Menu

التقويلُ النقديُّ الحجاجيّ

علاء حمد

نشر في العدد الأخير من مجلة الهدف الرقمية

  إنّ تقنية التقويل وعناصره التي تكون عادةً جزءًا من البناء النصّي، من الطبيعي أن يكون لهذه التقنية وعناصرها أسبابُها وعلاقاتُها، وخصوصًا في حالة النقد النسقي ولزوميّات وجوده، أو علاقته النصّية الاتساقيّة، فليست جميع النصوص تتقبّل التشريح والنقد، فهناك النصّ البسيط والمباشر (ويتعلق ذلك بالنصّ الشعري؛ الروائي والقصصي)، ومن الممكن جدًّا تقويل النصّ، ولكن ليس من الممكن تقديمه مع الالتباسات الحاصلة في النصّ ومحيطه وكذلك علاقاته، وصولًا إلى حصر مفهوم حدوده.

إنّ الوعي المعرفي يتمّ تقويله اندماجًا حتميًّا (هذا ما نعدّه ضمن النظام التداولي مع دور القولة)، فلدينا الوعي الذاتي المنفصل، الذي من الممكن أن يتجانس مع المعرفة ووعيها، حيث يكون لهذا الاندماج نتيجةٌ حتميّة، ألا وهي الوعي من خلال النصّ والنصّية، باعتبار أنّ العلاقتين القائمة والمستهدفة تتكوّنان من خلال الوعي النصّي، ومن هنا، يكون التلاحم، هو تلاحم القرائن المعرفية التي حملتها الذات الحقيقية، والانفعاليّة التي ذات علاقة مع العواطف والأحاسيس؛ وتكون النظرة الأيقونيّة بهذه الحالة، نظرة لا تحتاج إلى تبيين، حيث إنّ نظرية التعبير والمتعلّقة بالعواطف والأحاسيس، تم تجاوزها ليحلّ محلّها نظريّة الخلق. ويقول إليوت بهذا الصدد "1" (ليس الشعر تعبيرًا عن المشاعر والعواطف والانفعالات بل هروب من المشاعر والانفعالات، وليس الشعر تعبيرًا عن الذات أو الشخصيّة بل هروب منها، إنّ الشعر خلق).

أنْ تغذي النصّ بمشاعر وعواطف، وأنت تهرب منهما، فهذا يؤدّي إلى نتيجةٍ حتميّة، نتيجةٍ مستقبليّةٍ بعد الهروب؛ وللهروب أسبابه، وهناك استقرارٌ بعد الهروب، أي أن يكون الشاعر بمنطقةٍ من مناطق الخلق النصّي، لكي تتوازى قراءة المنظور بينه وبين الكائنات التي تدور في محيطه؛ وجميع هذه الكائنات تكوّنت من خلال علاقاتٍ نصّية؛ منها العلاقات التعدّدية ومنها علاقات الاستنتاج الاستدلالي. وإذا نظرنا إلى نظرية الحِجاج التي وضع أسسها اللغوي الفرنسي أزفالد ديكرو (o. Ducrot) سنة 1973؛ فسوف نلاحظ أن نظرية الحِجاج لا تعني البرهنة بصيغتها المباشرة، وإنّما هناك حالاتٌ منطقيّةٌ واستدلاليّةٌ تتعلّق باللغة وما ينتجه النصّ (ولأخذ فكرةٍ واضحةٍ عن مفهوم "الحجاج" Argumentation ينبغي مقارنته بمفهوم البرهنة  Démonstration  أو الاستدلال المنطقي. فالخطاب الطبيعي ليس خطابًا برهانيًّا بالمعنى الدقيق للكلمة، فهو لا يقدّم براهين وأدلّة منطقيّة، ولا يقوم على مبادئ الاستنتاج المنطقي "2" فلفظة "الحجاج" لا تعني البرهنة على صدق إثبات ما، أو إظهار الطابع الصحيح (Valide) لاستدلال ما من وجهة نظر منطقية "3". الصيغة الموجودة بين قوسين ليست صيغةً نهائيّةً لمفهوم الحجاج، ولكي نكون لمساحة أوسع وامتدادًا لما ذكره الدكتور "أبو بكر العزاوي"؛ فسنعدّ النتائج الاحتماليّة صيغةً من صيغ الحجاج التي من الممكن أن نكون في منطقة الاستنتاج الاحتمالي مع صيغةٍ دلائليّة، ومع المنظور الآخر؛ نكون في صيغة الحتميّة والضروريّة، فالحتميّة يقابلها اللاحتميّة في المنظور الفلسفي، بينما الضرورة، فهي الوجود الحتمي لضرورة الإبلاغ عن هذا الوجود "النصّ الحاضر"؛ فالبواعثُ الحتميّةُ قد تتعلّق مع الاحتمال الآني قبل وقوعه، ولكنّها متعلقةٌ بنتيجةٍ مستقبليّة، فالقول المستقبلي (الذي صنفته ضمن القول والقول الشعري؛ فهناك الماضوي " منطقة الفلاش باك " وهناك الآني، وهناك المستقبلي وهناك منطقة القولة).

لا يمكننا نسف النصّ أو نفيه واستبداله بتحوّلاتٍ ثابتة، فهنا، نكون قد قضينا على الوعي النصّي، الذي ظهر عندما يكون الكاتب تحت الوعي كما يؤكّد على ذلك علماء النفس، فالنصّ لا يُكتب فقط، وإذا تعلّق بالكتابة فقط فهو قضيّةٌ يتقـبّـل النفي؛ وتعملُ الأبنية الدلاليّة على تحريك النصّ باتجاهاتٍ عديدة، ومنها اتجاهاتُ المعنى ضمن السياق النصّي، ونستطيع أن نكون في اتّجاهاتٍ دلاليّةٍ عدّةٍ من ناحية حركة النصّ، فالدلالةُ لا تستعمر المعنى فقط؛ فهي مفهومٌ نصّيٌّ تماسكيٌّ في المقام الأوّل.

العلاقة السياقيّة:

 تظهرُ هذه الرابطة من خلال ملاحق الجمل في السياق النصّي؛ كون اللاحق منه متعلّقا بسابقه، أي أنّ الجملة تكون امتدادًا لجملة أخرى، وهي إحدى روابط التفعيل النصّي عندما نقول التقويل الحِجاجي. وتظهر العلاقة السياقية من منظورين، هما العلاقة والسياق، ويشكّلان قاعدةً بنائيّةً في النصّ الشعري، حيث أنّهما النسيج الاندماجي في النصّ المنظور ويوفّران السبك النصّي.

التتابع الزمني:

هي نفسها الروابط الزمنيّة التي تربط النصّ وتتبع زمنيّته من خلال الأفعال الحركيّة أو من خلال التقليليّة التي لها علاقة مع الزمن التقليلي، حيث يشكّل الزمن التقليلي تتابعًا دلاليًّا يتميّز بالقوّة وقوّة القول أيضًا، وخصوصًا القول الآني الذي يتبع الزمنيّة الحاضرة؛ وتشكّل العلاقة بين الترابط الزمني والتقليلية علاقة تواصلية؛ وقد تكون علاقةٌ احتماليّةٌ بين الثبوت الزمني وبين فعله المستقبلي، فالنتائج الاحتمالية واردةٌ بهذه العلاقة.

الحتميّةُ وغير الحتميّة:

لا نؤمنُ إيمانًا مطلقًا بأنّ الصيغة الحتميّة موجودةٌ في صيغة الماضي، فزمن وقوع الفعل قد تمّ، إذن ننتظر نتائج النصّ في القولين، القول الآني قبيل الكتابة، وهو المستقبل القريب، والقول المستقبلي قبل الكتابة؛ أي أنّ زمن الكتابة مازال قيد البناء، وسوف يكون ضمن الحتمية الكتابية، إلا في حالة نفي النصّ ونسفه، فسوف تتمّ إزالة الزمن النصّي، وتغيير حتميّة وجوده نصًّا مع الرغبة المفقودة؛ فالحتمية تنصت بشكلٍ موضوعيٍّ للوجود النصّي.

يكون للأفعال الحتمية بصيغتها الجمعية، وهي الصورة الظاهرة التي تترتّب عليها المتعلقات التداولية، أي أن تكون الملحقة من الجمل على علاقةٍ حتميّةٍ مع الجمل السابقة، وطالما نتكلمُ بخصوص القول الآني والقول المتقدّم، فإنّنا نجد أنّ للقول المتقدم حتميّةَ وجوده لا نسفه، وهي الحالة الفلسفية التي تربط الفعل القولي ارتباطًا محكمًا.

الممكنُ التأويلي:

 إنّ إعادة صياغة المعنى من الممكن أن تكون ضمن سياق الجملة التي تكون كينونتها بين السابق واللاحق، ومن هنا، يكون للتأويل مساحةٌ وإن كانت مساحةً ليست بحجم مساحة النصّ، لأنّه في هذه الحالة سيكون محصورًا في مقاطعَ نصّيّةٍ معيّنة، وهي الممكنات النصّية التي تكبر من خلال السياق المخالف، فللمختلف السياقي اتجاهان، الاتجاه القصدي المحمول من قبل الكاتب ومنظوره المتفاعل في النصّ، واتجاه النصّ القصدي المؤول؛ باعتبار أنّ النصّ بممكناته وعلاقاته الخارجية هناك بعض المعاني التي يحملها، التي رُسمت من خلال التصوّرات التي رسمها الكاتب – الشاعر.

نسق الحِجاج:

يعتمدُ النسق الحجاجي على منظورين وباتجاهين معينين، منظور البث الأوّل (للمؤلف) ومنظور المتلقي الذي يغرق في التأثيريّة، وللتأثيريّة اتجاهاتٌ إقناعيّة، فالمتلقي سيكون منسجمًا مع موضوع النسق المطروح من قبل البث الأوّل، وهي ليست عامةً بقدر ما تكون خصوصية الموقف، ومدى قدرة الأوّل على الإقناع، وعلى التأثير، طبعًا من خلال المحاججة، ولو أخذنا مثلًا الحِجاج أو المحاججة:

فسوف نكون ضمن مفاهيم الإقناع، فنقول مثلًا (رجل حجته قوية)، ولكن طالما أنّنا مع النصّ والنصّية الحديثة، فمحاججة النصّ ستكون أقوى، وذلك لما يحوي من علاقات (لنقل علاقات حجاجية)، ويستدعي في ذهن المتلقي ما يثبت صحّة الملفوظ؛ فالقول الذي يبثه المؤلف الأوّل يصبحُ مؤثّرًا، بل يصبحُ مأخوذًا كقول ثاني من خلال التأثيريّة أوّلًا، ومن خلال الإقناع ثانيًا (ما من شكّ في أنّ "الحِجاج" نشاطٌ يتضمّن أساليب عدّة، ولكنّ الذي يميّز هذه الأساليب عن خصائص الخطاب الأخرى هو بالضبط اندراجها ضمن هدف معقلن "Visée rationalisante" وأداؤها دور البرهنة الذي يتميّز بمنطق ما، وبقاعدة عدم التناقض. أمّا أساليب الأشكال الأخرى "من وصف وقص" فهي تندرجُ ضمن هدفٍ وصفيٍّ وحكائيٍّ للمدركات الحسّية في العالم وللأحداث الإنسانية "4").

يتفاعلُ المنظور الحِجاجي مع علاقات، علاقة الآخر بموضوع المحاججة، وعلاقة الموضوع بالواضع، وعلاقة الفاعل الهدف؛ فالنمذجة الحِجاية أو الواقع الصوري الذي يتحدّث عن القول بحضور؛ القول بحضور اللغة مثلًا، والقول بحضور المتلقي ومشاركته الحالة الإقناعية، وكذلك حضور المادة في كلا الحالتين، التأثير السلبي والتأثير الإيجابي، ولكن بما أنّنا نادرًا ما نلاحظ في النص الشعري التأثيرات السلبية، فإذًا سيكون التأثير الإيجابي محط الأنظار.

الصورةُ التأثيريّة:

وهي ضمنَ التفاعل الحِجاجي باعتبارها صورةً شعرية، وهي الفعل الكينوني في التأثيرية النصّية، وهي المبحث الأوّل الذي يبدأ بها المؤلف أسلوبًا مخالفًا للآخرين. وتعدّ الصورة دهشةً فوريّةً تجانس المتلقي وتصادر الصمت منه، أي أنّها المحرّك والحركة الإقناعيّة من خلال غرفة التأثير، ويكون للمفاجأة (الفجائية) حركة مصاحبة مع الصورة التأثيرية، وتجذب المتلقي العادي والنموذجي والقارئ الضمني، وفي عنق الكثيرين من المتلقين تقف الصورة التأثيرية بمفاهيم مختلفة ومشاكسة للغة، أو مختلفة المعاني التي تحتاج إلى دربةٍ وتجربةٍ للمفاهيم والتصوّرات التي ترافق الصورة التأثيريّة (الصورة الشعرية).

إنّ التصوير المؤثّر، هو ذلك الذي يفاجئ المتلقي بمواضيع غريبة الأطوار وبلغةٍ غير عادية، حتى أنّها تخترق اللغة الشعرية المعتادة التي غالبًا ما ينظّم عليها بشكلٍ عام شعراء النصّ الشعري، ولكن ليس الوقوف على الجانب الجمالي في الصورة فقط، وإنّما هناك التركيبة النصّية التي تدعو إلى الإستطيقا، التي تكوّن المشهد الفعّال والمغاير، ويصبح لدى المتلقي أسلوبًا متواصلًا وبصمةً غير مكرّرة، ونحن نادرًا ما نرى ذلك، وتعدّ من الأهمّية التأثيريّة والقناعيّة لدى المتلقي، حيث إنّ اقتناع الطرف الآخر لا يتمّ إلا من خلال المؤثرات التي توجد بقوّة في التأسيس النصّي أو عنونة النصّ، الذي يكون أيضًا على صيغة صورةٍ مستقلّةٍ تدخل إلى مخيّلة المرسَل إليه.

المراجع:

[1] - منقول من كتاب في نظرية الأدب لشكري الماضي – ص 72

2- أنظر بخصوص التمييز بين الحجاج والبرهنة أعمال أزفالد ديكرو وجان بليز غريز وبرلمان وغيرهم...

3- اللغة والحجاج – ص 15 – الدكتور أبو بكر العزاوي.

4- الحِجاج بين النظرية والأسلوب – ص 16 – باتريك شارودو* – ترجمة: د. أحمد الودرني

*- باتريك شارودو: أستاذ في جامعة باريس 13 منذ العام 1979، ومدير مركز تحليل الخطاب (CAD) فيها.

شغل مناصب عدّة في هيئات علميّة وبحثيّة حول قضايا الخطاب داخل فرنسا وخارجها (إسبانيا- الرازيل والمكسيك).