بعدَ اجتماع الكابينت الصهيونيّ الليلة الماضية، أرسى بنيامين نتنياهو- رئيس حكومة الاحتلال - مبدأين ربّما يعكسان قدرة الحكومة الصهيونيّة وإرادتها، وهنا نتحدّث عن محدوديّة القدرة وعجز الإرادة، ما انعكس في قول القيادة الأمنيّة الصهيونيّة "فعلنا أقصى ما يمكن". مدركين أنّه ليس للكيان قدرةٌ على شنّ حملةٍ متعددةِ الجبهات، بغض النظر عن الكلام الذي لا معنى له، الذي يتفوّه به رئيس الأركان الصهيوني، من جهة، ومن ثَمَّ ليس للكيان مصلحة في هذه الحملة من جهة أخرى، وعلى الثعلب أن يبتلع المنجل مبتسمًا.
المبدآن انعكسا بشكلٍ أهمّ وأدقّ في كلام نتنياهو، الأول: أن "إسرائيل" لا تنوي الدخول في حملةٍ شاملة، والانجرار وراء استفزازات المقاومة كما قال، والنية كما قلنا مرتبطةٌ بالإرادة والقدرة، وإلا لكانت الحرب فرصةً كبرى ليتمكّن نتنياهو ونظامه السياسي من الخروج من الأزمة، وضم غانتس ولابيد إلى سجلات موظفيه؛ إذ لطالما كانت الحرب مخرجًا للكيان الصهيوني، ولكن ذلك عندما كان هذا العدو متفوّقًا، ونعود للتأكيد أن التفوّق هنا لا يعني القوة الناريّة التي يملك منها الكثير، بل يعني قدرة النظام كليًّا وتماسكه، ولا يمكن إلا لفاقد البصيرة أن يدعي أن هذه القدرة "الإجماع الوطني وصلابة الجيش والحصانة الدولية" للكيان ما زالت كما هي ولم توشك على التداعي.
يكتشف نتنياهو أنه أمام عدوٍّ متغيّر، بل تكتشف المنظومة الأمنية الصهيونية بالأحرى أن عدو اليوم ليس عدو الأمس، وأن المقاومة اليوم أصبحت قادرةً، سواءً بوعي العقل أو وعي البديهة على تصفيف كل عناصر قوتها؛ من صواريخَ وقوى مختلفة وأفراد مستقلين ثائرين وشعبٍ غاضبٍ مقاوِمٍ وصامدٍ في سياق مصفوفةٍ واحدة.. أصبحت المقاومة أكثر حكمة وذكاء وأكثر قدرة – وهذا هو الأهم - على فكفكة خطاب العدو ودحض أساليبه وإفهامه.
محدوديّة القدرة وعجز الإرادة الصهيونيّة يتجليان في العامل أو المبدأ الثاني الذي أرساه نتنياهو ليلة أمس، عندما طلب من وزرائه "تجنب الخلافات غير الضرورية في الداخل"، وهذا يعكس حجم الهوة في فهم الوقائع بين وزراء بلطجية وقطّاع طرق وبين "أساتذة العلم العسكري" في هيئة الأركان وجهاز الأمن العام.
والمسؤولون الأمنيّون على ما يبدو أوضحوا بشكلٍ جليٍّ لمجموعة وزراء فتيان الجبال مدى الخطر المحدق، وعجز كيانهم عن خوض حربٍ متعددة الساحات، بينما هو لا يستطيع حماية الأرض التي احتلها، حيث يجوس الفدائيون في الأغوار وتل أبيب، ناهيك عن الضفة الغربية، مشعلين الأرض تحت قدمي العملاق المتهالك.. هذا يفهمه نتنياهو جيّدًا خيرًا من وزرائه، وهو ما يعكسه أمر آخر ذو دلالة في اجتماع الكابينت أمس، عندما أمر نتنياهو أعضاء المؤسسة الأمنية بالمغادرة، أبقى وزراءه ليناقش معهم الفجوة بين الطرفين، وعجزهم عن أن يكونوا قيادةً للدولة في زمن الحرب، وبؤس تفكيرهم في ظلّ هذا الوضع بالمطالبة بالحرب حتى أن أحد أعضاء قيادة عوتسما يهوديت قال إن "إسرائيل تفتقر لمن لديه الجرأة للذهاب إلى الحرب"، ولكن نتنياهو يعرف أن هؤلاء أغبياء، وهو لم يأتِ بهم إلى ائتلافه لشن الحرب، بل لينقذ نفسه من السجن، ولكن الرياح تعاند سفينته. وأفهمهم بشكلٍ واضحٍ أنه سيكون هناك عواقب للحرب لا تتحملها "إسرائيل" ولكن بن غفير يعتقد أن شن الحرب يشبه الغارة على الشيخ جراح.
انعكس هذا في كلمات نتنياهو بالذات لوزرائه "هناك خلافاتٌ كافيةٌ داخلنا حول قضايا أخرى، نحن نواجه تحديات من كل مكان - في المعارضة وفي الشارع، حول هذه القضية، نحتاج إلى تجنب الخلافات غير الضرورية في الداخل (الحكومة) وهذا له أهميةٌ سواء على مستوى صلابة الحكومة أو على مستوى الرسالة التي ترسلها". وفي غضون ذلك، وقّع رئيس الوزراء على السرية، لئلا تتسرّب الأمور من القاعة. عمومًا لا حاجة لرفع السرية، نحن تقريبًا نعرف ما قاله نتنياهو لمجموعة الحمقى في حكومته.
هذا التفكك، وعدم اليقين ينعكس كما قلنا أيضًا في كلام مسؤولين كبار في المؤسسة الأمنية، حول أن "لبنان بلد منهار ولا حاجة ولا فائدة من قصفه" ومن ثَمَّ يكتفى بالرد على الصواريخ باستهداف منطقةٍ فارغةٍ في محيط الرشيدية، وبرّروا ذلك بأن العكس يعني "أن حزب الله سيرد"، والسؤال هو بعد كل الهمروجة الدعائية لقدرة الكيان الساحقة الماحقة وجيشه الفتاك: لماذا تخشى "إسرائيل" من رد حزب الله؟ هل لأنّ الرد سيكون في حدودٍ مجهولةٍ للكيان، ولأن الكيان لم يعد يعرف طبيعة عدوه فعلًا وقدراته؟
لذلك كان لا بدّ من إغلاق الحدث، وابتلاع المنجل، مع الكلام المعتاد الذي كنا نسمعه من العرب، وصرنا نسمعه من "إسرائيل" بالردّ في الزمان المناسب!

