تصبح الكتابةُ هي الملاذُ الأخيرُ لمن يفقد القدرة على العيش بشكلٍ طبيعي؛ حيث تصبح الكتابةُ هي التعبيرُ المكثّف عن التجربة، وأكثر البحث عن الإجابة للأسئلة المتراكمة داخل العقل، تلك الأسئلة التي أنجبتها الحركة المفرطة مع التجربة، والقراءة، وللتوضيح أكثر: إنّ الأسئلة التي تدور بشكلٍ هستيريٍّ داخل سيكولوجيّة الكاتب، التي تبدأ مثلًا بسؤال: "من أنا؟ وما معنى هذا الوجود؟ من هو الله؟ وما الهدف من الكتابة؟" والسؤال الأخير هو المحكّ في تجربة الكاتب، ويبقى هذا السؤال يطارد أفكار الكاتب مهما حاول الهرب.
تتوقف الكلماتُ عن الانسياب، وأكثر عن الخفقان داخل دوامة المعضلات التي يبحث فيها الكاتب عن حلول، وهذه لحظةٌ مفصليّةٌ في حياة الكاتب الذي يكتب من أجل تفسير المشكلات، وتحليلها، والتنبؤ بالحلول لتلك المشكلات، وهنا نستطيع القول عن المشكلات الفرديّة الخاصّة بالكاتب، وأيضًا عن المشكلات العامة.
يبقى الكاتب يواجه هذا السؤال حتى إيجاد إجابةٍ له، وهناك من يتوقّف عن الكتابة، وهناك نوعٌ يهربُ من الإجابة نحو الاندفاع بجنونٍ نحو القراءة والكتابة، وهناك نوعٌ أخر ينغمسُ في الدين خصوصًا عند فقدان القدرة على التفسير العلمي، ولذلك يلجأ لتفسير الدين دون وعيٍ بالتفسير الديني أساسًا، الذي يصبحُ علميًّا إذا تمَّ اللجوء إليه بوعي.
ومن هنا يمكن طرح سؤال "ماذا تعني الكتابة؟"، وهنا أعتقد أنّ لكلّ كاتبٍ إجابةً خاصّةً فيه تنبع من التجربة التي شكّلت حياته الخاصة، تحديدًا كلّما تقدّم الكاتب يصبح ملزمًا تجاه القرّاء كما يقول الكاتب أحمد توفيق، وأكثر يصبح سؤال معنى الكتابة يلح على الكاتب بسؤالٍ آخر "هل كتابتي تستفزُّ القراء على التفكير؟"، والسؤال الأخير هو المحك في تجربة الكاتب؛ لأن عدم التفكير بعد القراءة تعني أن كلمات الكاتب ولدت ميتة.
نحو تفكيرٍ أعمق، وعصفٍ ذهنيٍّ بناء عما سبق يطرح سؤال أخر "من هو الكاتب الناجح؟، وهل بالضرورة أن يكون الكاتب مثقّفًا؟ بمعنى أن يكون قارئًا نهمًا؟، كل هذه الأسئلة تشكّلُ بيت الكاتب قبل كلّ شيء، وأمّا أن يكون هذا البيت هو بيت عنكبوت، وأما بيت كما السماء قائم بلا أعمدة، ولكن لا يهدم أبدًا، وبالعودة إلى الأسئلة يمكن القول إن الكاتب الناجح هو بائعٌ للأمل، حيث لديه القدرة على تحويل الشيء السلبي إلى إيجابي، وربّما يكون الكاتب نجارًا، أو حدادًا، أو عامل بناء، أو طبيبًا...، وتتولد الكتابة من التجربة، وتدعمها القراءة، وهنا الكتابة ليست مهنة، بل هي ترميم للذات، أو كما يقول الكاتب "همنغواي": "ليست الكتابة بالأمر الصعب، ما عليك سوى أن تجلس أمام آلة الكتابة وتبدأ بالنزيف".
لا تتوقف الأسئلة عن جنونها الخاص بالاندفاع نحو عقل الكاتب، فهي تلاحقه في مركبة العمومي، وعلى موقف بائع القهوة في الشارع، وفي عيون الناس الذاهبين إلى حتفهم اليوم، وأكثر تقفز تلك الأسئلة في فلسطين تحديدًا مع كلّ شهيدٍ ينبتُ من بين الركام بباقةٍ من الأمل تفوحُ منها رائحة الحريّة.
في فلسطين خصوصًا يأتي السؤالُ كاملًا "ألم يكن فعل الشهيد نفسه هو الإجابة الأخيرة والأبدية لمعنى الوجود الذي نبحث من خلال الكتابة عنه؟"، وهنا يقول الشهيد باسل الأعرج في وصيّته:" وأنا الآن أسير إلى حتفي راضيًا مقتنعًا، وجدت أجوبتي، يا ويلي ما أحمقني وهل هناك أبلغ وأفصح من فعل الشهيد".
تتراكم الأسئلة وما أثقلها إذا بقيت في دوامة التراكم، ولم تخرج إلى حيّزها النوعي بالإجابة عنها، حيث التراكم دون قفزةٍ نوعيّةٍ في حياة الكاتب تصبح تلك الأسئلة معطوبة، وتتعفّنُ داخل أفكار الكاتب، والأخطر داخل السلوك، وأعتقد أن هذا العفن يأتي من القراءة دون فهمٍ أوّلًا، وثانيًا من الكتابة دون تأثيرها على حياة الكاتب، والقصد يصبح سلوك الكاتب قائمًا على التضحية، حيث التضحية هي الاختبار الأول للكاتب الحقيقي الذي يترجم معنى ما يكتب، وأكثر دون الإحساس بما نكتب، بل دون الانغماس مع كلّ كلمةٍ كما ينغمس الحبر على الورق.
من زاويةٍ مختلفةٍ نحاول من خلالها البحث عن شيءٍ يشبع فضولنا، وهنا نأخذ الفلاح مثالًا، حيث يقومُ الفلاح كثيرًا بعمليّة "التطعيم للشجرة"، وللتوضيح يأتي الفلاحُ مثلًا بجذع شجرة لوز من النوع الحلو، ويقوم بغرس هذا الجذع ليس في الأرض بل في جذع الشجرة المرة، ويقوم بتركيب هذا الجذع بشكلٍ جيّدٍ في مخزون الشجرة المرة، وبعد فترة تموت الغصون المرة وتثمر الغصون الحلوة، وهذه هي الكتابة التي نبحث عنها، ونقصد الكتابة التي في مخزونها تحمل التعبير عن الإنسانية، حيث فقدان الكتابة للبعد الإنساني تعني فقدان إنسانية الكاتب نفسه.
في أحد الحوارات الشيقة مع رجل يقوم ببناء البيوت قال لي: "عندما أقوم ببناء بيت أعمل كأنني أبني هذا البيت لي، حيث البيت الجيد يأتي لي ببيت آخر عند شخص آخر"، وعندما أكمل جملته قلت في نفسي: " وكذلك الكتابة نفس الشيء"، وعليه قبل أن تكتب للقارئ اكتب لنفسك، قبل أن تقوم بإصلاح مشكلات المجتمع التي تبحث عن حلول لها من خلال الكتابة قم بإصلاح نفسك، أبدأ بنفسك أوّلًا تلك هي القاعدة.
لا يمكنُ معالجة هذه القضية الفلسفية من خلال نص متواضع، وخصوصًا أنني اواجه هذه القضية باعتباري كاتبًا، وقامت بشل القدرة لدي ومنعتني طويلًا عن الكتابة، ولكن على كاتب بشكل منفرد أن يطرح الأسئلة ويهزم الشيطان في التفاصيل عند البحث عن الإجابة المعمّقة، وعليه رفض الاستسلام، والتجديف دائمًا نحو برّ الأمان، وأن تبقى قضيّة معنى الكتابة تعيش مع كلّ كلمةٍ يقوم بكتابتها، وأكثر عليه أن يكتب شيئًا جديرًا بالقراءة، أو أن يقوم بشيءٍ جديرٍ بالكتابة عنه، حتى تأتي اللحظة التي يكون فيها وجهًا لوجهٍ مع كلّ ما كتب، وهنا تبيض وجوه وتسود وجوه.
يقول غسان كنفاني ، وأعتقد أن هذا القول يصلح خاتمةً هنا:
هل لديك حبيب؟
لا
لمن تكتب؟
لنفسي
لنفسك!
كلام حب؟
نفسي تستحق الحب أكثر مما يفعلون.

