نجح ناجح المعموري، كاتبًا أـديبًا وناقدًا وباحثًا في الأسطورة، والتراث القديم، منفردًا في اختياره ومتجاوزًا في مدخله عالمًا أسطوريًا في الأدب والتاريخ، واضعًا بصمته في "تقشير" النص الأدبي، والتراث الثقافي العربي، في الأسطورة وعالمها.. وأصاب فاضل ثامر، الناقد الأدبي المعروف، في قراءته لمؤلف المعموري، الأسطورة في السرد العربي الحديث، وتقديمه له. ومقدمته شهادة اعتراف ثقافي وتميّز متبادل بين قدرتين نقديتين، قامتين بارزتين في المشهد الثقافي العراقي والعربي. فيكون الكتاب بمجمله نموذجًا متفردًا في قراءاته وتعبيره، بين نصه ونقده، بين مقدمته ومحتواه.
كتب فاضل ثامر: "ناجح المعموري، مجتهد شجاع، يمد أصابعه ومجساته النقدية داخل كثبان الماضي والمندثر ليستخرج لنا اللآليء الثاوية في القاع، وليعيد صياغة رؤية جديدة، ونصا كتابيًا مغايرًا" (ص6). وأضاف: "كتاب الناقد ناجح المعموري "الاسطورة في السرد العربي الحديث" هذا، يندرج ضمن مساهمات نقدية جادة وعميقة في ميدان النقد الأدبي الأسطوري، بدأها الناقد بمحاولة اكتشاف الأنساق المغيبة والوصول إلى الجذور الاسطورية الثاوية داخل النصوص الأدبية والثقافية والدينية. وصرف الناقد جهدًا كبيرًا لتعرية وفضح ما تروج له وسائل الإعلام الأيديولوجية الصهيونية عن توظيف النص التوراتي، كاشفًا بشكل خاص عن الأصول السومرية والبابلية لهذا الفكر الأسطوري، والتي سرقها الكهنة اليهود أثناء أسرهم في بابل وأدرجوها ضمن كتبهم وأسفارهم اللاهوتية بوصفها أصيلة. ويمكن أن نشير هنا إلى ما قدمه الناقد في هذا المجال من خلال مؤلفات مثل: "تأويل النص التوراتي" و"التوراة السياسي" و"ملحمة كلكامش والتوراة" و"أقنعة التوراة" و"الأصول الأسطورية في قصة يوسف التوراتي" وغيرها.."(ص 6-7).
قدم الناقد فاضل ثامر في تقديمه للكتاب بحثًا في إبداع الناقد ناجح المعموري، موضحًا قدراته في قراءة الأسطورة وتقشير النص الإبداعي، التراثي والمعاصر، مؤكدًا على نجاحه في بحثه وقراءاته وتشريحه النقدي في عتبات كل كتاب يكتب فيه أو عنه. فأكد: "أن الناقد ناجح المعموري لم يكن بعيدًا أيضًا عن إدراك حقيقة العلاقة بين الفكر البدائي والفكر الأسطوري وأن الأسطورة في المنظور ما بعد الكولونيالي هي شكل من أشكال مقاومة الهيمنة الكولونيالية بوصفها تمثل تاريخًا للمنظور الاستشرافي" (ص 9) "وأنه ينطلق من فهم شامل لوظيفة الأسطورة، حيث يرى أن من خصائص الأسطورة تنوعها وتحقق استبدالات مهمة أو ثانوية فيها، لأنها نص متحرك في حركة الزمان والمكان، ولا تكرس الثبات (...) كما اكتشف الناقد أهمية الربط بين الأسطورة والتأويل والاستعمال الخارجي، (..) وأن الأسطورة هي الحقل المعرفي المهم والخطير الذي سيظل منفتحًا على التأويل لأن الاساطير دائمًا أرض غنية وخصبة، متعددة المستويات والطبقات" (ص 10).
واصل الناقد فاضل ثامر في قراءته أو بحثه ليستخلص ما أنتجه المؤلف وما عمل عليه، "ومن هناك نخلص إلى أن الناقد ناجح المعموري، قد اعتمد في كتابه هذا، وفي الكثير من مؤلفاته السابقة مجموعة من الآليات لاستنطاق النصوص الميثولوجية، منها ما أسماه بمفهوم "تقشير الأسطورة" والذي تبلور لديه، بشكل خاص أثناء قراءته لملحمة كلكامش". وختم المقدمة بتقييم نقدي للمؤلف مستندًا على قراءته لمسيرته النقدية ومؤلفاته العديدة: "الناقد ناجح المعموري مجتهد كبير وشجاع خاض غمار حقول معرفية صعبة ومعقدة وشق له طريقًا خاصًا في التحليل والنظر والتأويل محاولًا تحقيق هذا التوازن القلق دائمًا بين مقاربات النقد الأدبي ومقاربات النقد الأسطوري، واغراءات الاستنارة بإضاءات الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا والسيكولوجيا والسيمياء والتأويل واللسانيات والأيديولوجيا وغيرها، فكان بحق الناقد الذي كان" (ص 13).
بحث التقديم تفاصيل الإبداع النقدي في الاسطورة والتراث وأساليب الربط والدراسة في تأثيراتها وتحليلها عبر دلالاتها وانعكاساتها في السرد العربي وتطورات النص الإبداعي. وأشار إلى مصادر ثقافية لمبدعين أجانب في توصيف وشرح هذا النوع والأسلوب في إطار الأسطورة وإغنائها للنص الجديد.
تناول الناقد ناجح المعموري في كتابه هذا قراءة نقدية معمقة لثماني روايات عربية، لخمسة روائيين، استخدموا روح الأسطورة أو استدلوا بأسلوبها ومقاصدها ودلالاتها. هي؛ رواية، ترمي بشرر للروائي عبدة خال، وثلاث روايات، للروائي أحمد علي الزين، خربة النواح، والطيون، وحافة النسيان، ومقالان عن رواية عزازيل للروائي يوسف زيدان، ورواية جسر بنات يعقوب للروائي حسن حميد، ورواية صخرة طانيوس للروائي أمين معلوف، في 202 صفحة من القطع المتوسط وبحرف صغير متعب للقراءة ومضغوط الأسطر، من منشورات دار المدى العراقية، صادر عام 2022.
أضاء الناقد المعموري في كتابه الأساطير التي تطابقت مع النص السردي عبر أبطال النص وشخصياته الرئيسية، أو توازت عمليا مع تراثها الأسطوري وحكايات الدلالات ومعانيها التراثية والمعاصرة. وحلل الرموز التي استفاد منها الروائي أو سعى إليها في إثراء نصه وسرديته في معالجة الكتابة الروائية فنيًا. وفي الواقع كشف الناقد هنا مخزونه الشخصي واطلاعه العميق في عالم الأساطير والميثولوجيا ودلالاتها ومعانيها ومحمولاتها الثقافية والفنية وارتباطاتها اللغوية والتراثية بالواقع الفني وسرد مؤلفه له. وأشار لكل ذلك في دراساته النقدية، ومنها رواية الروائي حسن حميد، ابتداء من العنوان: البلاغة الأسطورية في رواية بنات جسر يعقوب. "وأنا في هذه القراءة النقدية لرواية جسر بنات يعقوب للقاص حسن حميد غير معني بما كان عليه الاسم كاستعارة أصل، بل مهتم بما ينطوي عليه من معلومات ثقافية/ أسطورية/ دينية/ فيها طاقة كبيرة للاختزال، ويظل الاسم كما في هذه الرواية معبأ بشحنات ممنوحة له من الاستعارات الأولى ولا بد للقراءة النقدية من الاستجابة لها والخضوع لسياقها البنائي والفني/ والفكري، حتى يجد القيمة الدلالية المتبدية في الأصول" (ص 180) ورأى أن الروائي في قراءته لرواية "صخرة طانيوس" منح للتاريخ صوتًا، مثلما أعطى الأسطورة روحًا تحتاجه، وتمثل صوت التاريخ بالجد الغائب وبالرجال الذين عاصروا أو سمعوا بتفاصيل الحكاية" (ص 195) ملاحظًا أن الروائي في أغلب الروايات التي درسها اعتمد على أسلوب المخطوطة التاريخية والاستناد على يوميات تاريخية أو رقوق ونصوص آثارية، تبرز فيها روح الأسطورة ودلالاتها التي فككها الناقد في مقالاته، حيث ركز على دور الأسطورة أو رموزها ودلالاتها في السرديات الموضوعة للدراسة. إذ أشار في رواية "ترمي بشرر" إلى أن "ما يحصل في الحي والقصر من علاقات جديدة كان للسيد دور بارز فيما هو حاصل من أساطير وغرائبيات في الحياة، أساطير سجلت موت وولادة ثقافية جديدة، لا علاقة لها بالتكونات الأولى للأفراد" (ص 18) يسردها الروائي خلال حكايات متداخلة محكمة ومغذية للحكاية المركزية، مستخدمًا الرموز وتعبيراتها، كالمطر والماء والخضرة والمرأة القربان، المضحية دائمًا، وتفسيراتها كعناصر نظرية الخيال الباشلاري، وتطوراتها أو اهتماماتها الرئيسية في الجنسانية أو في ثقافات البداوة والمقابر والماء وما يجري فيها من عقائد وطقوس خاصة، تمنح الروائي قدرات في إنتاج الحكاية واسطرتها، عبر فضح التناقضات القائمة بين المقدس والمدنس، بين الواقع ومشاهده المتعددة وامتداداتها التاريخية، أو البناء عليها في معمار الرواية.
قراءات الناقد للروايات بمنهجه المتميز وتركيزه عليه أغنى السردية العربية، أو قدم كشفا لقدرات الروائي في استخدام الرموز الأسطورية وربطها بأسلوب الكتابة ودلالات المعنى والتشويق في النص السردي. مشيرًا إلى أن "الأسطورة حاضرة في خربة النواح، أسطورة اليومي المعروف والأسطورة ذات الأصول القديمة. لا تتضح هوية الشيء إلا عبر أسطورة خاصة به مثل الأسطورة التي حازت عليها تلة الغياب" (ص 76)، حيث رأى الناقد أن "تحول الغياب إلى أسطورة جمعية، استمرت بالتداول فترة طويلة، ولأن الجماعة لا تقوى على البقاء بدون تخيلات وتصورات لذا فإنها تستمر بإنتاج الأساطير كجزء من حيويتها واصرارها على البقاء" (ص 77) مواصلا تفكيك توظيف الروائي للأسطورة ومبيّنًا استمرارها في النص والتعويل عليها في اتمام مشروع الروائي في سرديته، في أكثر من نص باختلاف المضمون والأسماء والرموز. موضحًا مثلًا "في رواية (الطيون) ملامح كثيرة جدًا لا تتشابه مع غيرها، وهذه أهم ملاحظة حول طريقة الكتابة والتحايل على معلومات السرد وعلى حقائق الذاكرة" (ص 126) بينما لاحظ "أن رواية (حافة النسيان) سياسية، هيمنت الأيديولوجية على تفاصيل الحكي" (ص 132)، ولكنه أشاد بنجاح الروائي في توظيف اليوتوبيا واستثمار امكاناتها الغرائبية. كما حصل في دراساته الأخرى ونقده لقدرات كتاب الروايات فيها من خلال العمل الفني ومراجعات التاريخ والتراث الشعبي والتداول الواسع.
سجل الناقد في دراساته المنشورة في الكتاب ملاحظات نقدية، فنية وثقافية، وعرض امكانات الأسطورة في اغناء النص وشخصياته والتحايل عبرها عن المباشرة أو المواجهة للوقائع اليومية أو للواقع المكشوف الذي قد يتيه القارئ في تحولاته أو سرده. وفي القراءة والنقد وتحليل النص قدرة مستمدة من اطلاع واسع على التراث وعالم الأسطورة وتخصص معرفي معمق وطاقة مكتنزة، تسربت في ثنايا الكتاب.

