أذكر أنّني كنت في مدينة عمان/الأردن، للمشاركة في مؤتمر أدبي، فقيل لي: إنّ الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا موجودٌ في أحد الفنادق، إن أردت رؤيته والسلام عليه، فقلت لصحبي، إنني راغبٌ فعلًا، فذهبنا إليه، ولكم كان مهيبًا حضورُه، ولكم أشعرنا بأنه من أهل الرؤى الثاقبة، فهو الروائي الفلسطيني ذائع الصيت والمعروفيّة والأهميّة، ودارت الأحاديث والحوارات والذكريات حول غسان كنفاني ؛ لأنّنا كنا في ذكرى اغتياله/استشهاده، فحدثنا الأستاذ جبرا عنه، فقال: قيّضت لي الظروف، أن أكون واحدًا من جمع جاؤوا إلى صالون أدبي فخم جدًّا لحضور محاضرة عن أدب الأمريكي أرنست همنغواي الحائز على جائزة نوبل، كنت يومذاك في بيروت، أنزل في بيت لأحد أصدقائي، وأجلس صباحًا في أحد مقاهي بيروت (في شارع الحمرا)، فجاءني غسان كنفاني، مثل عاصفة، ودخل عليَّ، وعانقني باللهفة الكاملة، وقال: حظي من السماء، أنت هنا في بيروت، وشرف لي أن أدعوك لحضور سهرةٍ أدبيةٍ في صالون أدبي (هاي لايف) لإحدى سيدات بيروت المعروفات بحب الثقافة والأدب والاجتماع، وقد دعت إلى هذه السهرة نخبة من أدباء ومثقفين وشعراء وصحفيين وبعض أهل السياسة والاقتصاد، وبعض وجوه المجتمع البارزة، ويشرفني أن تكون معنا، قلت ضاحكًا، ويدي في يد غسان التي يشدّ عليها بكل المودة والدفء: ومتى هذه السهرة. قال: الليلة. قلت متعجّبًا: الليلة. قال: بك تكتمل حملات الدعوة! وضحكت! ووعدته خيرًا. قال: سآتي لآخذك معي، قل لي فقط أين تقيم؟! فأرشدته، واتفقنا على الموعد. قال موصيًا: السهرة (فل) ثقافة، وحوار، وطعام، ووجوه حسنة!
قلت ضاحكًا: أعدك بالحضور، ومثلما دخل كعاصفة، خرج كعاصفة أيضًا.
وفي المساء، جاءني على الموعد، كنت قد تقيفت تمامًا، فأنا أعرف صاحبة البيت التي بحثت طويلًا عن رقم هاتف البيت الذي أقيم فيه، حتى عثرت عليه، وقد كلمتني راجيةً بأن أحضر بعدما أخبرها غسان.. بأنني موجودٌ في بيروت.. وقد وعدتها بتلبية الدعوة، وقد أغرتني بالقول إنّ فلانًا وفلانًا وفلانًا سيحضرون، وستكون الفرصة كبيرة؛ لكي نلتقي مجددًا في صالونها.
جاءني غسان كنفاني بقميصٍ أبيض بلا كمين، تركه متهدّلًا فوق بنطاله، فبدا القميص كأنّه معلّق على كتفيه تعليقًا، فقلت له مندهشًا: ما هذا اللباس، أنت ذاهبٌ إلى صالون فلانة، وعليةُ القوم هناك.
قال: يا أستاذنا، نحن فدائية، فوضوية! وضحكنا، ومضينا. ولكم كانت مفاجأتي هناك مفاجآت، فقد التقيت بأحبابٍ لم أرهم منذ زمنٍ طويل، ونلت من الاحترام والتبجيل إلى حدّ شعرت بأنني قطب من أقطاب الحضور، لكن المفاجأة الأهم كانت أن من سيتحدث في السهرة الأدبية هو غسان كنفاني! غسان الذي دعاني إلى السهرة، ولم يقل لي بأنه هو من سيتحدث عن أرنست همنغواي، والسيدة التي دعتني لم تقل لي إنّ غسان كنفاني هو المتحدث الوحيد في السهرة الأدبية!
وبدأ غسان حديثه وأنهاه ارتجالًا، لم تكن بين يديه ورقة، تحدث عن الأدب الأمريكي في مراحله الأولى، والتأثيرات التي أصابته، وتوقف عند موضوعاته وأعلامه، وعرّج على تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، وتناول السلالات البشرية التي وصلت إليها، وتلبث طويلًا عند الزنوج والتضحيات الكبيرة التي قدموها، وقال هم من بنوا الولايات الأمريكية، ثم مضى رويدًا رويدًا في حديثه إلى أن وصل إلى همنغواي، فحدثنا عن أسرته، وطباعه في طفولته، وعلاقاته مع أترابه في المدرسة والشارع، ورأي مدرسيه فيه، وصخبه، وعلو صوته، وشراسته، وميله إلى العدوانية، ثم أخذنا في رحلات مصاحبة للرحلات التي عرفها همنغواي..
فكنا معه في إيطاليا في أثناء الحرب العالمية الثانية، في الصيف والشتاء، كنا معه مراسلين حربيين، ثم كنا معه في إسبانيا، حيث الحرب الأهلية، فتشنا في البيوت التي عاش فيها، وتعرفنا إلى أصدقائه وصديقاته الذين تعرّف إليهم، ثم مضينا معه إلى إفريقيا... فجنبنا الأدغال، ورأينا الحيوانات، والبحيرات، ومشهديات التزاوج، وبطش الحيوانات المفترسة بالحيوانات الأصغر منها، والمطاردات العجيبة بين الطرفين، وحالات الانتصار، والإفلات، والخوف، والتربّص.
وحالات الانتصار، والإفلات، والخوف، والتربص، ومشهديات قطعان الفيلة وهي ذاهبة إلى البحيرات، وانتظامها في الوقوف، والمسير، والاجتماع، والدفاع عن أنفسها في أوقات المداهمة، ثم ذهبنا معه إلى كوبا، وعشنا في البيت الذي عاش فيه، ورحلات صيد السمك الليلية التي قام بها، وعلاقته بزعيم كوبا، وتعلقه بالسيكار الكوبي، والنساء الكوبيات، والثورة الكوبية.. ثم عاد بنا إلى علاقة همنغواي بالشاعر عزرا باوند حين التقاه في باريس، وطوفنا معهما في مقاهي باريس، وفي صالوناتها الأدبية، ووصايا عزرا باوند له في الكتابة، وحديثه عن مكونات الأدبي، وما يسحر الناس، وما يريده الناس، وما يتطلّع إليه الناس حين يهمون بقراءة كتاب من الكتب، وما الذي ينتظره الناس من الكاتب المعروف!
ثم وقف بنا غسان كنفاني عند كل زاويةٍ من روايات همنغواي، وعند بعض قصصه، فقدّم لنا سيرة الرواية، أو القصة، وكيف كتبت، ومتى، ودواعي كتابتها، وأنصتنا جميعًا إلى رحلة العذاب التي قطعها همنغواي وهو يكتب روايته (العجوز والبحر)، وكيف أنه أعاد كتابتها أكثر من ثلاثين مرة، وأنه مزق تلًّا من الأوراق حتى خرجت تلك الرواية في نحو مئة صفحة!
بهرنا غسان كنفاني جميعًا؛ لأنّه كان يتحدّث عن همنغواي وهواجسه في الانتحار (مثلًا)، وعلاقته بزوجته، وأولاده، وأصدقائه، وناشريه، كما لو أنه كان يعرف همنغواي شخصيًّا، وكان يرسم لنا مزاجه، وسلوكه، وتصرفاته، وأحاديثه.. كما لو أنه عاشها وخبرها بالفعل، ولم نخرج من ذلك الصالون الأدبي.. إلا وقد غدا السيد أرنست همنغواي واحدًا من الحاضرين بيننا، لا بل غدا أكثر الحاضرين معروفية؛ لأن بعض الحضور كنا نعرفهم للمرة الأولى وبالأسماء فقط، وبعضهم خرج ولم نعد نذكر أسماءهم أو صورهم.
وحين استغرقنا الليل، وبعد حوار طويل، وسهر جميل، أوصلني غسان كنفاني إلى البيت الذي أقيم فيه، فقّبلني، وقبّلته، وقلت له وأنا أودّعه ممتنًّا، في الصباح، إن التقينا، في شارع الحمرا، ستحدثني عن آخر لقاء لك بـ همنغواي! فضحك وهو يهز يدي بالمودة الكاملة، ثم استدار!

