Menu

تشويه المعلّم والتعليم يبدأ من الضفة

تقريراستهدافُ مدارس القدس ومناهجها.. حربٌ واسعةٌ لأسرلة عقلنا الجمعي

أحمد بدير

القدس المحتلة _ خاص بوابة الهدف

يوم الخامس والعشرين من شهر مايو الماضي، أثار عرضٌ مسرحي خلال حفل تخريج طالبات السادس الابتدائي، نظّمته إدارة مدرسة الراهبات الوردية في مدينة القدس المحتلة، تضمن في فقراته رفع علم الاحتلال الصهيوني؛ حالةَ غضبٍ في أوساط المقدسيين، خاصّة أولياء أمور الطلبة الذين أدانوا هذا العرض المسيء للأهالي وللمقدسيين بشكلٍ عام، حيث شهدت قاعة العرض صخبًا وغضبًا واسعين بين الأهالي.

رفع علم الاحتلال برّرته إحدى المسؤولات في المدرسة بأنّه كان "استعراضًا مسرحيًّا للصراعات، من خلال عرض أعلام الدول التي تشهد صراعات دولية"، إلّا أنّ الأهالي رفضوا تبريرها وأرغموها على إزالة العلم.

الأمرُ أخطرُ وأعمقُ من رفع علم الاحتلال

ربّما يرى البعض أنّ حادثة "رفع علم" للاحتلال في مدرسة لا تحتاج إلى كل هذه الجلبة، ولكنّ الأمر أخطر من ذلك وأعمق بكثير، ولعلّها محطّة لتذكيرنا على الأقل بماذا فعل ويفعل الاحتلال بمدارسنا، ومناهجنا، وأطفالنا في القدس، وكيف تُركت هذه المدارس لقمةً سائغة للاحتلال وعرضةً للابتزاز المالي وفرض الشروط الاحتلاليّة عليها ومصادرة المنهاج الفلسطيني الأصلاني ليحل محله المنهاج "الإسرائيلي" الغريب عن هذه الأرض.

اقرأ ايضا: غضب واسع بعد رفع علم الاحتلال في حفل مدرسي بمدينة القدس

"بوابة الهدف الإخباريّة" تحدّثت مع الأسير المقدسي المحرّر شادي الشرفا، الحاصل على درجة الماجستير في الدراسات "الإسرائيلية"؛ إذ أكَّد أنّ "مدرسة الراهبات الورديّة تعد عريقةً جدًّا ولها امتدادٌ كبير، وهي بالأساس كانت إحدى المدارس التبشيريّة التي نجح العرب الفلسطينيون في تحويلها إلى صرحٍ وطنيٍّ فلسطينيٍّ مهمٍّ جدًّا، ولكنّ الذي جرى يؤكّد أنّنا أمام مرحلةٍ خطيرةٍ وحاسمة".

ويُشير الشرفا، إلى أنّ "هناك حربًا واسعةً على كل ما يتعلّق في العقل الجمعي الفلسطيني في القدس، وهذا في سياق سياسة ومؤامرة ممنهجتين من أجل أسرلة المناهج والوعي والسلوك الفلسطيني في المدينة المقدسّة، وتستهدف بالتحديد تغيير الرواية الفلسطينيّة وتزويرها، وتبنّي ما يُسمى رواية المحتل الاستعماري لفلسطين، وإلغاء فكرة الحديث عن النكبة وتحويلها إلى "استقلال" وغيرها من المسائل، بالإضافة إلى خلق وعي يتعاطى مع الدولة الاستعماريّة الصهيونيّة باعتبار وجودها أمرًا واقعًا يجب التعامل معه، وأن نكون جزءًا من هذه المنظومة الاستعماريّة".

الشعبُ المحتلُّ له حريّة اختيار منهجه التعليمي

ويرى الشرفا، أنّ "فرض المناهج الاستعماريّة على مدارس القدس يتنافى بالأساس مع القانون الدولي؛ لأنّ القدس تعدّ أرضًا محتلّةً، ومن حق الشعب المحتل أن يختار المنهج التعليمي المناسب، إلّا أنّ الاحتلال يفرض سياسةً كبيرةً من الابتزاز وسحب التراخيص وإغلاق مدارس مثلما حصل سابقًا مع المدرسة الإبراهيميّة الموجودة منذ الثلاثينات؛ أي ما قبل النكبة والاستعمار؛ لأنّ الهدف الأساس تحريف المناهج الفلسطينيّة وتغييرها، وهذه سياسةٌ ليست جديدة، بل بدأت منذ عام 1967، لكنّ الذي جرى بعد هبّات القدس المتكرّرة، أصبح هناك سخط إعلامي ولدى الأجهزة الأمنيّة والمستوى السياسي الذين أدركوا أنّ من يقوم بتنفيذ هذه الهبّات هو الشبّان المقدسيون، وحمّلوا المسؤوليّة لنظام التعليم في القدس، وكأن الاحتلال ووجوده على أرضنا ليس سببًا لكلّ هذه الهبّات".

ويوضّح الشرفا، أنّه "في عام 2014 تقريبًا وضع وزير ما يُسمى "سلطة المعارف الإسرائيليّة" نفتالي بينيت الذي أصبح لاحقًا رئيسًا للوزراء، خطّة لاستهداف مدارس القدس بمختلف الطرق، وأبرزها الوسائل الماليّة، كما تم وضع خطّة كبيرة لبناء مدارس جديدة، وتوفير مسارات وبرامج خاصّة لا توفرها المدارس التي تعتمد المنهاج الفلسطيني، وهذه المدارس هي مدارس الأوقاف أو بعض المدارس الخاصّة إلى جانب مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، وهذه المدارس الجديدة توفّر برامجَ جديدةً تكنولوجيّة وفنيّة وموسيقيّة ومهنيّة وتستقطب قطاعًا واسعًا من الطلبة الفلسطينيين للانضمام والانخراط في البرنامج "الإسرائيلي" وصولًا إلى ما يُسمى "البجروت" الذي يُعادل الثانويّة العامّة "التوجيهي" الذي يحتوي على مجموعة مواد تحرف الرواية الفلسطينيّة بشكلٍ كامل".

وبحسب الشرفا، فإنّ "كل المناهج والبرامج الجديدة المعتمدة في العديد من المدارس التي تزحف بشكلٍ سريعٍ جدًا خاصّة في السنوات الأخيرة، فإنّ الهدف منها قمع التوجهات الوطنيّة الفلسطينيّة، لذلك فإنّ أحد أهم الأدوات الناعمة لكيّ الوعي وصهره وتغييره وخلق وعي جديد هو التعليم، والآن هناك حالةٌ من طمس الذاكرة الجمعيّة الفلسطينيّة وجعل الطالب الفلسطيني يتبنّى الرواية "الإسرائيليّة" وتصبح مرجعيته في القراءة التاريخيّة والمجتمعيّة والاقتصاديّة، وهذه خطّة متكاملة تبدأ في التعليم وصولًا إلى أن يندمج الفلسطيني في سوق العمل الإسرائيلي".

اعتذار المدرسة غير كافٍ

وبالعودة إلى ما جرى في مدرسة الراهبات الوردية، يُبيّن الشرفا أنّه "خطير جدًّا؛ إذ وصلت الوقاحة إلى أنّ يرفع العلم "الإسرائيلي"، وهذا سبّب صدمةً لجميع المقدسيين، والاعتذار الذي قدّمته المدرسة من خلال بيانٍ نشرته على وسائل الإعلام هو غير مقبول؛ لأنّها تدافع عمّا جرى وتقول أنّ الناس لم يفهموا مضمون الرسالة من رفع العلم، ونحن بكل صراحة لا نريد فهم الرسالة والمضمون، ومن غير المقبول على الطالبة الفلسطينيّة حمل العلم "الإسرائيلي"، بينما أكَّد أنّ "ما جرى اعتداءٌ علينا – نحن الفلسطينيين – واعتداء على روايتنا وتاريخنا ووعينا، ومسألة خلق وعي جديد للطالب الفلسطيني بالتعاطي مع "إسرائيل" كأنها مثل أي دولة كأوكرانيا وروسيا هذا غير مقبول؛ لأنّ "إسرائيل" هي دولةٌ غير شرعيّة ولا مكان لها على الأرض الفلسطينيّة، والعذر الذي قُدّم غير مبرّر وغير مُقنع، وأيضًا غير مقبول على المدرسة أن تأخذ التمويل من الجهات "الإسرائيليّة" من الأساس، لأنّ مدرسة الراهبات الوردية أقساطها وما تجبيه من الطلبة مبالغ كبيرة جدًّا، وليس أي عائلة مقدسيّة تستطيع تسجيل ابنتها للدراسة في هذه المدرسة؛ لأنّ الأقساط خياليّة".

أين السلطة الفلسطينيّة؟

ويُشير الشرفا إلى أنّه "ورغم أنّ المدرسة تأخذ تمويلًا من وزارة المعارف "الإسرائيليّة"، فإنّها ومنذ فترةٍ طويلة أصبحت تريد المزيد ولديها نوعٌ من الطمع، بل تحوّلت إلى مدرسةٍ ربحيّة، ويبدو أنّ هناك شيئًا ممنهجًا داخل هذه المدرسة من أجل تحويل جميع برامجها إلى برامج "إسرائيليّة"، مُطالبًا "بمحاسبة كل الجهات التي كان لها علاقة بما جرى في حفل تخرّج الصف السادس من المديرة وصولًا إلى المعلّمة التي أشرفت على ما يُسمى بالفقرة الفنيّة"، وبشأن حديث إدارة المدرسة بأنّ لها الحرية في تطبيق أي برنامج تريده، يُشدّد الشرفا، أنّ "هذا غير صحيح؛ لأنّ مدرسة الراهبات الورديّة ليست مدرسةً خاصّة، بل للكل الفلسطيني في القدس، ولا يحق لإدارةٍ معيّنة هويتها مشبوهة أن تحدّد لنا ما هو مسار هذه المدرسة".

الشرفا وخلال حديثه، شدّد أنّ "القضية أكبر من ذلك، ولا يقتصر على مدرسة الراهبات الورديّة، فهناك العديد من المدارس مثل "الفرير" وغيرها بدأت تدريجيًّا تصبح مرجعيتها التعليميّة هي المرجعيّة "الإسرائيليّة"، والسؤال هو لماذا تترك مدارس القدس لقمةً سائغة أمام وزارة المعارف والبلدية "الإسرائيليّة"، والجواب ببساطة أنّ هناك إهمالًا واضحًا، فليس لدى السلطة الفلسطينيّة سياسة استراتيجيّة لدعم مدارس القدس وإسنادها؛ لأنّ كل شيء في القدس مهمل من قِبل السلطة، وكل التصريحات والأحاديث بأنّ القدس عاصمتنا هي مجرّد شعاراتٍ فقط، فالاحتلال صرف خلال السنوات الأخيرة أكثر من 2 مليار شيكل على مدارس القدس العربيّة؛ لكي يتم تغيير المنهج الفلسطيني وتحريفه وخلق وعي جديد لدى الطالب الفلسطيني".

استهداف المعلّم والطالب الفلسطيني يبدأ في الضفة

ويُتابع الشرفا حديثه في هذا الجانب: "في المقابل ماذا صرفت السلطة الفلسطينيّة؟ حقيقة الأمر أنّ استهداف الطالب الفلسطيني لا يكون في القدس للأسف، بل يبدأ في الضفة وينتقل إلى الطالب في القدس، وجميعنا رأى كيف تعاملت السلطة مع إضراب المعلمين، وكيف قمعته وشوّهته مع أنّ المطالب كانت محقّةً لهذا الإضراب، لذلك فإنّ استهداف المعلّم الفلسطيني في الضفة الغربيّة هو استهداف للطالب والرواية والمنهاج الفلسطيني، أي أنّ هناك شيئًا ممنهجًا ومترابطًا وعلاقةً جذريةً بين ما يجري في الضفة مع ما يجري في القدس، وهذا يؤكّد على الدور الوظيفي للسلطة الفلسطينيّة التي تسهم في إطالة أمد الاحتلال ولا تسعى لإنهائه، لذلك من المفترض أن يكون جل الاهتمام بالطلاب؛ لأنّهم هم الجيل الجديد، لكنّ ما يجري هو عكس ذلك تمامًا".

وفي ختام حديثه مع "بوابة الهدف"، يؤكّد الشرفا على أهمية أنّ "يكون هناك توجّه نهائي لدى مدارس القدس لإنهاء فكرة "البجروت" ووقف الاعتماد على المعونات والابتزاز "الإسرائيلي"، فهذه حربٌ شاملةٌ انتصرنا فيها في الانتفاضة الأولى وأظهرنا عمق انتمائنا للقضيّة الوطنيّة الفلسطينيّة"، موجّهًا "التحيّة لأولياء الأمور في القدس على مجهوداتهم الكبيرة"، إلّا أنّه رأى أنّ "هذا غير كاف، والمطلوب من الأهالي أن يتخذوا قرارًا حاسمًا تجاه تعليم أبنائهم".

نقترب من خسارة المعركة التعليميّة

ومن جهته، قال الكاتب الصحفي المقدسّي راسم عبيدات، إنّنا "نقترب من خسارة المعركة على جبهة التعليم في القدس؛ لأنه لا يوجد لدينا استراتيجيّة وطنيّة، ولا وزارة تربية وتعليم فلسطينيّة، ولا حتى حكومة تعنيها جبهة التعليم والوعي في القدس، ولا حتى منظّمة التحرير التي تُدار من قِبل مجموعةٍ من العجزة بلا أي قرار"، كما يرى عبيدات.

وأوضح عبيدات، أنّ "المنهاج الفلسطيني يُقصى بشكلٍ ممنهج في مدينة القدس ليحل محلة المنهاج "الإسرائيلي"، وبما يعنيه من حالة "استلاب" للوعي لطلبتنا ومحوٍ لذاكرتهم الجمعيّة والسعي للسيطرة عليها، فالمدارس التي يبنيها الكيان في القدس بميزانيات ضحمة تدرس فقط المنهاج "الإسرائيلي"، ومواجهة هذا الخطر الداهم والجدّي، يحتاج إلى قرارٍ استراتيجي".

للأهالي دورٌ كبيرٌ في عملية الردع

كما تحدّثنا مع الأسير المقدسي المحرّر مجد بربر، الذي أكَّد لـ"بوابة الهدف"، أنّ "ما جرى في مدرسة الراهبات الوردية معيبٌ ومخجل؛ نظرًا لأنّ إدارة المدرسة وبعيدًا عن الحجّة الواهية التي ساقتها من أجل تبرير فعلتها الشائنة، فإنّ فعلتها مرفوضة نهائيًّا ولا يمكن القبول بها، لذلك من المفترض أنّ تقوم لجان أهالي الطلبة والطالبات في المدارس المقدسيّة خصوصًا بدورٍ أكبر للانتباه إلى المحتوى المنهجي وغير المنهجي الذي يمكن من خلاله التأثير على أبنائنا وبناتنا في هذه المدارس من أجل إبقاء النزعة الوطنيّة، والتأكيد على هويتنا نحن الفلسطينيين الموجودين تحت استعمار استيطاني من الأسوأ في التاريخ".

ويُشير بربر، إلى أنّ "هذا يحتاج إلى جهودٍ من الكل الفلسطيني والقوى الوطنيّة في القدس على وجه التحديد"، مُؤكدًا أنّ "المطلوب دائمًا إدانة أي سلوكٍ مشابهٍ حتى لا يتكرّر ولا يتم السماح له بالتكرار، وكل من يرتكب ذلك عليه أن يكون عبرةً لم يعتبر". 

ويُشار إلى أنّه وبعد افتضاح ما جرى في مدرسة الراهبات الورديّة، أعلنت وزارة التربية والتَّعليم الفلسطينيّة أنَّها "شكَّلت لجنة تحقيق لاتِّخاذ الإجراءات الرَّادعة وفق المُقتضى القانوني حيال هذا الفعل المنافي لكل الأعراف والثّوابت الوطنيّة"، إلّا أنّ كثيرين يرون أنّ تشكيل لجان التحقيق لا يُسمن ولا يُغني، بل يأتي لتبريد أي قضيّة وتفريغها من مضمونها، لا سيما وأنّ السلطة بوزاراتها المختلفة شكّلت مئات اللجان التحقيقيّة قبل ذلك في مواضع وقضايا مختلفة، والنتيجة كانت دائمًا صفر كبير.