Menu

فلسفة رتشارد رورتي وموقعها في الفكر الأمريكي

أحمد رباص

(الجزء الثاني)

جنح رورتي إلى التحاور حتى مع فوكو ودريدا. وبكلمة واحدة، يبدو أنه من أي نقطة يتم تناوله، يفلت فكر رورتي من توصيفاتنا المعتادة.

هناك بلا شك معارضة سياسية على وجه الخصوص في الانتقادات التي يمكن أن توجه في فرنسا إلى رورتي. ذلك أنه يعتبر ويعلن نفسه أمريكيا، ويصف فلسفته خصوصا والبراغماتية عموما بأنهما أمريكيتان. سيتعين علينا العودة إلى هذا الموضوع. لنكتف الآن بالقول إن فلسفته، المتأصلة على هذا النحو، لا يمكن أن تظهر إلا في تناقض أو تنافس مع نموذج يُزعم أنه فرنسي. وفي كثير من النواحي، على وجه التحديد، يمكن تصور الأفق الذي يتم فيه التفكير في فرنسا، وخاصة التفكير في التعليم المدرسي، باعتباره الهدف المميز لهجمات رورتي.. أولوية التضامن على الموضوعية؛ إعلان المعرفة بدون قوة؛ رفض العالمية لصالح الوطنية المفتوحة والتقدم لصالح التقدمية؛ تأكيد السياسة بدلاً من الميتافيزيقيا وأهمية المستقبل بالنظر إلى التعلق بالماضي: تلك إشكاليات ميزت شخصية وصفت نفسها بأنها براغماتية وأمريكية وجعلت البراغماتية فكرة أمريكية بالتأكيد. في ظل هذه الظروف، وعندما نأخذ فكر رورتي على محمل الجد، فإن الأساس الذي نبني عليه عملنا التربوي هو الذي يهتز.

ولكن، فضلا عن ذلك، فإن الصعوبات التي يمكن أن نواجهها أمام فلسفة رورتي ترجع إلى راديكاليتها ونسقيتها. تسعى تحليلات عملية الدمقرطة في المجتمعات المعاصرة إلى تفسير اضطرابات الأطر التي شكلت حتى ذلك الحين حدود أوروبا العجوز. يبدو أن رورتي ذهب إلى أبعد من ذلك. إنه لم يكتف بالتحليل: هو انتقد واعتبر العلمنة ليس مجرد عملية تاريخية فعالة ولكن انحيازا يجب تأكيده والمطالبة به. هنا توقفت الليبرالية عن كونها مجرد مصير للمجتمعات، وكفت عن أن تكون هي نفسها مطبعة ومموضعة؛ اصبحت أو استحالت سياسية بشكل صحيح.

إذا كان فكر رورتي يواجه بعض الصعوبة في أخذه في فرنسا على حقيقته، فذلك لأنه غالبا ما يكون مشوها لكونه مقدما بتفصيل. نتيجة لذلك، يفقد ما يشكل قوته، ونقصد به الوحدة النسقية للجهاز النظري المطبق. ذلك أن وسم تفكير رورتي يرجع إلى الجهد المستمر الذي يبذله لإرساء علاقة بين فلسفة المعرفة والفلسفة السياسية. وهذا بلا شك ما سنفتقده إذا اقتصرنا على قراءة الفلسفة السياسية دون البدء بتحليل نظرية المعرفة.

بيد انه على وجه التحديد، ظل السياق الذي فكر فيه رورتي هو سياق الفلسفة التحليلية وما بعد التحليلية، التي واجهت بعض الصعوبة في كسب قبول المؤسسة الفلسفية في فرنسا. "في أوائل الخمسينيات (...) بدأت الفلسفة التحليلية في مد سيطرتها على أقسام الفلسفة الأمريكية (...). حوالي عام 1960 كان هناك نظام جديد للنماذج الفلسفية. تم الآن غرس نوع جديد من التعليم في الجامعات، تعليم حرم القراء من رواد الجيل السابق، ديوي ووايتهيد". (رورتي، [1982] 1993، ص: 380).

لكن، والحالة هاته، يلاحظ رورتي: "لا جسر يظهر أثناء عملية البناء فوق الفجوة التي تفصل بين ما يسمى بالفلسفة" التحليلية" وما يسمى بالفلسفة "القارية". يبدو لي هذا مؤسف للغاية لأن العمل الأكثر إثارة للاهتمام الذي يتم إجراؤه في التقليدين يتقاطع في جزء كبير رغم كل شيء" (رورتي، 1995، ص: 57).

زيادة على ذلك، بينما قدمت نفسها منذ فترة طويلة في فرنسا على أنها "مغايرة" (طريقة أخرى لممارسة الفلسفة، لإلغاء التفلسف، مغايرة للفينومينولوجيا التي يدمجها بنفس القدر)، لا يرى رورتي في الفلسفة التحليلية "متغيرا من بين متغيرات أخرى للفلسفة الكانطية". لكن السياق يلزم، والنزعة الخصوصية تفرض، وهذان تحليليان بتصميم. وهكذا تمكن رورتي من تحديد موقع "الإنسان المرآوي": "تم تصميم هذا الكتاب على غرار كتابات الفلاسفة الذين أعجبت بهم كثيرا (فيتجنشتاين، هايدجر، ديوي): يهدف إلى أن يكون علاجيا عوض أن يكون بناء. ومع ذلك، فإن العلاج الذي يقترحه يغذي، مثل الطفيليات، الجهود البناءة التي يبذلها فلاسفة المدرسة التحليلية، التي أحاول التشكيك في إطارها المرجعي". (رورتي، [1979] 1990، ص: 17).

لذلك، في هذه النقطة أيضا، يُظهر رورتي تفرده. هل ربما لأن الفلسفة التحليلية لا تزال تتميز بمواجهتها مع الفلسفة القارية؟ هل ربما ظلت من حيث تجذرها شديدة الارتباط بأصولها الأوروبية؟ صحيح أن رورتي ينتمي إلى جيل مفصلي في تاريخ الجامعات الأمريكية (ولد عام 1931)، يمتح مصادره من النموذج الفلسفي السابق، والأمريكي البحت، ونعني به براغماتية جيمس وديوي. وهذا بلا شك ينير سياق تناقضات الفرنسيين، وهذا يوضح لهم لماذا تمكن رورتي من أن يقول إن البراغماتية هي فلسفة أمريكية فريدة وأن جيمس وديوي أخذا أمريكا على محمل الجد.. ولدت الفلسفة التحليلية والوضعية المنطقية بقوة في أوروبا، او لم يكن راسل أول من انتقد البراغماتية كفلسفة أمريكية؟

لذلك، من وجهة نظر تحليل المعرفة، وبشكل أكثر تحديدا من وجهة نظر تحليل نظرية المعرفة، نظم رورتي فكره. تطرق لمعيار ترسيم الحدود؛ للتنازل عن شروط الحقيقة؛ لثنائيات الروح/المادة؛ الموضوعية/الذاتية؛ الوقائع/القيم؛ الفلسفة/العلم. فحص رورتي جميع الأسئلة التي حركت الفلسفة التحليلية. لكنه قام بذلك من وجهة نظر النموذج السابق إلى حد ما: نموذج البراغماتيين الأمريكيين، ولا سيما جون ديوي.

(يتبع)