Menu

عن مكتبة لينين سابقًا ولاحقًا

أ. د. ضياء نافع

لا زال الروس يطلقون عليها تسمية – مكتبة لينين (ونحن في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين!)، ولا زال الوصول إلى تلك المكتبة يعني الذهاب إلى محطة مترو تسمى (مكتبة لينين)، رغم أن الامر الإداري بتغيير تسمية المكتبة قد صدر عام 1992 عند انتهاء (العصر!) السوفييتي وولادة دولة روسيا الاتحادية، إذ أنها أصبحت منذ ذلك الحين رسميا - المكتبة الوطنية. اختلف المترجمون العرب بترجمة تسميتها الجديدة، فمنهم من يقول – مكتبة الدولة، أو، المكتبة الحكومية، أو، المكتبة الرسمية، أو، المكتبة العامة... الخ....الخ، ولكننا نميل إلى استخدام مصطلح المكتبة الوطنية، التسمية المستقرة في أذهاننا – نحن العراقيين – طوال النصف الثاني من القرن العشرين ولحد الآن، أما بالنسبة للروس في الوقت الحاضر، فليس مهمّا كيف تسمّى مكتبتهم الأولى رسميّا، إذ أنها بالنسبة لهم كانت وستبقى على ما يبدو – مكتبة لينين، والأمر كذلك حتى بالنسبة للأجيال الجديدة من الروس، وقد وقف أحد العراقيين المرحين مرّة في مركز موسكو (أي ليس بعيدا عن تلك المكتبة) وأخذ يسأل الروس – أين تقع (مكتبة الدولة)؟ وكانت الإجابات قاطبة تتوزع بين إجابتين لا غير، وهما - (لا أعرف) أو (تقصد مكتبة لينين؟)، وهي تجربة ضاحكة طبعا ضمن تجارب الشباب المرحة، ولكنها حيوية وفريدة في آن واحد، إذ أنها تعني ما تعنيه في مفاهيم علم الاجتماع.

وعندما وصلنا في بداية الستينيات إلى موسكو للدراسة في جامعاتها، لم تكن مكتبة لينين تخطر ببالنا أصلا، ولكن عندما ازدننا معرفة وعمقا في دراستنا، بدأنا نشعر بضرورة الذهاب إلى المكتبات العامة (إذ لم تكن في تلك الفترة الاتصالات الالكترونية كما هو الحال في الوقت الحاضر)، واكتفينا في البداية باستخدام المكتبات العامة، التي كانت موجودة ومتوفرة في جامعاتنا ليس إلا، ولكننا بالتدريج وصلنا إلى القناعة بضرورة الانتقال إلى مكتبة لينين واستخدام مصادرها المتنوعة والغنيّة، والاستفادة من تنظيمها الدقيق والمدهش، ولا زلت أتذكّر (الانبهار!!!) عندما دخلتها لأول مرّة، إذ اكتشفت عالما خاصا، مليئا بملايين الكتب والدوريات، ويخضع لتنظيم صارم وانسيابية دقيقة، خصوصا وأن الإدارة قد منحتنا – نحن الأجانب – حق استخدام القاعة رقم (1) في تلك المكتبة، وهي القاعة المخصصة للعلماء وكبار الشخصيات، وكنّا نرى بينهم، مثلا، مولوتوف، وزير خارجية الاتحاد السوفييتي السابق أيام ستالين، وكان يواظب يوميّا تقريبا على الجلوس في تلك القاعة بمفرده ويطالع بانتباه الكتب الموجودة أمامه على الطاولة، وكان النظام السائد في المكتبة يمنع إدخال الحقائب، وكان هناك مكان خاص عند المدخل نضع فيه حقائبنا ونأخذ رقما خاصا، وعندما نخرج نستلم الحقيبة وفق الرقم، وكانوا يسمحون فقط بإدخال دفاتر الملاحظات، وعند الخروج كانوا يلقون نظرة بشكل سريع ومؤدب على تلك الدفاتر (ربما خوفا من وجود وريقة مقطوعة من الكتب)، وقد لاحظت، أن مولوتوف كان يخضع أيضا – وبكل روح رياضية – لهذا النظام العام عندما يخرج من المكتبة. وتوجد في المكتبة كل وسائل الخدمات للقراء من مطعم ومقهى ...الخ، إذ أن المكتبة تعمل منذ الثامنة صباحا حتى العاشرة ليلا.

كل هذه الانطباعات كانت قبل أكثر من أربعين سنة مضت، وعندما عدت إلى هذه المكتبة العتيدة قبل سنوات قليلة، وجدت أنها قد ارتدت حلّة جديدة زادتها جمالا وتألقا، إذ أصبحت الكتب الشرقية – مثلا - في بناية مستقلّة تقع مقابل المكتبة، وهي بناية تاريخية جميلة، وعندما طلبت منهم كتابا عراقيا صدر في بغداد عام 1945، ساعدني الموظف المختص بالعثور عليه في الفهارس الخاصة، ثم أخبرني بعد حوالي نصف ساعة أن هذا الكتاب دخل في خزانات خاصة للحفظ، وأنني أقدر أن أطلع على الفيلم المستنسخ منه في قاعة خاصة معدّة لتلك العروض، وحدد لي موعدا دقيقا لذلك. ويسود المكتبة الآن نظام الكتروني في الدخول لها والتسجيل والخدمات الإدارية الأخرى، وهناك برامج ثقافية ومعارض كتب متنوعة جدا في قاعاتها العديدة....

في الستينيات كانوا يقولون لنا، أن مكتبة لينين تشغل المكان الثاني عالميا بعدد كتبها ودورياتها، وهو (33) مليون، وذلك بعد مكتبة الكونغرس الأمريكية، التي كانت تحتوي على (40) مليون، ولكن هذه الأرقام قد تغيّرت في الوقت الحاضر، وهناك الآن خمس مكتبات تقف في الصدارة عالميا، ومنها طبعا المكتبة الوطنية لعموم روسيا، أي مكتبة لينين كما يسميّها الروس، وقد اطلعت قبل مدّة على إحصائية تشير، إلى أن عدد الكتب والدوريات الموجودة بهذه المكتبة حاليا أكثر من (44) مليون، وأن هذه الكتب والدوريات ب (367) لغة من لغات العالم.

المكتبات العامة دليل حضارة الأمّة، والحفاظ عليها والاعتناء بها وتطويرها دليل حيوية تلك الأمّة، والحليم تكفيه الإشارة يا أولي الألباب...