِ القَارئِةِ، وهي الوَصِيَّةُ الخُلاصَةُ التي تَقًولُ: "لا تُبَدِّلْ هَواكَ/ وكُنْ جَسَداً واحِدَاً في الرِّهَانْ"*، لَعَلَّهَا أنْ تكونَ، من حيثُ ضَفْرِهَا الهَوى بالْهُوِيَّة في صُلبٍ مَدْلُولٍ جَوهريٍّ واحِدٍ، يَنْبُوعَ كُلِّ الوَصَايا، ولُبُّ جَوهَرِهَا المَكْنُوزِ، وصُلْبُ كُلِّ أَصْلابِهَا الرَّاسِخَات؛ كَوَصَايَا، هي في حَدِّ ذاتِهَا، خُلاصَاتُ تَجَاربِ حَياةٍ، قاسِيَةٍ ونبيلَةٍ، تُوْدِعُهَا "الذَّاتُ الشَّاعِرةُ" في وِجْدانِ "قرينها المُلازمِ"، أو "طِفْلِهَا الشِّعريِّ" الرَّائي بلا أدنى خفَشٍ في البَصَرِ، أو التِبَاسٍ في البَصيرةٍ: "عَنَانَ"؛ فهي تؤكِّدُ كُلَّ دلالاتِ التَّشَبثِ بالمَحْبُوبَةِ الخَالدةِ: "فِلَسْطِيْنَ" التي تَتَبَادَلُ، مع شَعْبِهَا، كُلَّ مُكَوِّنَاتِ الهُوِيَّةِ الوطنيَّةِ الإنْسَانيَّةِ الجَامِعَةِ كليهِمَا في إِهَابِ كَيْنُونةٍ حَيَاتيَّةٍ وُجُودِيَّةٍ ذاتِ هُوِيَّةٍ مُلْتَحِمَةٍ، وذلِكَ مُذْ لحظَةِ وجُودِهَمَا الصَّمِيْميِّ المُتزامِنِ مع لَحْظَةِ انبثاقِ فَجْرِ الحَضَارةِ الإنسانيَّةِ، والمُتَواصِلِ، بلا أدنى انقطاعٍ، على مدى أزمنَة التَّاريخ حتَّى هذه اللَّحظَةِ من لحظاتِ أزمنتهِ الصَّائرة، والمُتَحَوِّلَةِ، وغيرِ القابِلَةِ لِتَركِ أمرٍ زائفٍ، أو حَالٍ غير سَوِيٍّ، على ما هُمَا عليه من زيفٍ وعدَمِ سَواءٍ، أبداً.
وبضَفرِ الهَوَى بالهُوِيَّةِ، وفْقَ تأويلٍ دلاليٍّ سَيُعَزِّزُ الشِّقُّ الثَّاني مِنَ الوصِيَّةِ صِدْقِيَّتَهُ، سَيَتَجَاوبُ عدمُ تَبْدِيْلِ الهَوَى مع عدم تَبْدِيْلِ الهُويَّة تَجَاوباً تَرادُفِيَّاً يُعْطي مَعْنَى ثُلَاثيَّاً مُتَشَابِكاً: رُسُوخُ الانتماءِ إلى فِلَسْطينَ: أرضاً، وشعباً، وقضيَّةً؛ والانْخْراطُ الحَيَويُّ في المُقَاومَةِ الشَّعْبِيَّة الهَادفة إلى تحريرها واستعادتها؛ وتَعزيزُ اللُّحْمَةِ الوطنيَّةِ الفِلَسْطِينيَّةِ التي تَكْفُلُ، بالتَّضَافُرِ مع الأمرين السَّابقينِ، الفَوزَ برهانِ الصِّراعِ الوجوديِّ؛ إذْ ليسَ لانْكِسَارِ هذه اللُّحمَةِ، أو لِضَعْفِهَا، أنْ يُمَكِّنَ الشَّعبَ الفِلَسْطِيْنِيَّ منَ اجتثاثِ الغُزاةِ، وتحرير فِلَسْطِيْنَ واستعادتها كاملةً غيرَ مَنْقُوصَةٍ، ومن الشُّروعِ، مِنْ ثَمَّ، في تجليةِ وجُودِهَا الحَيويِّ، القديْمِ والمُعَاصِرِ والمفتوحِ على المُستَقْبَلِ، في شتَّى مدارات الحياةِ والوجودِ الإنْسَانِيِّ الحَقِّ.
وفي ضَوء ما تقولُهُ شبَكَةُ دلالاتِ القَصِيْدَةِ، سيكونُ لهذا المعنى الثُّلاثِيِّ أنْ يُشكِّلُ ثَالُوثَ أعْمِدَةِ المِحْوَرِ الرَّأْسِيِّ الثَّابتِ الذي عَلَيْهِ تَدُورُ صيرورةُ الهُوِيَّةِ الفلسطينيَّةِ، وتَحوُّلاتِهَا المُمْكِنَةُ، في مجرى الصِّراع الحياتيِّ الوجوديِّ المفتوحِ مع الغُزاةِ، فيما لتجلياتِهِ المُتنَوِّعَةِ أنْ تُفْصِحُ عَنْ أنَّ علاقَةَ الحُبِّ العِشْقيِّ، الحَيَاتِيِّ الوُجُودِيِّ، المُتَبَادَلِ بين فِلَسْطِينَ وشعْبِهَا، قد رَسَخَتْ وسَمَتْ حتَّى وصَلَتْ حدَّ التَّمَاهِي الكُلِّيِّ والوَلَهِ الأقْصَى؛ فقد وهبتْ فِلَسْطِينُ رُوْحَهَا وكُلَّ نَفْسِهَا لِشَعْبِهَا، ووهَبَهَا شَعْبُهَا كُلَّ نَفْسِهِ وَرُوْحَهِ، فَكَانَ كُلٌّ منهُمَا أمُّاً لآخَرِه وأبَاً، وابْنَةً وابْنَاً، ومِرآةً يُبْصِرُ آخَرَهُ فيْهَا إذْ يُبْصِرُ نفْسَهُ، ومَجَالاً حَيَوِيَّاً لِصَيْرورةِ حياتهِمَا الحيَويَّة المُتَجَدِّدةِ أبداً، ولتجلِيَةِ وجودهِمَا الإنسانيِّ الحَياتيِّ الوُجودِيِّ الدَّافِقِ والمُلْتَحِمْ.
شَتَاتٌ مَرفُوضٌ وصِرَاعُ وُجُودْ
وفي ضوء هذا التَّأويلِ الدَّلاليِّ النَّابع من قراءةِ العَلاقاتِ التَّفَاعُليَّة القائمِةِ بينَ مكوناتِ شبكة دلالات القصيدةِ بأسرهَا، سنكون مؤهلينَ لاستنباطِ الصِّفَةِ التي يُمْكِنُ لإضافتها إلى الكلمة "الرِّهَانْ" التي قرأناها تَوَّاً، أنْ نُعَرِّفَ هذا "الرِّهَانَ"، لِنُدركَ، إدراكاً مَفْهُومِيَّاً سَاطِعاً، مَعْنَاهُ؛ وما هذه الصِّفَةُ التي تُحَفِّزُنا معطياتُ الشَّبَكَةِ الدلاليَّةِ الكُلِّيَّةِ على استنباطِهَا منها، إلَّا "الوجوديُّ". إنَّهُ، إذنْ، "الرِّهَانُ الوجُودِيُّ"؛ أو هُوَ "الصِّراعُ الوجُودِيُّ" الَّذي لا يُمْكِنُ لشَعْبٍ مُسْتَهْدَفٍ من قبل التَّوحُّش البشريِّ بالإبادة، والإفْنَاء، وتعديم الوجُودِ، أنْ يَخُوضَ غِمَارَهُ مُراهِنَاً على الفَوزِ فيه، أو أنْ ينخَرطَ في مَسَاراتِهِ النِّضَاليَّةِ، بكفاءة قادرةٍ وبَسَالةٍ نَاجِعَةٍ، تُمَكِّنَاهُ من الفَوزِ برهانِ خَوضِهِ عبرَ تحقيق الانتصار الحَاسِمِ والنِّهائيِّ فيه، إنْ لم يَكُنْ هذا الشَّعْبُ "جَسَداً واحِداً"؛ أي كَيْنُونَةً حَيَاتِيَّةً ووجُوديَّةً مُلْتَحِمَةً، تَدُلُّ أجزاؤها على جَوْهَرِهَا الجَامِعِ وكُلِّيَّةِ كينونَتِها، ويَدُلُّ جَوهَرُهَا الجَامعُ وكينونَتُهَا الكُلِّيَّةُ على أجزائِهَا التي تُجَلِّي في ذاتِهَا، وفي انفرادِهَا، وفي التحامها بهما، وُجُودَهَا ووجُودَهُمَا، بلا أدنى شُبْهَةٍ لوجودِ أدْنَى انْقِسَامٍ، أو تَبَايُنٍ، أو انْفِصَامْ.
وتَأْسِيْسَاً على مؤسِّساتِ هذه الوصِيَّةِ، النَّابعةِ، أصْلاً، مِنْ فِلَسْطِينَ، المَحْمُولِ نِدَاؤُهَا على صَوتِ الوجُودِ الإنسانيِّ الحَقِّ، تذهبُ "الذَّاتُ الشَّاعِرةُ" التي التقطتْ، برهافَةٍ، هذا النِّداءَ، إلى مُخَاطَبَةِ "عَنَانَ"، باسمِ كُلِّ فلسطينييِّ المَنَافِي والشَّتَاتِ الذين "يُجَرْجِرُهُمْ" السَّعيُّ اللَّاهبُ لمواجَهَةِ عقابيلِ المآسِي والنَّكباتِ، وشتَّى ضُروبِ الاستبدادِ والقَهرِ، ولتخْفيفِ وطْآتِ شُروطِ العيشِ الضَّاريَةِ في مُخَيَّمَاتِ اللُّجُوءِ القَسْريِّ، وتأمينِ حَاجات البقاءِ على قيدِ الحياةِ لأسرهم ولأنفسهم، من مَنْفَىً إلى مَنْفَىً، ومن شَتَاتٍ إلى شَتَاتٍ، في أصقاعِ أُروضٍ ليست لهم، ويرفضُ وجدانُهُمُ الكُلِّيُّ أنْ يكونَ أيُّ صَقْعٍ منها بديلَ وطنهم المأْسُورِ، والمَائرِ وجُودُهُ في وُجْدانِ كُلٍّ منهم، وفي أصْلابِ كينونته كَذَاتٍ فلسطينيَّةٍ إنسانيَّةٍ، فرديَّةٍ وجمْعِيَّةٍ، مُلْتَحِمَةٍ.
وما "عَنَانُ" المُخَاطَبُ، هُنَا، إلا رمزاً على كُلِّ فلسطينِييِّ المنَافِي والشَّتَاتِ المُقْتَلَعِينَ من "فِلَسْطِيْنِهِمْ"، والعَاقِديْنَ العَزْمَ على تحريرها واستعادتِهَا، وذلِكَ بِقَدرِ ما هُوَ رمزٌ على الذَّات الشَّاعرة التي تُخَاطِبُهُ، لكونِهِ، وِفْقَ تجليات حُضُورهِ المُبَاشِرِ في هذا الكتابِ الشِّعْريِّ عبرَ هذه القصيدة، وقصيدتين أخريين هُمَا: "أمل"؛ و"أَيُّهَا المَاءُ"، ومقْطَع أخيرٍ من قصيدةٍ مُطَولةٍ عُنوانُها "آخِرُ اللَّيْلِ"، وفي ضَوءِ تجلياتِهِ الدَّلاليِّةِ المبثوثَةِ في فَضَاءاتِ قَصَائِدَ عديدةٍ أخرى، هُوَ "الرَّمزُ الشِّعْريُّ الكُلِّيُّ" الدَّالِ على أبناءِ فِلَسْطِينَ وبنَاتِهَا أجمَعينَ، ولا سِيَّمَا مِنْهُمْ، ومنهُنَّ، الأوفياءَ المُخْلِصِينَ، والوَفيَّاتِ المخْلِصَاتْ، راسِخِي الانْتِمَاء وراسِخَاتِهْ.
ومَعِ اكتمالِ "ترميزِ عَنَانَ" على النَّحْو الكُلِّيِّ الذي بيَّنَّاهُ بِتُؤدةٍ وبعضِ إسْهَابٍ، تذهَبُ الذَّاتُ الشَّاعرةُ إلى مُنَاداتِهِ مِنْ جَدِيدٍ، لِمُتابَعَة مُخَاطبَتِهِ وإبلاغِهِ المزيدَ من وَصَايَاهَا، فَكأَنِّي بها تُنَادي نفْسَهَا إذْ تُنادِيْه، وتخَاطِبُ نَفْسَهَا إِذْ تُخاطِبُهُ، فَتَقولُ لِنَفْسِهَا مَا تَقُولُهُ لَهُ، وتَكشِفُ لِنَفْسِهَا ما تكْشِفُهُ لَهُ، فَتَلْمَسُ بِرُوْحِهَا شُقُوقَ رُوْحِهِ، وتَتَحَسَّسُّ بأصَابعِهَا جُروحَهُ وحُروقَ جَسَدِهِ، وتُعَاني، بِكَامِلِ كينونتهَا الحياتيَّة الوجودِيَّة، مُكَابَدَاتِهِ وعذاباتِهِ، فيما هُوَ يَلْمَسُ بِرُوحِهِ شُقُوقَ رُوحِهَا، ويتَحَسَّسُ بأصابِعِه جُروحَهَا وحُروقَ جَسَدِها، ويُعَاني، بِكَامِلِ كينونتِهِ الحَيَاتيَّة الوُجودِيَّة، مَا تُعُانِيٍهِ من مُكَابَدَاتٍ قاسيَةٍ، وضَراوةِ عَذَابَاتٍ، وآلام.
وإنْ تركَّزَ المَقْطَعُ الشِّعْرِيُّ السَّادسُ من هذه القصيدة، على سَردٍ إِلمْاحي مُرمَّزٍ لِمَا اقترفَتْهُ أنْظِمَةٌ سِيَاسيَّةٌ عربيَّةٌ مُسْتَلَبَةُ الإرادةِ تَقْبَعُ رؤوسُهَا مِنَ "السَّادةِ الإمَّعَاتِ" مَنْزوعي الوطنيَّةِ والوعْيِ والضَّمِيرِ في "عَواصِمَ ذِئبَةٍ" تُنَاقِضُ "القُدْسَ"، فَتَتَضَافَرُ اقترافاتُهَا التَّوحُّشيَّةُ، والتَّكْبِيلِيَّةُ المُغِلَّةُ، بِحَقِّ فِلَسْطينَ وشَعْبِهَا، مَعِ اقترافاتِ الغُزاةِ الصَّهايِنَة المُستَعْمِرينَ المُسْتَوطِنِينَ المُتَوحِّشينَ، وجرائِمِهِم المُتَواصِلَةِ، بحقِّهِمَا، فَإنَّهُ لَيَكْشِفُ، في مُقَابلِ كُلِّ هذا الاستهدافِ التَّوحُّشي، وفي سياقِ بَلْوَرَةِ مَاهِيَّةِ الاستجابَةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ المُجْدِيَة، والقابِلَة للوجودِ الحيويِّ الفعَّالِ، على التَّحَدِّيات التي يُمْلِيْهَا هذا الاسْتِهْدَافُ التَّوحُّشيُّ، مُكَوِّناتٍ جَوهَريَّة أُخرى تَتَفَاعَلُ في صَوْغ "هُوِيَّةِ عَنَانَ" التي تُحَدِّدُ ماهِيَّةَ الاسْتِجَابَاتِ الواجبِ عليهِ اتِّخاذُهَا إزاءَ أيِّ تَحَدٍّ لا مَندوحَةَ لَهُ مِنْ مواجهتهِ، فَهُوَ الحُرُّ الذي لا يُؤْمَرُ، والذي ليسَ لدمِهِ النَّازفِ أنْ يصيرَ "حِبْراً عَلى وَرَقِ الصَّفَقَاتِ"، وهو الكائنُ الوجوديُّ الإنْسَانُ الذي لِفِعْلِ يديه القوَّيتين أنْ يكونَ واسِعَاً شَاملاً وُسْعَ السَّمَاءِ وشُمُولِهَا، والذي بِوسْعِ يَدَهِ أنْ تلتَقِطَ، بأمرِ أُمِّهِ فِلَسْطِينَ، ولأجْلِهَا، أَعْلى نُجُومِ السَّماءِ الَّتي هي، في البَدْءِ والمُنْتَهَى، سَمَاؤُهَا المُضَاءَةُ بأنوارِ نُجُومِهَا الوقَّادةِ أبَداً: أبناؤها وبناتُهَا "الشُّهَدَاءْ":
"يَا عَنَانْ
لا حُدُودَ لَهُم
فَلِمَاذَا أقَامُوا الحُدُودَ عَلَيكْ
والسَّمَاءُ اتِّسَاعُ يَدَيكْ
لَسْتَ حِبْرَاً على وَرَقِ الصَّفَقَاتْ
كُلُّ عَاصِمَةٍ مَا خَلَا القُدْسَ عَاصِمَةٌ ذِئْبَةٌ
وشَتَاتٌ يُجَرْجِرُنَا لِشَتَاتْ"
قَصِيْدةُ شَخْصِيَّةٍ شِعْريَّةٍ مُرَمَّزةٍ
للتَّأمُّلِ في كيفية بَنْيَنَةِ المقطع السَّابع والأخير من هذه القصيدةِ، وفي أسلوب صَوغه الذي يَضْفُرُ مفرداته التَّفصيَّلة لِيَقصُرَهُ على متتالية شِعْريِّةٍ مُفرَدةٍ تتكَوَّنُ من أَحَدَ عَشَرَ سَطْراً، أنْ يُفْصِحَ عَنِ الوظيفيةِ الجَمَالِيَّة والرُّؤْيَوِيَّةِ المُتَواشَجَةِ التي أُرِيْدَ لَهُ أنْ يُؤدِّيها، ذلكَ أنَّهُ يتأسَّسُ على إقامة التَّنَاقضِ الجَذريِّ بين مُفْتَتَحِهِ، وبَيْنَ ما انْتَهى المقْطَعُ الذي سَبَقَهُ إليْهِ؛ أيِّ المَقْطَعِ الذي قرأناهُ للتَّوِّ، من توصيفٍ للشُّروطِ الضَّاريةِ الحَاكمةِ الفلسطينيَّ المُشَرَّدَ، بالإرهابِ والقَهْرِ، خَارج وطَنِهِ، والتي تُجَرجِرُ خَطْوَهُ من شتاتٍ إلى شَتَاتٍ، فِيْمَا هِيَ تُكَبَّلُ يَديْهِ لتَحولَ دونَهُ والتَّحْلِيْقَ في فضاءاتِ الفِعْلِ الخَلَّاقِ، وتَغُلُّ قَدَمَيْهِ لِتَكْبَحَهُ عنِ الخَطْوِ صَوبَ وطَنِه الأسِيْرِ المَسْرُوقِ، سَعْيَاً لِتَحْريرهِ، واستعادتِهِ، وإعادتِهِ إلى جَوهَرِ هُويَّتِهِ الفلسطينيَّةِ الحَضَاريَّة التَّاريخيَّةِ، وإلى كينونةِ ذاتِهِ الوطنيَّةِ الثَّقافِيَّةِ الوجُودِيَّةِ الكُلِّيَّةِ، الإنْسَانيَّة الجَوْهَرِ والامتداداتِ والأبْعَادْ.
وستلعب أوَّلُ صُورةٍ شعريَّةٍ تَأْتي بَعْدَ صِيْغَةِ النِّداءِ: "يَا عَنَانْ" التي تفتتحُ هذا المقْطَعَ على غِرَارِ المَقَاطِعِ الشِّعْرِيَّة السِّتَّة التي سبِقَتْهُ، سَتَلْعَبُ دَوْراً رؤيَوِيَّاً وبنائيَّاً لافتاً، ليس في إقامة التَّنَاقُضِ بين المَنْفَى والوطَنِ، فَحَسْبُ، بل في الدَّلالة على أنَّ وجودَ الفلسطينيِّ في أي حيِّزٍ مَكَانِيٍّ من أحْيَازِ "المَنْفَى"، سَواءٌ أكانَ هذا الحَيِّزُ داخَلَ "وطَنِهِ" أم كانَ خَارجهُ، ليس إلا رديفَاً فعليِّاً لحالة "الموتِ في الحَيَاةِ" و"الوُجُودِ المُراوِغِ أو المُؤجَّلِ"، بينَمَا غَذُّ الفِلَسْطِيْنِيِّ خَطْوِهِ صَوْبَ "وطَنِهِ"، واختراقِ كُلِّ "حَدٍ" اصْطُنِعَ ليَحُولَ دونَهُ والوصُولِ إليه، هُوَ الحَيَاةُ الحَقَّةُ بأثرى معانيها، وأغزرها تَجَسُّداً حَضَاريَّاً إنسانيَّاً في رحَابِ أرضِ هذا الوَطَنِ الخَالِدِ: "فِلَسْطِيْنَ"، وأَجَلِّهَا تجلِّيَاً إنْسَانيَّا مَشْحُوذاً بِضَوءٍ شَمْسِيٍّ يُنِيرُ شَتَّى مداراتِ الوُجُودْ:
"يَا عَنَانْ
إنَّ خَلْفَ الحُدُودِ نَخِيلاً كَثِيراً يَمُدُّ يَدَيْهِ
فَمُدَّ يَدَاً للحَيَاةْ
كُلُّ شَيءٍ يَمُوتُ سِوَى الشُّهَداءِ
وما تَرَكَ الرَّاحِلُونَ مِنَ الذِّكرياتْ
كُلُّ شيءٍ يَمُوتُ
فَإِنْ سَأَلُوكَ فَقُلْ:
(فَعَلَهُ صَغيرُهُم هَذَا)
عَنَانْ
خُطْوَتَانْ
خُطْوَتَانْ"
هكذا، إذنْ، مع انبثاق ما "خَلْفَ الحُدُودِ" من نخيلٍ كثيرٍ "يَمُدُّ يَدَيْهِ" مُنَادِياً أبناءَ فِلَسْطِينَ وبناتها المَقْذوفينَ والمَقْذُوفاتِ في هَجِيْرِ الشَّتاتِ القَسْريِّ الحَارِقِ، وفي صَقِيْعهِ الجلِيْدِيِّ المُجَمِّدِ، أنْ يخترقوا ويَخْتَرِقْنَ كُلَّ "الحُدُودِ". ومع إقامتِهِ التَّنَاقُضَ الوُجُوديَّ بين ما يَمُوتُ وما لا يَمُوتُ؛ أي بين الوجُودِ والعَدَمِ، كتناقضٍ بَدَا، في تَصَوُّر الأعَمِّ الأَغْلَبِ مِمَّنَ لا يلتقطونَ نداءاتِ الوجُودِ من النَّاس، تَنَاقُضَاً جذرياً غيرَ قابلٍ للرَّفْعِ أو الإزاحةِ، يَذْهَبُ هذا المقْطَعُ الشِّعريُّ إلى بَلْوَرةِ رؤيَةٍ تَقُولُ إنَّ أحَدَاً لا يَسْتَطِيْعُ إزاحَةَ هذا التَّناقُضِ، أو رَفْعَهُ على نَحْوٍ تفاعُليٍّ بينَ طرفَيْهِ، "سِوى الشُّهَداءِ" الخَالِدينَ" أبداً، وذَلِكَ بتَمْدِيْدِهِمْ أوَّلَهُمَا: "الْوُجُودْ"، لاجْتِثَاثِ ثانِيْهِمَا: "العَدَمْ".
ومع تكرارِ الكَلِمَةِ المُثَنَّاةِ: "خُطْوَتَانِ" مرتين، لِتَكُونَ هي آخرُ كلَمَاتِ القِصَيْدةِ، فَإنَّ لهذا التِّكرار أنْ يَسْتَدعيَ أوَّل كَلِمَاتِهَا: "خُطْوَتَانِ"، ليَضعَنَا إزاءَ ثلاثَةِ متُكرراتٍ للكلمة نفسها: "خُطْوَتَانِ". وإذْ كانَ لأَوَّلِ حُضُورٍ لِهَذهِ الكلِمَةِ أنْ يَفْتَحَ أوَّلَ متتالية شعريَّةٍ في أوَّل مَقْطَعٍ من مقاطِع القصيدة؛ وهي المُتَتَالِيَةُ الشِّعْرِيَّةُ الوحيدةُ المنطوقَةُ بصوت "عَنَانَ"، لَيْسَ في هذه القصيدةِ فحَسْبً، بلْ فِي هذا الكتابِ الشِّعْريِّ بأسره، فَإنَّ لِتِكْرارِ الكلمةِ نَفْسِهَا مرَّتينِ في خاتمةٍ القصيدةِ، لِتَكونَ هي آخِرُ كلماتها وخِتَامُ قَولِهَا، أنْ يُسْمِعَنَا"صَوتَ عَنَانَ" الذي نَطَقَهَا لأوَّل مرَّة، وأنْ يُعِيْدَ إطلاقَهُ في فَضَاءِ القَصِيْدة، لنِصْغيَ إليهِ مَائِراً فِيْهِ، مُوَحَّدَ النَّبرَاتِ مع "صَوتِ الذَّاتِ الشَّاعِرةِ" التي يَمُورُ في أعْمَاقِ صَوْتِهَا صَوتُهُ، وذلِكَ على نَحْوٍ يُسْهِمُ، بفاعِلِيَّة جماليَّةٍ ورؤيَويَّةٍ، ليسَ بتدويرِ القَصيدَةِ عبرَ إعادةِ مُنْتَهَاهَا على بَدْئِهَا، فَحَسْبُ، وإنَّما أيضاً بتكثيفِ مَدْلُولِهَا الكُلِّيِّ، ومَغزاها الجَوهِريِّ العميقِ، عَبْرَ بَثِّ جَوهَرِ رسالتها التَّحرُّريَّة الإنسانيَّة: "خُطْوَتانِ ونفتَحُ بوَّابةَ الغَيْمِ" بِصَوتٍ جَمْعيٍّ يَضْفُرُ في إهابِهِ صَوتَ الذَّاتِ الشَّاعرةِ وصَوتَ قرينهَا عَنَانَ الذي رمَّزتهُ تَرْمِيزاً كُلِّيَّاً، وجسَّدتْ حُضُوره كشخصيَّةٍ شِعريَّة حيَويَّةٍ، وجعَلَتْ صَوْتَهُ صَوتاً جَمْعِيَّاً مُوَحَّدَ الرُّؤى، مُلْتَحِمَ النَّبراتْ.
وهكذا يَتَعزَّزُ وُجُودُ هذه القَصيدة، على المُستَويينِ الرؤيَويِّ والجَمالِيِّ، بِوصْفِهَا "قَصِيدةَ شَخْصِيَّةٍ شِعريَّةٍ مُرَمَّزةٍ" اختارت "المُونُولوج الدِّرامي"، كشكلٍ شِعْرِيٍّ، بيتاً لسُكْنَاهَا، فَبَنَتْهُ بنفسها، لِتَسْكُنَهُ بِصُحْبَة الذَّات الشَّاعِرةِ، وعَنانِهَا. وقَدْ كانَ لإصغائنا إلى صَوتِ عَنانَ في مُفْتَتَحِ نَصِّ هذا المُونُولُوج الدِّراميِّ، ولتكرارِ صيْغَة النِّداءِ: "يَا عَنَان" في مفتتح سِتَّةِ مقاطِعَ من مقاطِعِهِ السَّبْعَة، ولالتحام "صَوتِ "عَنانَ" بِـ"صَوتِ الذَّاتِ الشَّاعِرةِ" في آخرِ كلمتينِ تَوَّجَتَا خِتَامَه، وفَتَحَتَاهُ، تِكْراراً لمرَّتينِ، على مُبْتَدَئهِ، أنْ يُسْهِمَ بفاعِليَّة جماليَّة مُمَيَّزةٍ في بلورةِ الشَّرطِ البنائيِّ المعياريِّ الجَوهَريِّ لِوُجُودِ "المُونُولُوج الدِّرامِيِّ" الذي لا يَتَمَثَّلُ في وجُودِ المُخَاطِبِ والمُخَاطَبِ، المُنَادِي والمُنَادَى، النَّاطِقِ والسَّامِعِ، داخِلَ نَصِّهِ كقصيدةٍ دراميَّةٍ، فَحَسْبُ، وإنَّمَا أيضاً، وفي تصاحُبٍ صميميِّ مع هذا المعيار، في استمرارِ بَقاءِ إمكانيَّةِ سَمَاعِنَا صَوتَ السَّامِعِ، الذي هُو هُنَا "صَوتُ عَنَانْ"، في أيِّ لحْظَةٍ من لَحَظاتِ القصيدة، إمكانيَّةً مُجَرَّدةً قَائِمَةً مُذْ بَدْئِهَا حتَّى مُنْتَهاها، وقابِلَةً للتحويلِ، في أيِّ لحظَةٍ من لحظاتِها، إلى إمكانيَّةِ فعليَّةٍ، وهو الأمرُ الذي تَحقَّقَ، كما قد بيَّنتْ قراءتُنَا، في بدْئهَا وفي مُنْتَهاهَا، والذي أبقى عَنَانَ حَاضراً، حُضُوراً حيويَاً، في كُلِّ كلمَةٍ من كلماتها، وفي كُلِّ خَفْقَةٍ من خَفَقَاتِ تشكُّلِهَا.
وإلى ذلك، وفي ضَوءِ كُلِّ ما قَدْ وفَّرتْهُ القراءةُ المُتَبَصِّرةُ من مُعْطيَاتٍ، فإنَّنا لَنَخْلُصُ إلى القَولِ، إنَّ هذه القصيدةَ الواسِمَةَ: "فَعَلَهُ صَغيرهُم هذا عَنَان"، قدْ تَمَكَّنتْ، بإبداعيَّة لافِتةٍ، منْ تجليَةِ وُجود هذا الـ"عَنَانَ" على نَحوٍ جماليٍّ ورؤيويٍّ مُتَضَافرٍ ومُتَعَدِّدِ الَّتجلِّيات؛ فهو: شخصية شعرية مستقلةٌ عن الشَّاعرِ، وهو رمَزٌ كُلِّيٌّ على الشَّعب الفلسطيني بأسره، وربَّما على كُلِّ إنسانٍ إنْسَان، وهو قرينُ الذَّاتِ الشَّاعرةِ، وقَسِيْمُهَا المثالي، وناصِحُهَا، ومُرْشِدُهَا الذي لا تُعَوِّلُ على سِواهُ، فيما هي قَريْنُهُ، وقَسِيْمُهُ المثاليُّ، وناصِحُهُ، ومُرْشِدهُ الذي لا يُصْغِي، بإرهَافِ سَمْعٍ وتَصْديْقٍ، إلى أحَدٍ سِواهُ. ولعلَّ في هذه الخُلاصَةِ ما يُؤَهِّلُنَا لتوقِّع ميلادِ "عَنَانَ" من رحِمِ هذه التَّجربَة الإبداعيَّة الشِّعريَّةِ المُمَيَّزة، كقناعٍ شِعْريٍّ مُحْكَم التَّكوينِ والبناء، للشَّاعر الرؤياوي المبدع "صلاح أبو لاوي"، في عَمَلٍ شِعْريٍّ كبيرٍ نتَطَلَّعُ، بشَغَفٍ لاهِبٍ، إلى قُدُومِهِ والسَّفَرِ، بِصُحبَةِ صَوتِ عَنَانَ، في مداراتِه.
(انتهى)
* جميعُ المُقتبساتِ الواردة في هذه المُقاربَة النَّقديَّة مأُخوذةٌ عن نصِّ القصيدةِ المُضَمَّنَة في الكتاب الشِّعْريِّ الذي يَحملُ عنوانَها: صلاح أبولاوي: فَعَلَهُ صَغِيرُهُم هذا عَنانْ، دار الفينيق للنَّشر والتَّوزيع، عَمَّان، الطَّبْعَة الأولى، 2022، الصَّفحات من 52 إلى 56.

