لطالما كانت الحركة الأسيرة الفلسطينية في سجون الاحتلال الصهيوني مستهدفة، باعتبارها أهمّ مرتكزات القضية الفلسطينية، وأبرز مفاتيحها، كذلك كونها أبرز مُظهِرات فاشية الكيان الصهيوني، والذي منذ اغتصابه الأرض الفلسطينية قبل ما يزيد عن 75 عاماً، وهو يمارس أبشع صور الإرهاب بحقّ الشعب الفلسطيني: قتلاً وأسراً وتهجيراً وتشريداً.
خاض الأسرى في السجون الصهيونية معارك طاحنة مع إدارة السجون "ذراع الحكومات المتطرفة المتوالية على قهر شعبنا"، سعياً للحفاظ على كرامتهم، والدفاع عن قضيتهم ما استطاعوا سبيلاً، في الوقت الذي تستمرّ فيه حكومات العدوّ بالانقضاض على حقوق حياتهم "المسلوبة" أصلاً.
وكان آخر ما خاضته الحركة الأسيرة نضالاً ضدّ ما يُسمّى بوزير الأمن في حكومة الاحتلال المُتطرّف "إيتمار بن غفير"، والذي وصل إلى كرسيه رافعاً علم فاشيةٍ ينوي مُمارستها على الأسرى في السجون بشكلٍ خاص، عدا عن الشعب الفلسطيني بأكمله، إذ اتّخذ فور تنصيبه وحكومة نتنياهو قبل أشهر قرارات انقضّت على منجزاتٍ سابقةٍ للأسرى، إضافةً إلى الإعلان عن غيرها، الأمر الذي أخذه الأسرى تصعيداً في وجهه وإدارة السجون، وخاضوا لمنعه نضالاً استمرّ 36 يوماً، عبر برنامجٍ موحدٍ ضمّ كافة الأسرى بكلّ أطيافهم، وأعلنوا العزم على خوض إضرابٍ جماعيٍّ مفتوحٍ عن الطعام كان من المفترض أن يبدأَ فاتح شهر رمضان، إلّا أنّ الاحتلال رضخ لشروط الأسرى، ليحقّقوا انتصاراً على المتطرّف بن غفير.
لا يعتقد أحدٌ أنّ الاحتلال مأمون على أيّ اتفاقٍ، والجميع يعلم ما استراتيجيّته في اتفاقاته مع الأسرى وغيرهم، فإنّ الأسرى لم تنتهِ معركتهم، في هذا الإطار، حاورت "بوابة الهدف الإخبارية" الأسير المقدسي المحرّر شادي الشرفا، والحاصل على درجة الماجستير في الدراسات "الإسرائيلية"، حيث قال إنّ الأسرى استطاعوا صدّ الهجمة الأخيرة التي قادها بن غفير والمستوى السياسي الصهيوني؛ وذلك بفضل وحدة الإرادة والعمل.
ورأى الشرفا أنّ وجود قيادة موحدة من كل الفصائل تضع الخلافات جانباً يستطيع الأسرى تحقيق الإنجازات على المستوى المعيشي وظروف الحياة، مستدركاً: "نحن هنا أمام قانونٍ أو قاعدةٍ أساسيةٍ تقول إنّ الوحدة طريق النصر، وهذه موجودة في كلّ ثورات الشعوب التي تسعى لنيل حريتها، وهذه رسالة للمستوى السياسي الفلسطيني، بأنّ الحل هو بالوحدة الوطنية بديلاً عن التفرد واحتكار السلطة".
وأضاف أنّه "بعد صدّ الهجمة الأخيرة، والتي كانت صعبةً وقاسية، فإنّ الأسرى أمام استحقاق ترتيب بيت الحركة الأسيرة، بمعنى الحفاظ على فكرة القيادة الوطنية الموحدة، وتعميمها وتجسيدها من خلال إنهاء حالة الانقسام الموجودة في السجون، في ظل وجود أقسام للفصائل بعينها إلى هذه اللحظة".
المعركة لم تنتهِ بعد..
في هذا السياق، بيّن الأسير المُحرّر الشرفا أنّ الأسرى مدركون أنّ المعركة ما زالت قائمة، وبن غفير وجماعته مصممون على النيل من منجزات الحركة الأسيرة، وأنّ كلّ ما جرى كان تأجيلاً للقرارات التعسفية لحين انتهاء رمضان، فالحكومة "الإسرائيلية" خضعت لمطالب الأسرى المتمثلة بوقف الهجمة؛ لأنّها كانت تخشى تأجيج الوضع وكانت معنيةً بالهدوء، خاصةً أنّ الشارع كان في حالةٍ من الغليان وتصعيدٍ لأعمال المقاومة، فهم يدركون أنّ ملفّ الأسرى يشكّل حالة إجماعٍ لدى الشعب الفلسطيني، وخافوا من أن يؤديَ الإضراب عن الطعام في تأجيج الوضع.
وأشار إلى أنّ ما جرى كان مجرد تأجيل للقرارات التعسفية، وحكومة الاحتلال ستنتظر الوقت المناسب لاتخاذ الإجراءات من جديد، والأسرى مدركون أنّ هذه الحكومة العنصرية المتطرفة ستواصل استهدافهم، وهم مصمّمون على خوض المعركة مهما كلفهم من ثمن، ومدركون أنّ المعركة القادمة ربما تكون بعد أسابيع أو شهور، مع إدراكهم أنّ لديهم مسؤولية صدّ الهجمة ليست عليهم وحدهم، فهم بحاجة لدعمٍ خارجيٍّ ووقفةٍ وإسنادٍ في الشارع، وما ساعد الأسرى في معركتهم الماضية حالة الغليان في الشارع.
وأوضح الشرفا: "من ضمن استهداف الأسرى، الهجمة على المحرّرين منهم، فهناك مشاريع قوانين جديدة، منها مثلاً فرض الإقامة الجبرية ومنع العمل والدراسة عليهم، وذلك بمعنى أنّ المحكمة من حقّها تمديد هذا الحجر عليهم كما تشاء، وهذا قانون من قدّمه ينتمي لقوةٍ يهوديةٍ بقيادة المتطرف بن غفير واسمه (ليمورسون هارميلاخ) من الائتلاف الحكومي، إضافةً إلى واحدٍ اسمه (عديد فرير) وهو من (إسرائيل بيتنا) التي تتبع ليبرمان، بمعنى أنّ هناك توافقاً بين الائتلاف والمعارضة على استهداف الأسرى، وهذا قانون جديد وخطير وواحد من سلسلة قوانين يتم المصادقة عليها قريبا".
وفي سياقٍ متّصل، شدّد الشرفا على أنّ الملفّ الأهم والمسؤولية الأكبر للأسرى والمجتمع الفلسطيني برمته الآن هو إنقاذ حياة الرفيق والأسير المفكّر وليد دقة، والشيخ خضر عدنان، مشيراً إلى أنّ دقة ورغم حالة الاستقرار النسبية إلّا أنّ وضعه صعب جداً، فهو إضافة لـ24 حالة سرطان موجودة في السجون، وهو من أخطر هذه الحالات، فالمرض الذي يعاني منه نادر، والوقفة من أجل المطالبة بالإفراج عنه من خلال كل المؤسسات المحلية والإقليمية والدولية تعاني من تقصير حتى الآن، وأخشى أن نستقبل وليد شهيداً.
وبشأن المطلوب بهذه القضية، أكّد على أنّ ذلك يكون عبر حراكٍ وطنيٍّ، متابعاً في هذا الشأن: "للأسف القيادة الفلسطينية لم نسمع منهم كلمة واحدة فيما يتعلق بوليد، ولا حتى مطالبة بالإفراج عنه، وهذه مأساة فكل الخدمات الوظيفية التي يتم تقديمها من تخابر وتعاون وتنسيق أمني لكن لم يطرح ملف وليد على الطاولة، وهذا دليل على حالة الاغتراب والاحتقان واليأس التي تعاني منها القيادة الفلسطينية المصرة على عدم ترتيب البيت الفلسطيني وإجراء الانتخابات وأخذ شعبنا نحو الهاوية".
المطلوب لإسناد الأسرى
واعتبر الأسير المحرر شادي الشرفا أنّ أهم طريقة لإسناد الأسرى تأتي عبر إقامة مؤتمرٍ شعبيٍّ واسع يضمّ مختلف الأطر الجماهيرية الفلسطينية والأحزاب والجمعيات والمؤسسات والشخصيات المستقلة، مشدّداً على ضرورة أن ينتهي هذا المؤتمر بمخرجاتٍ لصياغة استراتيجيةٍ وطنيةٍ شاملة، ليس فقط لإسناد الأسرى ودعمهم، وإنّما من أجل الإفراج عنهم.
خاتمة
واجبٌ علينا نقد فكرة الموسمية في دعم الأسرى وإسنادهم، ورغم أنّ القاعدة لا تعمّ، إلّا أنّ الأسرى لا يحظَون بالدّعم ولا الإسناد إلّا في أزماتهم، والأمر هنا يُوجّه بنسبةٍ كبيرةٍ إلى القيادة الفلسطينية يتبعها المؤسسات العاملة في مجال الأسرى وحقوق الإنسان، والمطالبة بحقوقهم التي يجب أن يكون أبرزها الإفراج عنهم، باعتبارهم مفتاحاً للقضية الفلسطينية، وأوّل الطرق في سبيل التحرّر من الاحتلال، فلا مانع من الاستمرار في تدويل قضيتهم، وسحبها من المشاورات مع مسؤولي الاحتلال وصولاً إلى محاكمتهم دولياً، لما يقترفونه من جرائم بحقّهم وبحقّ شعبنا في كلّ مكان.

