Menu

مالفا... روايةُ وجودٍ لم يكتمل

تغريد عبد العال

نشر في العدد 48 من مجلة الهدف الرقمية

شاعرةٌ وكاتبةٌ فلسطينيّة/ لبنان

إنّها مالفا؛ ابنةُ الشاعر نيرودا التي لم يعترفْ بوجودها؛ لأنّها كانت مصابةً بمرض الاستسقاء الذي جعلها مشوّهةً وماتتْ في عمر الثامنة. نقلت حكايتها بسردٍ شاعريٍّ مشوّقٍ الشاعرةُ الهولنديّةُ هاخر بيترز في روايتها مالفا بترجمة الشاعرة لمياء مقدم الصادرة عام 2018، عن دار الساقي، بعد بحثٍ طويلٍ عن حياة نيرودا في مذكّراته التي لم يذكر فيها اسم ابنته المشوّهة من زوجته الأولى.

تجعلنا الروايةُ نتأمّلُ تلك الأسباب وراءَ تجاهل تلك الفتاة، وتأمّل المعنى العميق لمعنى الشعر، دون أن نعطيَ أحكامًا قاطعةً للأشخاص. لكنّه مجرّد تأمّلٍ في حياة شاعرٍ معروفٍ ومهمّ. فنتساءل: لماذا لم يعترفْ بها في وسَطِ حياةٍ شاعريّةٍ مليئةٍ بالأحاسيس والمشاعر؟

"إنّها حياةٌ ما بعد الموت، هي حياةٌ كشف الأوراق الكبرى". هكذا تقولُ مالفا، في سردها الشائق لكاتبة الرّواية وهي تحكي لها أسرارًا، فكأنّما تبدأُ مالفا حياةً أخرى بعد الموت، حكاية تكشفُ فيها تلك الأوراق المخفيّة في الحياة المهملة والمنسيّة، فتبدو لنا حياتها أشبه بقصيدةِ نثرٍ تنافسُ القصائد، وتدخلُ في حواراتٍ حيّةٍ وشيّقةٍ مع الشّخصيّات والشّعراء الموجودين بقوّةٍ في حياة أبيها، لنسألَ ذاك السّؤال البديهي والواضح أمامنا، ما الحياةُ التي ينكر وجودها الشعر؟ وإلى متى تظل الإنسانيّةُ ناقصةً في ظلّ شعْرٍ اعترف به العالمُ أنّه مكتمل؟

تبدو مالفا وكأنّها عينٌ ثالثة، تترصّد الأحداث التي سبقت حياتها، في وجود زوجين يُقدمان على قرار الزواج حلًّا لنقصٍ عندهما، فتكون النتيجةُ كائنًا ناقصًا، تدخل في تفاصيل الحياة قبل أن تأتي إلى العالم، ثمَّ تنتقلُ إلى لحظات قدومها واحتفال الشاعر بها، ثمّ إلى نسيانها التّام وإرسالها إلى عائلةٍ أخرى لتبنّيها، وما تبع ذلك من ألمٍ وإهمال.

لكنّها، وبالرغم من كونها ضحيّة، فإنّها لا تتحدّث بلسانٍ ضعيف، فاللغةُ شعريّة، وتذهب إلى عمق الأحداث لتحلّلها وتناقشها وترسمُ وجودًا آخر يفرضُ لغته بقوّة. إنّها لغة الوجود الخالص التي هي مهمّة الشّعر؛ كي يبحث عنه ويستخرجه من اللّغة والحياة. إنّه السير بالاتجاه المعاكس، لكنّه اتّجاهٌ موازٍ لعالم الشّعر ونداءاته الإنسانيّة. تتحدّثُ الضحيّةُ عن مكامن قوّتها وتنسابُ لتأخذ حقّها باللغة وبالحياة، فترسم عالمًا غامضًا وشاعريًّا، يكشفُ عن نفسه وجودًا قائمًا بذاته في حياة شاعرٍ عالميّ، كان موته غامضًا، وكذلك حياته المليئة بالقصص والسّرديات.

لم يذكر الشّاعر العالمي مالفا في مذكّراته، وهو الشّاعر الذي كُتبت عنه أيضًا رواية (ساعي بريد نيرودا) لأنطونيو سكارميتا، لكن مالفا التي تذكّر أنّ اسمها هو اسمُ نبتةٍ جميلةٍ يسمونها مالفا نغليكتا أو الزهرة المهملة، بدأت الرّواية بإعطاء كلّ شيءٍ مهملٍ أهميّة، حتى جعلتنا نصدّقُ ذاك المنسي، ذاك المهمل، ونؤمنُ به أنه الشّعر نفسه، ففي عالم الأمسيات والسّهرات والحبيبات، نبحثُ في الرواية عن جوابٍ نصدّقه، لسؤالٍ حقيقيٍّ هو: لماذا ينسى الشّعرُ هذه التفاصيل الإنسانيّة؟

وحتّى القصائد التي كانت تُلقى حول مالفا وعلى مسمعها، حتّى قبل أن تولد، فقد كان لها التّأثير الأقوى على حياتها وعلى ولادتها، فهذهِ هي الولادةُ الّتي أتت من رحم الموت، لقد كانت قصائد مُشبعة برائحة الدّم، كما قالت في إحدى صفحات الرواية، هذه إشارةٌ حيّةٌ وواضحةٌ على أنّ الّلغة تلد العالم، إنّها لغةٌ ليست فقط مكترثةً بترتيب الكلمات واختيارها، إنّما هي الشيفرة التي نأتي منها، فتظهر وكأنّ مالفا واعيةٌ لذاتها ولولادتها من رحم هذه اللّغة.

تكوّن مالفا صداقاتٍ لها مع كائناتٍ أُخرى مشوّهةٍ من عالم الأدب، وتدخلُ في حواراتٍ معها، ومع شعراء وشاعراتٍ مثل شيمبروسكا التي تسمّيها: الجدّة شيمبروسكا، تُخبرها فيها كلّ مرّةٍ عن قضيّةٍ ما شعريّةٍ وإنسانيّةٍ والأهمّ وجوديّة.

هي - إذًا - مالفا، التي تعرّفنا عليها من جديدٍ في حياةِ شاعرٍ كبير؛ روايةٌ تعطي الشعرَ أسئلةً أخرى؛ لنتوقف عندها في أسئلتنا عن الوجود، تتركُ مالفا الحكاية مفتوحةً على الخيال، لكنّها تبتكرُ النهاية التي تليقُ بها على اعتبارها ابنة لشاعر، وتخترعُ له النهاية المشرّفة، وهي أن يقدّمها إلى العالم بكلّ حبّ، أن يقف معها على مسرح الحياة ويقول: أنا آسفٌ؛ لأنّي أخفيت حكايتها عن الوجود، لكن الوجود لا ينسى، فالشعرُ يأتي من المكان الذي ننساه. ولذلك تنهي مالفا حكايتها بـ: "أيتها السيدات والسادة: ها هي أخيرًا، تلك التي رأيتموها منذ قليلٍ ترقصُ على الطّاولة، إنّها ابنتي الرائعة مالفا مارينا".

في النهاية، أستطيع القول: إنه قد تكون في حياة هذا الشاعر أو المثقّف أمورٌ خفيّةٌ تكشفُ عيبًا يعاكسُ ما يتطلّع إليه ويؤمن به، لكن يبقى جوهر الرواية واضحًا أمامنا: لنستمع لقصة مالفا وما تريد أن تقوله؛ لنعلم ماذا كان على الشعر أن يقوله لو كانت مالفا واضحةً ومعلنةً وغير خفيّة...؟!