لمْ تحظَ شخصيّةٌ نسائيّةٌ عربيّةٌ بمثل ما حظيت به مي زيادة، الشهرة والثقافة، والمعرفة وإتقان اللغات والحب "الغريب" في تمايز صنفه وأساليبه، وحتى انتهاءً بتُهمة الجنون المُريبة في تفاصيلها!
بَدتْ مدينة الناصرة في فلسطين عام 1886، وهي سنة مولد مي زيادة تحت اسم "ماري إلياس زيادة" في أوج النهوض عربيًّا وعالميًّا من حيث اكتناز فخامة الثقافة وتنوّعها والتميّز الاقتصادي، وذلك على الرغم من صغر هذه المدينة، وقلّة عدد سكّانها قياسًا بمدن بلاد الشام وفلسطين الأخرى، إذْ كانت مدينةً هادئةً تحتفظ في جنباتها برائحة التاريخ المُختفي بين جدران بيوتها الحجريّة، وقد حماها إرثها الديني المتعلّق بالمسيح ومريم سُكونيةً وهيبةً قلّما تحظى به مدينةٌ في بلادٍ صاخبةِ الحَراك في الخفاء والعلن، وهي المدينة التي يعطيها الحجاج والكشَّافة والمصورون والمستشرقون المنتشرون في الشوارع رونقًا إضافيًّا، كما ويختصُّ العديدُ من دواخل بيوتها بالجلسات الثقافيّة والفكريّة التي أنجبت عددًا من الروّاد الأوائل للنهضة الفكريّة، خاصّةً أنها كانت تحظى بلمسة حريّة خاصّة تُركتْ هامشًا من قبل العثمانيين، ثم الإنكليز فيما بعد لِسببِ حضورها المعنوي الخاص، الديني والسياحي.
في تلك المدينة وُلدتْ فتاةٌ من أبٍ قادمٍ من قرية "شحتول" الجبلية في لبنان، وأم فلسطينية، كان ذلك امتزاجًا جغرافيًّا ما، ليُحقّق في انصهاره لمي زيادة معجزةَ صَوْغ الحريَّة الفرديّة في ظلّ سلطةٍ سياسيّةٍ متخلّفة، ومجتمعٍ سُكونيٍّ ذكوريّ، فكتبت أدبًا مُميّزَ المذاق منذ سنواتها اليافعة، وجسَّدت أنموذجًا للاختلاف والتمايز في المجالات شتى، في حقول الرأي ولغة التعبير والأدب وتجليّات الحريّة الفرديّة، ولا يمكن استثناؤها من لقبها أوّل مترجمةٍ عربيّةٍ مستقلّةٍ في القرن الجديد، هذه الشخصيّة كانت أحدَ أُوّلِ اللَّبِنات الترسيخيّة في مدماك مشروع التحرّر والحداثة العربيّة، وتأسيس النهضة والثورة الفكريّة والاجتماعيّة وسطوع شؤون قضايا المرأة.
لنتخيّل فتاةً في تلك الأجواء، وهي تتقنُ لغاتٍ تِسْع، كتابةً وقراءةً وترجمة: "العربيّة، والألمانية والفرنسية والإنجليزية والإيطالية والإسبانية واللاتينية واليونانية والسريانية" ، هذا يعني بالضرورة تفرغها لسنواتٍ طوالٍ في اقتناص الثقافة والمعرفة وخوضها حُمَّى التعلُّم ذاتيًّا، وهو ما يُعدُّ بحد ذاته خارقًا للاعتياد والسائد، حينها وربّما اليوم، ويدل على جهد سنواتٍ طوالٍ مثابرات مكتنزات بعمق الرؤية والمشروع، فإن أضيفت الكتابة الشعرية والأدبية إلى ذلك كنا أمام شخصية تشابه ببراعتها واستثنائها تلك الشخصيات المثيرة، الغامضة الخارقة – في حقول العقل لا الخوارق والغيبيات - ناهيك عن أن اختلاف الشخصية وتفرّدها وممارساتها، الذي شكَّلَ بِحدّ ذاته ميزةً أخرى أكثر التصاقًا بالنموذجيّة التحررية الاستثنائية الواعية، هذا الاستثناءُ كان ميزة مي الأولى إنْ أسعفتنا المُخيلة لولوج عالمها المختلف الذي بدأ التدوين بعد لحظة الولادة بسنواتٍ غيرِ طويلةٍ، وهي المولودة في " شباط- فبراير 1886 " والمتوفاة في " - تشرين الأول - أكتوبر 1941".
الوالد" الياس زيادة" معلم في مدارس الناصرة جمع ثروة في فلسطين، الأم " نزهة معمر"، ابنتهما هي "ماري" التي تنقلا بها في طفولتها بين فلسطين ولبنان، وقد أنجبا طفلًا قبلها، لكنه توفي في سنوات عمره الأولى؛ بسبب مرضٍ مجهولٍ مفاجئ، فعاشت "مي" ابنةً وحيدةً لوالديها، ونظرًا لاعتبارات الموهبة، والتقاط الفَرادة؛ توقَّع كلاهما بدايات ماري الأدبية التي كتبت خلال سنوات النضوج فيما بعد باسم مي وإيزيس كوبيا- Isis Copia وأسماء أخرى، فكان أن أسست فَرادتَها عبر نمو الشخصية وتطورها الطبيعي، لكن أيًّا منهما لم يتوقع النهاية التراجيدية للفتاة التي أنجباها، حيث ذاقت مرارات الحياة وصخب الحبّ، وعاشت لذَّة الحريّة والثورة على النمطيّة والتقاليد السائدة، حتى اتُّهمت بمختلف الخطايا، وكان آخرها تهمة الجنون التي اختلط فيها السخط الاجتماعي والسياسي والنفاقي الديني والطائفي بطمع الأقارب بأملاك الوالد الموروثة!.
لنتخيّل أيضًا الناصرة وبيروت، وإلياس زيادة الماروني اللبناني المعلّم المنتقّل إلى الناصرة، والأم نزهة خليل معمّر الفلسطينيّة الأرثوذكسيّة المذهب التي لا نعرفُ الكثير عنها اليوم، لكنّها تبدو في لمحات كلمات وإيقاع تاريخ العائلة المُستشفِّ سيدةً مثقفةً تفرغت لدورها الصامت، امرأة مربية في منزل فلسطيني قديم بسيط، تتوسطه بَحرة ماء وتنمو في باحاته زهور مختلفة ألوانُها، يجوب قرب بوابته سائحون ورهبان وجنود عثمانيون وفلسطينيون عاديون مرتبكون في استفهام مستقبل بلادهم وقلقون، وهي في الوقت ذاته لم تنتج ما أنتجه الأب وابنته، إلا أن تأثيرها كان هادئاً غير مرئي على السطوح، حكيماً وراعياً للحياة.
انهمكت مي بالأدب والفلسفة العربية لا سيما الإسلامية، ويمكن الانتباه إلى أن تأثير نمط الحالة الصوفية قد حفر أخاديده في أعماق أدبها ونظرتها للكون والحياة، ويظهر ذلك في نصوصها وحتى في رسائلها لجبران فيما بعد، بل في صيغة علاقتهما، إذ تَشاركَ الأديبان رؤيةً ارتقائية في عالم مضطرب يمدُّ عُنقه بصعوبة نحو النهضة، ويحاول أن يسجل قفزةً على القيم المحلية والاستعمارية السائدة عقب جرائم كبرى مثل جريمة إبادة شعوب أميركا وجلب لصوص العالم إلى القارة الجديدة، ثم تنازعهم على الاستئثار بالغنيمة ونيل السلطة بين شمال وجنوب ما عُرفَ بالولايات المتحدة، وهو ما أثار بدوره صدمة لدى المهاجر العربي الشامي اللبناني جبران خليل جبران، وعلى الضفة الأخرى فتاة عذراء الفكر والجسد، تعيش إلى جانب قفص أفكار اجتماعية وسلطة دينية متخلفة بامتدادات استعمارية تحاول الانقضاض على نسور النهضة ووأد أية فكرة تفضي نحو باب الحرية. كان الوالد الياس زيادة الصحفي والمترجم قد انتقل فيما بعد للعمل في القاهرة، مدينة كبيرة تعج بالصحافة ورجالات الرأي والثورة والسياسة.
الطفلة ماري إلياس درست ابتداءً في الناصرة، حيث تأسست لغاتها الفرنسية والألمانية والإنكليزية، ثم انتقلت مع والديها إلى لبنان لتواصل دراستها الثانوية في قرية "عينطورة" في قضاء كسروان بمحافظة جبل لبنان على بعد 18 كم من بيروت وهي تضم مدرسة الراهبات التي تابعت ماري الياس الدراسة فيها حتى العام 1916حيث الغليان القومي العربي وبروز رجالات النهضة ودوائر الثقافة واشتعال نهم المعرفة، فانتقلت إلى مصر لتدرُس الأدب والتاريخ الإسلامي في كلية الآداب بجامعة القاهرة، ولكنها لم تتابع دراستها الجامعية، إذ انشغلت بالتأليف والكتابة واستهوتها الأنشطة الثقافية.
في طفولتها، وأثناء تعليمها الأساسي أتقنت إلى جانب اللغة الفرنسية والإنكليزية أسلوبيتها البيانية التي وضعتها لاحقًا إلى جانب نشاطاتها المختلفة في مصاف الكبار عربيًّا، فهام بها العديد من كبار رجالات الفكر والثقافة لا سيما في مصر، وتبلور ذلك بعد قيامها بإنشاء المنتدى الأدبي الذي أمَّه الكبار تحت اسم " ندوة الثلاثاء" التي تقام في منزلها أسبوعيًّا ويشاركها كبار الأدباء والشعراء والمثقفين والنقاد، بانتظام منذ عام 1913 إلى 1921 كان منهم: أحمد شوقي، أحمد لطفي السيد، عباس محمود العقاد، طه حسين، يعقوب صروف، خليل مطران، شبلي شميل، ومصطفى صادق الرافعي، وغيرهم....
لمع اسمها في القاهرة، وارتبطت عن بعد بعلاقةٍ عاطفيّةٍ صوفيّةٍ مع جبران خليل جبران المهاجر إلى العالم الجديد، الذي بادلها رسائل ومشاعر عاطفية معقّدة يجري البحث فيها منذ ذلك اليوم وحتى هذا الحين، قبلها، كانت مي قد عقدت خطبتها على ابن عمها في لبنان قبل سنواتٍ عديدة، لكن الأمر لم يستمر، إذ رفضت الصيغة الذكورية في التعاطي من قبل ابن عمها ذاك وهو ما استفز العائلة قبل الخطيب، إلا أن طائر الحرية القابع في صدرها رفض الخضوع للإملاءات الاجتماعية وهو ما زرع العداوة بينها وبين عائلة والدها التي حاصرتها بشتى المقولات التي تسيء للأنثى، ثم كانت وراء اتهامها بالجنون وإيداعها بمشفى المجانين الذي يسمى وقتها في بلاد الشام بالعصفورية، وذلك لتحقيق الأطماع والاستيلاء على أملاكها الموروثة عن والدها، وهو ما نجحت به العائلة، وانتقمت منها بذلك الأسلوب.
كانت استثنائية تصرفات مي وغرابتها عاملًا مساعدًا أمام القانون الجائر لتبرير الاستيلاء على أملاكها، وهكذا تمَّ وصم الإبداع بالجنون، وهي عادةً نسمعها بين العرب حتى اليوم!
استثمرت مي زيادة خلال حياتها طاقاتها الثقافية والثرية في الصحافة والتأليف والترجمة، فنشرت في المحروسة، والزهور، والمقطم، والأهرام، والهلال... وتتابعت إصداراتها منذ أول ديوان شعر لها نشر باللغة الفرنسية "أزاهير الحلم"، فأصدرت عدة كتب منها: باحثة البادية، كلمات وإشارات، ظلمات وأشعة، والمساواة، سوانح فتاة وكتب أخرى، كما ترجمت ثلاث روايات عن لغات أجنبية.
توفي الياس زيادة عام 1929 ويبدو أنه كان نموذجًا بشكلٍ ما بالنسبة لمي، وهو الأمر الذي غير حياتها مضيفًا إليها سوداويّةً وغضبًا داخليًّا متمرّدًا كان واضحًا على تصرفاتها، كما فقدت بعد عامين من ذلك حبيبها الذي يشبه حالة الحب الافتراضي اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كانت علاقتها بجبران الذي قضى في الغربية البعيدة مبنية على الأحاسيس والمخيالية الضالعة بين كلمات الرسائل البينية وقراءة ما يكتب كل منهما، تبعته أمها نزهة بعد عام واحد، مما أثَّر تراكمياً على الحالة النفسية والتوازن الشخصي لدى مي التي مكثت بعدها في مستشفى للأمراض النفسية في لبنان، واستغل بنو أبيها الورثة ذلك للاستيلاء على عدة بيوت وأراض ورثتها " الفلسطينية مي" التي فقدت مفاتيح القوة بعد غياب والدها، ليستقبلها أمين الريحاني صديق العائلة المتعاطف معها، فسكنت منزله لنحو عام، ثم غادرت تجاه مصر التي أحبتها وبنت الصداقات فيها، إلى أن غادرت الحياة هناك عام 1941، لم تخرج لها جنازة لائقة، وغاب رواد الثلاثاء عنها، فقد أصبحت مي فقيرة الحال متهمة بالجنون محاصرة بالإشاعات، لكنها أضحت مثالًا لتميز الفتاة العربية المثقفة المبدعة التي تضج بالحياة والحلم والحرية.
قال فيها أحمد شوقي الذي أحبها إلى جانب آخرين:
أُسائل خاطري عما سباني أحُسْن الخَلق أم حسن البيانِ
رأيت تنافسَ الحُسنين فيها كأنهما لميّةَ عاشقانِ

