Menu

الأدبُ العبري والانحرافُ عن مسار المشروع الصهيونيّ

د. نهلة راحيل

نشر هذا المقال في العدد 50 من مجلة الهدف الإلكترونية

تعدُّ الأديبةُ ليئة جولدبرج من أشهر أديبات العبريّة، التي ترجع أصولُها إلى أوروبا الشرقيّة، وقد سافرت إلى ألمانيا في الفترة ما بين (1930- 1933) حيث درست الفلسفة وتخصّصت في فقه اللغات السامية المقارن في جامعتي برلين وبون. وبعد إتمام أطروحتها للدكتوراة عادت إلى لتوانيا ومكثت فيها عامًا واحدًا (1933- 1934) تعملُ مدرسةً للأدب في مدرسةٍ عبريّةٍ ريفيّة، ومنها هاجرت إلى فلسطين عام (1935). وقد أبدعت جولدبرج في مجالي الشعر وأدب الأطفال بشكلٍ خاص، وكان لها إسهاماتٌ واضحةٌ ومؤثّرةٌ في فنون النثر العبري بشكلٍ عام، كالقصص القصيرة والروايات والمقالات، كما اهتمت اهتمامًا ملحوظًا بالفن التشكيلي. وبالإضافة إلى ذلك كله، فقد قامت جولدبرج بترجمة العديد من الإبداعات الأدبية العالميّة عن الروسيّة والإنجليزيّة والألمانيّة، وكان لها الفضلُ في تأسيس قسم الأدب المقارن بالجامعة العبريّة، الذي تولّت رئاسته من 1962 وحتّى وفاتها.

وقد تأثّرت في أعمالها الأدبيّة بالرمزيّة الروسيّة والمذهب الإنساني، أمّا في أعمالها الفنيّة فقد تأثّرت بالحركات التعبيريّة والطلائعيّة التي سادت أوروبا في القرن التاسع عشر. وقد ابتعدت عن كتابة شعر "مجند" يعبّر عن أفكار المشروع الصهيوني، واهتمت بدلًا من ذلك بالموضوعات الإنسانيّة العالميّة التي تهمّ جميع البشر. وترجع خصوصيّتها الإبداعيّة التي ميزتها عن أقرانها آنذاك إلى قدرتها على التعبير عن قضايا الفرد الذاتيّة دون التورّط في أيّة اتّجاهاتٍ سياسيّةٍ أو أيديولوجيّة، وهو ما رآه الكثيرون انحرافًا عن مسار المشروع الصهيوني بمعايير أدبيّاته المألوفة، وعدّوا مشروعها - كليًّا - يتضمّنُ خطابًا استعلائيًّا تستعرضُ فيه مهاراتها الأدبيّة وثفافتها العالميّة دون هدفٍ أسمى.

فقد تبنّت الكاتبة في أعمالها الخطاب ما بعد الاستعماري بما يحمله من رؤيةٍ كوزموبوليتاريّة تتيح لها الانفتاح على العالم كلّه والتعبير عن آلام أفراده بغض النظر عن انتماءاتهم، وهو ما خالف الرؤية المحليّة للخطاب الصهيوني التي انحصرت في التعبير عن واقع الاستيطان اليهودي بفلسطين، وقد انتقدت رؤية القوى الاستعماريّة للشعوب المستعمَرة، وخاصّةً شعوب أفريقيا وأسيا، فألقت الضوء على تجسيد الخطاب الأدبي الاستعماري للشعوب التي تقع عمومًا خارج المنظومة الغربيّة، الذي تركّز في وصف بلدانه بالسحر والغموض، وهو الخطاب الذي صاغ الوجود المتخيّل لشعوب الشرق في صورةٍ خادعةٍ وفانتازيّة إلى حدٍّ بعيد.

تندرج الرسائل الأدبيّة التي كتبتها ليئة جولدبرج- وهي بعنوان: "رسائل من رحلةٍ متخيّلة" وصادرة من سفريت بوعاليم بتل أبيب عام 2007- تحت النوع الأدبي المعروف باسم "الرواية الرسائليّة"، وقد استلهمت فيها شكل "الرحلة" المتخيّلة ذات المرجع الواقعي/ الذاتي الذي يستقي دلالاته في الأساس من التخييل، وبذلك، يمكن الحديث هنا عن بنيّةٍ نصيّةٍ تتفاعل داخلها الرحلة بوصفها عنصرًا مجاورًا للعناصر الأخرى في البنية الحكائيّة.

وتتكوّن الرواية من مجموعة رسائل افتراضية تُرسلها بطلتها "روت" (الشخصية القناع التي تخفت ورائها ليئة) إلى حبيبها "عمانوئيل" أو "إيل" كما تدلله، بعد الافتراق عنه، وذلك أثناء رحلةٍ ذهنيّةٍ متخيّلةٍ تقوم بها روت من غرفتها إلى دول أوروبا الشرقية والغربية. فرغم وجود الشخصيّة داخل فضاءٍ جغرافيٍّ واقعيٍّ محدّد، فإنّها تتنقل منه- على مستوى التخييل- إلى أماكن وأزمنة أخرى في مدنٍ أوروبيّةٍ عديدة. وقد جاءت الرواية في ست عشرة رسالة، إضافةً إلى رسالتين أخيرتين لم تضمهما الكاتبة إلى الرواية في طبعتها الأولى الأصلية الصادرة عام 1937، وألحقتا بالرواية فقط في طبعتها الثانية المنقحة الصادرة في عام 2007، وقد حملت الرسالتان عنوان "فصول مطمورة".

تستهل ليئة جولدبرج رسائلها بما أطلقت عليه "رسالة حقيقيّة عن رحلةٍ متخيّلة"، وبها تتوجه إلى القارئ وتوضح له ماهية تلك الرسائل التي يوشك على قراءتها، وكأنها تُعِدّ القارئ منذ البداية إلى رحلةٍ يتنقل فيها بين العديد من البنى السردية التي تطمس داخلها الحدود بين الواقع والخيال، وبين الماضي والحاضر، وبين عالم الذات الكاتبة وعالم البطلة. ويمكن القول: إن جولدبرج قد أرادت في مقدمة الرسائل أن توضح للقارئ أمرين؛ أولهما: أنّ الرسائل، بشخوصها وأحداثها ورحلتها، قصّةٌ خياليّةٌ محكمةٌ للغاية، رغم الخيوط الذاتية التي تجمعها ببطلتها "روت". والثاني: أنّ الرسائل ستكون واضحةً تمامًا، ولكن وضوحها مرهونٌ في النهاية باستعداد القارئ نفسه للتنقّل بين المستويات الحكائيّة المختلفة (الخياليّة والواقعيّة) بالرواية دون إكراهاتٍ مسبقة.

وقد تعرّضت "رسائل من رحلةٍ متخيّلة" لسلسلةٍ من الانتقادات الحادة وردود الأفعال الفاترة فور صدورها؛ حيث لم يكن المناخ الأدبي والأيديولوجي، الذي ساد الأدب العبري بفلسطين آنذاك، مهيّأً لاستقبال رواية جولدبرج التي تبنّت فيها الخيار الثقافي الأوروبي بديلًا عن الخيار العبري، حتى اعتبرها النقّاد انحرافًا عن مسار المشروع الصهيوني وابتعادًا عن تجسيد قيم الواقعية الاجتماعية السائدة في تلك الفترة، حيث بالغت جولدبرج- في رأيهم- في انسياقها وراء المتعة الفنيّة المجردة، وابتعدت كثيرًا عن حياة اليهود، فعلى صفحات هذا الكتاب تتحدّث أوروبا وثقافتها، وليس عن أبناء شعبها. ورغم ذلك، فقد أثنى آخرون على حداثة العمل من حيث التجديد الشكلي، والتنوّع الأسلوبي بين الغنائيّة الرقيقة والسخرية اللاذعة، وتعدّد الروافد الشعريّة والثقافيّة به، وهي سماتٌ حداثيّةٌ ميّزت الرواية.

وتكمن حداثة النص لدى ليئة جولدبرج في انفتاح خطابها على فنون مختلفة، وبالأخص المسرح، واستعارة بعض مكوناته لإثراء المتخيل السردي، حيث استطاعت تجريب تقنياتٍ حداثيّةٍ في قالبٍ كلاسيكيٍّ مألوف، هو رواية الرسائل، من خلال توظيف التغريب أو كسر الإيهام الذي ينقل القارئ بين زمكانين: متخيل/ الإيهام، وواقعي/ كسر الإيهام. كما استخدمت الكاتبة تقنيات ما بعد الحداثة، كالميتاسرد، مما يؤكد اختلافها عن معاصريها من أدباء العبرية ونزوعها الدائم إلى التجريب شكلًا ومضمونًا؛ حيث تظهر الكاتبة في الرسالة الختامية فتقطع السرد وتكسر الحاجز بين الواقع والخيال، عن طريق إخبار القارئ بأنّ ما حكته سلفًا مجرّد رسائلَ متخيّلةٍ وأنّها إلى الآن لا تعرف مصير بطلتها "روت". ولذلك، كان عنصر الرحلة المتخيّلة، أو الذهنيّة - النفسيّة كما دعتها جولدبرج، هو المحرّك السردي الرئيس بالرسائل، فكانت رحلة روت معادلًا موضوعيًّا لرحلة ليئة الواقعية أثناء هجرتها إلى فلسطين عام 1935، باستثناء بعض الفروق الطفيفة بين الرحلتين؛ حيث اتجهت "روت" من برلين مباشرةً إلى فلسطين، بينما مرّت هجرة ليئة بالمحطات التالية: برلين، ومنها إلى ليتوانيا، ثم فلسطين.

وهنا يتبادر إلى الذهن تردد روت/ ليئة في تبني اختيار الهجرة إلى فلسطين ونظرتها للخيار الصهيوني بوصفه "مخلوقًا غريبًا" يلحّ على دفعها كرهًا إلى الهجرة باعتباره واجبًا "قوميًّا"، رغم ارتباطها النفسي الشديد بجذورها الأوروبيّة، بميراثها الفكري وملامحها المكانية. نلمس ذلك التردد في النهايتين المختلفتين للرحلة؛ حيث انتهت رحلة "روت" في الرسائل التي نشرتها جولدبرج في طبعتها الأولى عام 1937 على شواطئ مارسيليا دون الوصول إلى فلسطين، بينما جاءت النهاية الأصلية للرواية بانتهاء الرحلة على شواطئ تل أبيب ووصول "روت" إلى فلسطين، في رسالةٍ أخيرةٍ اختارت الكاتبة عدم إلحاقها بالرسائل في طبعتها المنشورة آنذاك، وقد تمَّ العثور عليها مع رسالةٍ أخرى وضمّهما معًا إلى الرواية في طبعتها المنقّحة الصادرة عام 2007. ما يوضّح للقارئ عدم قدرة الكاتبة على التأقلم مع الواقع المعيش في فلسطين وعدم نجاحها في الانفصال عن الموروث الأوروبي الذي اختارت الانتماء إلى ثقافته بعد مرور نحو عامين على هجرتها إلى فلسطين واستقرارها في تل أبيب.