طالما أن الموقف السلبي الذي تبناه فريديريك من سقراط صار معروفا لنا من خلال الدراسة الرائعة التي أنجزها الباحث ألكسندر نيهيماس والتي قام كاتب هذه السطور بنقلها إلى العربية في جزءين (*)، فقد بقي موقفه من أفلاطون غير واضح بما فيه الكفاية. لكن بعد بحث قصير بمساعدة شيخنا غوغل، وجدنا ما يفي بالغرض في هذا الموضوع عند كاتب آخر هو كريستوف هورن.
باتباع وجهة نظر مبسطة إلى حد ما، نرى أن نيتشه كره أفلاطون ورفضه أساسا كما جذريا. هذا أمر شائع يتقاسمه العديد من قراء كتابات نيتشه، مثلا: "ولادة المأساة" (1872) أو " جنيالوجيا الأخلاق" (1887).
لكن بالنظر عن كثب، يجب أن نميز، من ناحية، بين الأسباب الرئيسية لرفض نيتشه لأفلاطون، من ناحية أخرى، وعدد معين من وجهات النظر التي من خلالها قدر أفلاطون بل وأشاد به. وإذا انتقد بشدة الكثير من أخلاقيات أفلاطون، اتسم موقفه تجاه فكره السياسي بودية أكثر. من المهم إبراز الخلفيات الفلسفية، بما في ذلك تلك الخاصة بالفقيه اللغوي الكلاسيكي الشاب نيتشه خلال فترة بازل، كما نجد في ملاحظاته الدراسية وفي بعض مقاطعه التي حررها كولي ومونتيناري على وجه الخصوص، لدينا ما يقرب من 190 صفحة من المواد عن أفلاطون التي استخدمها نيتشه لدروسه في الجامعة. على حد علمنا، لا توجد حتى الآن دراسة منهجية لهذه النصوص.
وطالما أن وجهة نظر نيتشه عن أفلاطون موضوع مثير للجدل بين المعلقين، سنكتفي بالتذكير بالاعتراضات الستة الأكثر أهمية التي سجلها نيتشه على الفيلسوف اليوناني.
(1) رفض الموضوعية الإبستيمولوجية لأفلاطون وكذلك أنطولوجياه عن مملكة ثابتة من كيانات معقولة على نحو خالص؛ بدلاً من ذلك، دافع عن ضرب من الشكية الإبستيمولوجية، المنظورية، وكذلك النسبية، ونوع من الدينامية الوجودية أو اللاجوهرية.
(2) رفض الفكر الأفلاطوني (المعروف بشكل خاص انطلاقا من محاورة ثياتيتوس) الذي بحسبه يجب علينا "الهروب" من هذا العالم. لكي نصبح مثل الله (مفهوم homoiôsis theôi )، ولكي نصل إلى نوع من العالم-الخلفي أو العالم الثاني ( Hinterwelt ).
(3) جادل ضد المنهج الأفلاطوني في الديالكتيك (كما عرفناه من عدة محاورات متأخرة)، والذي يراه على أنه نزاعات غير منتجة ومنزوعة السياق تتطرق إلى أدق التفاصيل.
(4) عاب على أفلاطون إفساد الذوق الرفيع في الأدب ونقاء الأسلوب من خلال "الخلط الفج" بين العناصر شديدة التباين التي استخدمها في المحاورات.
(5) انتقد التبخيس الأفلاطوني لعلم الجمال والشعر ("فن المحاكاة") ولا سيما طرد الشعراء من مدينته المثالية كاليبوليس المذكورة في الجمهورية.
(6) وفقا لنيتشه، كان أفلاطون يتمتع بـ "طبع رائع"، لكنه في الوقت نفسه اعتبره "منحطا" مع غرائز مبتورة، و "غير يوناني" في العمق. يعتبر أفلاطون في نظر نيتشه الفيلسوف الأول الذي، على عكس الموكب الرائع من الشخصيات النقية التي تمتد من طاليس إلى سقراط، كان يمتلك "شخصية مختلطة".
من ناحية أخرى، غالبا ما لاحظ المعلقون أن هناك عددا من المعتقدات أو الآراء الأفلاطونية الأقل حظا والتي تحظى بالثناء والموافقة من لدن نيتشه. تبدو العناصر الثلاثة التالية هي الأكثر صلة:
(أ) يقدر نيتشه الملاحظة التي أدلى بها أفلاطون (عرفناها انطلاقا من محاورتي "أيون" و"فايدروس") مفادها أن الجنون (mania) في بعض الأحيان يمكن أن ينتج أعظم الخيرات الثقافية.
(ب) نيتشه يتفق مع وصف أفلاطون للإيروس باعتباره الدافع البشري الأساسي.
(ج) يتفق مع أفلاطون حول الفكرة الأولية للتقسيم النفس إلى ثلاثة أجزاء، كما عرفناه انطلاقا من الجمهورية؛ من المعروف أن نيتشه قد طور خطاطة ما قبل فرويدية للنفسية البشرية وأجزائها ودينامياتها، كما تم تأكيده على وجه الخصوص من قبل ش. جاناواي.
أعتقد أنه لا تزال هناك نقاط أخرى يمكن ذكرها لصالح وجهة نظر إيجابية لنيتشه عن أفلاطون. مثال على ذلك هو حقيقة أنه يتفق مع الرفض الأفلاطوني للتعاطف الأخلاقي في الكتاب العاشر من الجمهورية.
في السطور التالية، نود أن نفحص بشيء من التفصيل كيف شرح نيتشه أخلاق أفلاطون وفلسفته السياسية. سنواجه مرة أخرى قائمة طويلة من الرفض والانتقادات والاعتراضات من نيتشه - ولكن أيضا عدة نقاط يوليها نيتشه الاعتبار والموافقة.
ما حكم نيتشه على فلسفة أفلاطون الأخلاقية؟ كما نعلم، تحدى نيتشه وجهة النظر الأخلاقية التي تبناها أفلاطون وطورها بشكل خاص في محاورة "جورجياس" وكتاب الجمهورية، على أساس أنها وجهة نظر "ما قبل مسيحية". من المحتمل أن نيتشه أساء فهم ما كان يدور في ذهن أفلاطون عندما تحدث عن "مثال الخير": فقد هاجمه كما لو كان له معنى أخلاقي أساسي، في حين أنه ليس كذلك. لكن يمكن للمرء أن يدافع عن نيتشه بالإشارة إلى أن برنارد ويليامز طور وجهة نظر مماثلة لفلسفة أفلاطون الأخلاقية من خلال مهاجمة نموذجه على أساس أفكار الموضوعية الأخلاقية، وعامل إكراه داخلي، وثقافة الشعور بالذنب.
على أية حال، قابل نيتشه "مثال الخير" مع فكرته عن قيمة أعلى للحيوية والأفراد الأقوياء. في نص مرجعي مشهور "ما وراء الخير والشر، نجد توصيف أفلاطون بأنه ما قبل مسيحي وأخلاقي، مخترع المفاهيم القاتلة لعن "الروح النقية" و "الخير في حد ذاته" التي أدت إلى ضلال أوروبا والتي الآن على وشك أن تلغى.
(*) https://m.ahewar.org/s.asp?aid=770555&r=0
(يتبع)

