تتطلب المواجهة بين آراء سارتر وآراء لوكاش حول المسألتين الأساسيتين المتمثلتين في التسليع والاغتراب إعادة بناء دقيقة للتحليلات التي طورها الأول في "نقد العقل الجدلي" والثاني في "أنطولوجيا الوجود الاجتماعي". لقد تمكنا من إثبات أن سارتر كان حساسا لاعتبارات لوكاتش بشأن التسليع Verdinglichung (دون أن نتمكن من تحديد متى علم الفيلسوف الفرنسي بالكتاب الصادر سنة 1923، والذي لم تكن نسخته الفرنسية موجودة في عام 1950). يمكن لنا أن نتذكر في هذا السياق الإشادة المؤكدة التي قدمها ميرلو بونتي عن الكتاب الماركسي الأول من قبل لوكاتش، والذي يشهد عليه الفصل عن الماركسية "الغربية" من كتاب مغامرات الديالكتيك" (1955) والذي يحتل فيه نقد التسليع مكانة بارزة.
من المحتمل تماما أن يكون ميرلو بونتي أحد المعجبين بلوكاتش، هو الذي نقل إلى سارتر نص لوكاتش (رسالة طويلة موجهة في عام 1946 - حملت الرسالة عنوان الأزمنة الحديثة - من ميرلو بونتي إلى فيلسوف بودابست، فيها تحدث عن حقيقة أن "التاريخ والوعي الطبقي" كتاب لوكاتش الوحيد "المعروف قليلاً" في باريس رغم وجود نسخ قليلة" منه وأنه "ينتقل من يد إلى يد"، يقدم دليلاً على الاهتمام القوي لمؤلف "فينومينولوجيا الإدراك" بلوكاتش، مفكر الذاتية). تكمن المشكلة التي تهمنا هنا في معرفة إلى أي مدى تلائم تحليلات سارتر في النقد نفس الانتقادات التي وجهها لوكاش إلى أخطاء كتابه المؤلف في مرحلة شبابه، وبشكل أكثر تحديدا، إلى أي مدى كان سارتر يميل، مثل لوكاتش في "التاريخ والوعي الطبقي"، إلى مماثلة التسليع، وفوق كل شيء الاغتراب، بالتشييئ.
عندما ظهر للوكاتش عام 1948، كتابه بعنوان "الوجودية أو الماركسية؟" عن دار النشر Nagel بباريس، ركز نقده القاسي للوجودية بشكل طبيعي على: "الوجود والعدم"، كامتداد للتنصل من الكتاب-المصفوفة "الوجود والزمن"، مع الأخذ في الاعتبار كذلك النصوص اللاحقة مثل المحاضرة حول "الوجودية نزعة إنسانية" أو كتاب "المادية والثورة" (1946).
لقد كان مستبعدا في ذلك الوقت الشك في أن سارتر سوف يتطور نحو التزام مذهل بأطروحات المادية التاريخية، وذهب إلى حد أن وصف في "مسائل في المنهج" (1957) فكر ماركس بأنه "فلسفة عصرنا"، "لا يمكن تجاوزه" طالما لم يتم التغلب على الظروف التي ولّدته. لذلك رحب الفيلسوف الماركسي باهتمام شديد بنشر " نقد العقل الجدلي" في عام 1960، وهو توليفة عظيمة لمرحلة جديدة من تفكير سارتر، وشعر في البداية بانه يدفعه لكتابة تعليق على عمل كان علامة على تحول سارتر نحو فكر لطالما انتسب هو نفسه إليه.
ومع ذلك، لم يتحقق هذا المشروع، وربما لم يكن التنازل عنه غير مرتبط بكون الاغتراب مسألة صعبة (vexata quaestio)، وهو خط فاصل حقيقي بين "الفلسفة الوجودية" والفكر المستوحى من ماركس. يجب أن نوضح على الفور أنه وفقا لشهادته الخاصة، لم يثابر لوكاتش في قراءة نقد سارتر (قرأ المئتي صفحة الأولى)، ووجد الكتاب "صادقا جدا" ( sehr anständig )، ولكنه "مربك للغاية وممل".
يمكننا أن نضيف أنه وفقا لشهادات أخرى للمعني بالأمر، صُدم لوكاتش بحقيقة أن سارتر دافع في تأويله للمواقف الماركسية التي كانت تشبه في بعض الأحيان كثيرا تلك التي عبر عنها بنفسه ذات مرة في "التاريخ والوعي الطبقي"، وبالتحديد تلك التي كان من المفترض أن يكون قد صححها وتجاوزها بشكل نهائي طي كتابيه "علم الجمال" و"أنطولوجيا الوجود الاجتماعي". وفي ما يتعلق بمسألة ديالكتيك الطبيعة، مثلا، أو حول الطابع الأنطولوجي للمادية الماركسية، أو في ما يخص غاية عدم التلقي في تعارض مع نظرية الانعكاس، انضم سارتر، دون أن يعرف ذلك، إلى مواقف الشاب لوكاتش، التي رفضت بصرامة وتعرضت للنقد من طرف فكره الناضج. وعندما قدم لوكاتش، في تقديمه المخصص للطبعة الثانية (1967) لكتابه "التاريخ والوعي الطبقي"، صاغ لوكاتش التأكيد المتناقض بجلاء والذي مفاده أن الحظوة الكبيرة التي نالها كتابه المبكر تعود إلى حد كبير إلى أطروحاته الخاطئة، كان يفكر بالتأكيد أيضا في استعادة الوجوديين الفرنسيين للمماثلة الشهيرة للاغتراب بالتشييئ.
من اتصاله ب"نقد العقل الجدلي" وتحول سارتر إلى المادية التاريخية، اكتسب لوكاتش الاقتناع بأنه على الرغم من التغييرات الكبيرة التي حدثت في فكر سارتر منذ "الوجود والعدم"، فإن الفيلسوف الفرنسي لم يحرر نفسه حقا من المفهوم الهايدجري عن Geworfenheit (عن الإنسان كوجود - مقذوف به - في - العالم). لقد كان التعايش في فكر سارتر الثاني بين الأنطولوجيا الوجودية القديمة والالتزام الصادق والمدروس بأطروحات المادية التاريخية هو ما أثار غضب لوكاتش وشارك مع مراسليه شعوره بأن فكر سارتر ظل مخترقا ب"تمزق" بصمه بعلامة "انتقائية" معينة (هكذا تحدث في رسالة بتاريخ 6 يونيو 1963 إلى آدم شاف عن "اضطراب انتقائي"
(eklektische Zerrissenheit) في فلسفة سارتر الأخير، وفي رسالة وجهها بعد بضعة أشهر إلى البرازيلي كارلوس نيلسون كوتينيو، حدد فكرته، مشيرا إلى عدم التوافق الأساسي بين Geworfenheit (القذف) الهايدجريّ والأنثروبولوجيا الماركسيّة.
(يتبع)

