Menu

ستعود الموسيقى.. قصة للأطفال

عبادة علي تقلا

تعالى الضجيج القادم من الشارع، فأسرعت رشا لإغلاق النافذة، لكن المشهد الغريب أوقفها. كان سبعة أطفال، يحملون سلماً فضياً، ويركضون بسرعة، بينما صغيرهم يقول: "لا مكان لنا في مدينة يعشق أهلها الصراخ." هزّ الجميع رؤوسهم موافقين، وتوجهوا نحو مخرج المدينة. خرج صوت خشن في إثرهم، "لن تتأثر حياتنا بغيابكم. أرجو ألا تعودوا ثانية". تبعته ضحكات وقهقهات، أخافت رشا، ودفعتها لإغلاق النافذة بسرعة.

"هل حصل ما توقعته أمي دائماً؟" قالت رشا في سرّها، متمنية ألا يكون ذلك صحيحاً.

في طريقها إلى المدرسة، داعبتها النسمات كما في كل صباح، لكن صفيرها الجميل اختفى، كما غابت أصوات العصافير، التي تناولت قطع الخبز من يديها الصغيرتين. حتى صوت المعلمة، خرج جافاً، خالياً من الأنغام التي سكنته دائماً، والموسيقا التي حركت قلوب طلاب الصف وأجسادهم. انتظرت رشا حتى المساء، علّ صوت صديقها الجندب، الذي يغني لها كي تنام، يعوضها عن الأصوات الجميلة، التي حرمت منها اليوم. لكن صرخات بعيدة وقريبة، عكّرت مساءها، فسدّت أذنيها بالوسادة، " لم أكن أعلم أن الموسيقا تسكن في كلّ ما يحيط بنا، وأنها ستأخذ كلّ تلك الأشياء الجميلة معها!".

حاولت الغناء، لكن صوتها، الذي يحبه الجميع، كان شبيهاً بجناح فراشة مكسور. في الصباح، وجدت أمها قرب سريرها،" أنا أيضاً ناديت الموسيقى (الموسيقا) في أحلامي، كما فعلت، لكن يبدو أن صراخ مدينتنا حرمنا منها!".

سألتها،" ألا توجد طريقة كي تعود الموسيقا يا أمي؟"

ابتسمت الأم،" برغم كلّ أصوات الصراخ، لا بدّ أن تكون هناك طريقة، لكني لم أجدها بعد، وأتمنى أن تسبقيني في إيجادها".

 

فكرت رشا في الأشياء التي تحبها الموسيقا، ويمكن أن تعود من أجلها. تذكرت ما سمعته من أمها يوماً، أن الزهور تشبه الموسيقا، كما ترددت في أذنيها عبارة جدتها: نرد على الصراخ بابتسامة، ففي الابتسامة موسيقا.

"وجدتها!" قالتها بصوت مرتفع، وأسرعت إلى أمها.

بعد ساعات امتلأت شرفات البيت ونوافذه بالورود وضحكات رشا، "سأزرع الورود في صفي ومدرستي، وسأهدي ابتسامتي للجميع." لم تكتف رشا بذلك، بل زرعت الورود مع أصدقائها في كل مكان، وصنعت معهم ابتسامة بحجم سماء صغيرة. استيقظت رشا في أحد الصباحات، لتجد الأطفال السبعة يحيطون بسريرها.

"عدنا من أجلك يا رشا". قالت الطفلة المسماة ري.

"ليس لنا إلا أنت وأصدقاؤك" أضاف صول بمرح.

"سنعيش في غرفتك، ولن نخرج إلى المدينة، إن لم يختفي (يختف) الصراخ. "قال الطفل الأصغر بإصرار كبير.

عانقتهم رشا، وأعطت لكل منهم وردة تشبهه، ومنذ ذلك اليوم، والأطفال السبعة مع سلمهم الفضي، ينتظرون في غرفتها، يراقبون غناءها، يهدونها بعض النغمات من وقت لآخر، ويستمعون كل مساء إلى ما تقوم به مع أصدقائها، ليتوقف الكبار عن الصراخ، فتكبر ابتساماتهم، ويقتنعون أن عودتهم أصبحت قريبة جداً.