Menu

هل تعطل الحرب في السودان مسار التطبيع مع إسرائيل؟

د. سامح إسماعيل

نشر في العدد (49) من مجلة الهدف الرقمية

لم تكن اتفاقية التطبيع بين الخرطوم وتل أبيب، مؤشرًا على ذوبان الجليد بين البلدين، بعد عقود طويلة من العداء. وللمفارقة، فإنّ لاءات الممانعة العربية الشهيرة، خرجت جميعها من الخرطوم، إبان القمة التي عقدت بالعاصمة السودان ية، في أعقاب هزيمة 5 حزيران (يونيو) 1967، وحملت اسم لاءات الخرطوم (لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف بإسرائيل)، وربما يكون اندلاع الحرب الأهلية بين الجيش السوداني، بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، سببًا في تأخير التوصل إلى اتفاقية سلام كاملة بين الخرطوم وتل أبيب، أو تؤدي الحرب إلى تقويض هذه الجهود بالكامل.
منذ التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، في أوغندا في شباط (فبراير) 2020، لم تنقطع مساعي تل أبيب، من أجل التوصل إلى اتفاقية سلام نهائية، الأمر الذي لم يتحقق، على الرغم من توقيع إعلان الخرطوم، في كانون الثاني (يناير) 2021؛ كتمهيد للطريق نحو التطبيع.
جاء إعلان الخرطوم بمشاركة المكونين العسكريين في السودان، حيث أكدت تل أبيب أنّها كانت على اتصال بكل من البرهان وحميدتي، عبر المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية رونين ليفي، الذي يُعد مهندس عملية الاتصالات مع نظرائه السودانيين، وتمّ تمرير الاتفاق على الرغم من معارضة رئيس الوزراء، آنذاك، عبد الله حمدوك، ليصل رئيس المخابرات الإسرائيلية، آنذاك، إيلي كوهين، على رأس أول وفد رسمي إلى الخرطوم في كانون الثاني (يناير) 2021. والذي أكد عقب لقائه مع البرهان، أنّ البلدان اتفقا على العمل من أجل التوصل إلى اتفاق سلام، وأضاف: "يسعدني أن أعلن أنّه خلال الزيارة، اتفقنا على توقيع اتفاق سلام بين السودان وإسرائيل، وذلك بعد تشكيل حكومة مدنية في الخرطوم".
كان كوهين يأمل في إتمام الصفقة في الخرطوم، أو على الأقل الإعلان عن موعد لذلك في أقرب وقت ممكن، لكن ذلك لم يحدث، حيث انشغلت القيادة السودانية بمواجهة بعض الاعتراضات في الداخل؛ فقررت إرجاء الأمر إلى أن يتم تشكيل حكومة انتقالية مدنية.
الحرب تطيح بأمنيات نيتنياهو
يبدو أنّ انفجار الحرب الأهلية في السودان، جاء على غير هوى تل أبيب، ذلك أنّ الصراع يعني تأجيل أو تقويض إنشاء حكومة مدنية، من شأنها توقيع اتفاق سلام بين الطرفين، حسبما تمّ الاتفاق عليه أثناء زيارة كوهين إلى الخرطوم؛ الأمر الذي دفع تل أبيب إلى محاولة التوسط بين أطراف الصراع.
وكالة رويترز للأنباء، نقلت عن وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين قوله: "منذ اندلاع القتال في البلاد، تعمل إسرائيل عبر قنوات مختلفة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، والتقدم الذي تمّ إحرازه خلال الأيام القليلة الماضية في المحادثات مع كلا الجانبين، كان واعداً جداً". كما نقل موقع أكسيوس الإخباري عن ثلاثة مسؤولين بوزارة الخارجية الإسرائيلية قولهم "إنّ المسؤولين الإسرائيليين قدموا مقترحًا إلى البرهان وحميدتي، وبعد عدة مكالمات منفصلة بين المسؤولين الإسرائيليين والجنرالين، ظهر بعض التقدم". 
مسؤولو الخارجية الإسرائيلية صرّحوا أنّ كلاً من البرهان وحميدتي، لم يستبعدا المقترح الإسرائيلي، وأعطيا الانطباع بأنّ كليهما يفكر فيه بإيجابية". وأضافوا أنّ "إسرائيل نسقت جهودها مع إدارة بايدن ودول المنطقة، وأبلغتهم بالاقتراح". كما أكدت تقارير صحفية إسرائيلية، أنّ تل أبيب تشارك حالياً في جهود؛ لتهدئة الصراع الحالي في السودان.
وربما لم تكن تلك هي المرة الأولى، التي تتدخل فيها إسرائيل في الشأن السوداني، حيث سبق لموقع أكسيوس أن أكد في تشرين الثاني (نوفمبر) 2021، أنّ إدارة بايدن طلبت من إسرائيل الضغط على البرهان؛ لإعادة الحكومة المدنية التي أطيح بها في الانقلاب الأخير. 
إلى أي جانب تصطف إسرائيل؟
يمكن القول إنّ تل أبيب تحتفظ بعلاقات جيدة مع المكونين العسكريين، لكن الجيش السوداني يبدو على الصعيد الرسمي، أكثر تحفظًا في الاندفاع نحو التطبيع الكامل مع تل أبيب، بينما يبدو حميدتي أكثر براغماتية في هذا الأمر.
في وقت سابق، أكد حميدتي، أنّ قرار البلاد بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، نابع من قناعة وطنية. ونفى حميدتي في مقابلة مع "الشرق الأوسط" في تشرين الأول (أكتوبر) 2020، وجود ضغوط خارجية على الخرطوم، وزعم حميدتي أنّ التزام السودان التاريخي، وموقفه تجاه القضية الفلسطينية، لا يمنع إقامة علاقات مع إسرائيل، مضيفًا أنّ المقاطعة لا قيمة لها ولا تفيد أحد. وقال: "لا عداوة بيننا وبين إسرائيل ولا حرب".
حميدتي حاول تبرير مزاعمه؛ عبر جملة من المسوغات، حيث قال: "لا يوجد جيش مسلم أو عربي يقاتل للتضامن معه، وهذا يعني أنّ المقاطعة لا قيمة لها كسلاح". وإدعى أنّ السودان "سيحصد ثمار السلام والتواصل مع إسرائيل".
وفي حديثه عن الرأي العام، ومدى تقبله لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، زعم حميدتي أنّ 90٪ من السودانيين، يؤيدون خطوة التطبيع. وفي السياق نفسه، قام الفريق عبد الرحيم دقلو، شقيق حميدتي، بزيارة إسرائيل؛ بداعي تعزيز العلاقات بين الجانبين.
جهود إسرائيلية لاحتواء الصراع
أكد المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية، رونين ليفي، أنّ بلاده تشارك في الجهود الدولية؛ لتهدئة الصراع الحالي في السودان، وأنّها على اتصال مع المعسكرين المتقاتلين.
وقال ليفي في مقابلة مع محطة الإذاعة العامة الإسرائيلية (KAN)، إنّ إسرائيل ستواصل إنهاء الاضطرابات الحالية، وتطبيع العلاقات الدبلوماسية مع الخرطوم. وأضاف: "الكل يبذل جهودًا لإعادة السودان إلى مساره الصحيح، نحن لن نتخلى عن التطبيع، نحن نساعد في ممارسة الضغط المباشر؛ لتحقيق الهدوء وإحلال السلام". 
لقد بدد القتال آمال إسرائيل في استكمال التوقيع الرسمي على اتفاق السلام، وهو ما يبدو مستبعدًا للغاية في الوقت الحالي، نظرًا للقتال، لذا حولت إسرائيل جهودها إلى الوساطة بين الأطراف المتحاربة؛ للمساعدة في تحريك عملية الانتقال السلمي إلى حكومة مدنية؛ حيث إنّ الوضع الجيوسياسي للسودان، تجعل منه أولوية إستراتيجية لإسرائيل، كما يعتقد حميدتي أنّ إسرائيل هي الباب الذي يفتح على واشنطن. 
من جهة أخرى، قال مسؤول دبلوماسي إسرائيلي رفيع لـ "المونيتور"، إنّ إسرائيل لا تزال مترددة بشأن دورها في الصراع. مضيفاً: "المشكلة في التدخل الإسرائيلي، هي أنّنا لم نقرر تمامًا من ندعمه، ونحن نلعب لعبة مزدوجة، نساعد كل من البرهان وحميدتي، وكلا الجانبين على علم بهذا، ويطالب بتوضيح منا، وإذا لم نتمكن من المصالحة بينهما، فقد يؤدي ذلك إلى توحيدهما ضدنا".
وبحسب المونيتور، فإنّ هناك نوعين مختلفين من الأدوات التي تستخدمها الحكومة الإسرائيلية، من أجل التدخل في السودان؛ وذلك عبر الموساد ووزارة الخارجية، حيث كان المسؤولان الإسرائيليان الرائدان اللذان يعملان في ملف الخرطوم، في السنوات الأخيرة، هما: مدير الموساد آنذاك يوسي كوهين، الذي توسعت وكالته الاستخباراتية بشكل كبير في أنشطتها في السودان، ورونين ليفي، الذي كان معروفًا في السابق باسمه المستعار فقط (ماعوز)، والذي كان حتى وقت قريب مسؤولاً كبيراً في مجلس الأمن القومي، حيث انخرط كلاهما في علاقات سرية مع السودان، امتدت لسنوات.
وبحسب المونيتور، أوضح مصدر أمني إسرائيلي كبير، طلب عدم الكشف عن هويته، أنّ "مدير عام وزارة الخارجية، يقف إلى جانب البرهان، أمّا الموساد فهو أكثر ميلاً إلى جانب حميدتي". حتى أنّ حميدتي تمّت دعوته إلى زيارة سرية لإسرائيل، وقد يتسبب هذا الانقسام في أضرار جسيمة، لكنّه من ناحية أخرى، يسمح لإسرائيل بتمثيل الجانبين في نفس الوقت؛ للاستفادة من هذه العلاقات المزدوجة؛ لتهدئة الوضع ومحاولة إخماد النيران".
ويمكن القول إنّ الأهداف الإسرائيلية ربما تحدد مستقبلاً الطرف الذي قد تنحاز إليه تل أبيب، فإذا كانت الأخيرة تسعى تجاه التهدئة واحتواء الصراع، وصولاً إلى حكومة مدنية، فإنّ عليها الميل أكثر تجاه البرهان، بوصفه القائد الأعلى للجيش، والأكثر قدرة على حسم الصراع، أمّا إذا كانت تهدف إلى تفجير المشهد، فإنّها قد تتعاون مع مليشيا الدعم السريع، وهو أمر مستبعد في ظل رغبة إسرائيل في المضي قدمًا نحو تطبيع العلاقات، وتوقيع اتفاق سلام مع حكومة مدنية؛ ما يضمن لها استثمارات هائلة في السودان.