كان الشاعر والناقد الألمانى هلدرلن يعلن بوضوح وبلا مواربة بأنه (يبقى ما حققه الشعراء). ودرجت المرويات على تعددها ما بين مؤرخين للشعر، ومستشرقين، على أن تضعنا أمام احتفاء القبيلة بنبوغ أحد شعرائها، واعتباره لسانها الجديد، وصوت خطابها فى السلم، والحرب، فى الفرح والكرب. وكانت وفود القبائل تأتى للتهنئة بوصف ما حدث انتصارا معنويا وماديا يضاف إلى رفعة القبيلة ومنعتها. ولم تأت المرويات إلا قليلا على ذكر ما يحدث حين يموت شاعرها. وحين تطورت الشعرية العربية واتسعت، وأفادت من المنجز الجمالى والفكرى للحداثة الأوروبية سقط ذلك الوعى الرسولى فى النظر إلى فكرة الشاعر، وماهية الشعر. وبات الشاعر صوت ذاته الفردية فى تفاعلها الخلاق مع العالم والواقع والأشياء. وفى هذا السياق المغاير يمكن النظر إلى مجمل التجارب الإبداعية التى عززت المشهد الشعرى الجديد، والذى كان فى متنه تجربة الشاعر المصرى محمود قرنى الذى رحل عن عالمنا قبل أيام قليلة، وقد ترك إرثا أدبيا وفكريا قادرا على البقاء، بعد رحيل ألم كل محبى الشعر، وكل حراس الثقافة الوطنية فى تجلياتها الأكثر نصاعة.
وفى الآن وهنا حين أتذكر الشاعر محمود قرنى أستعيد على الفور مقولة المفكر إدوارد سعيد الشهيرة عن ذلك المثقف الذى يجب أن يكون أعلى تمثيلات الحقيقة. وهكذا بدا محمود قرنى فى كتبه الفكرية من قبيل ( لماذا يخذل الشعر محبيه)، و(وجوه فى أزمنة الخوف - عن الهويات المجرحة والموت المؤجل)، و(خطاب النخبة وأوهام الدولة والأخلاقية)، و(بين فرائض الشعر ونوافل السياسة)، وغيرها . أما شعره فقد مثل مغامرة جمالية، ومعرفية مطردة باستمرار، بدءا من دواوينه الثلاثة الأولى (حمامات الإنشاد/ خيول على قطيفة البيت/ هواء لشجرات العام)، ومرورا بأعماله الشعرية الأخرى من قبيل (قصائد الغرقى/ الشيطان فى حقل التوت / ترنيمة لأسماء بنت عيسى الدمشقي) ووصولا إلى ديوانه الحادى عشر والأخير (مسامرات فى الحياة الثانية).
ثمة ملامح مركزية فى المنجز الشعرى لمحمود قرنى، من أبرزها ما سميته تخييل المعرفى، حيث ثمة جدل فى النص الشعرى لديه بين النزعة المعرفية، والمسار الجمالى، فيندمجان فى بنية متجانسة كان تجليها الأبرز لديه فى ديوانه (لعنات مشرقية) الذى سعى فيه إلى إقامة تفاعل ندى ثقافى بين الشرق والغرب، فتتجاور حكاية (الورد فى الاكمام وأنس الوجود) فى ألف ليلة وليلة، مع الشاعر الألمانى جوته، وتتواتر جغرافيا شعرية متعددة تكشف عن نزعة درامية فى متن النص الشعري. ثمة روح تراجيدية فى دواوين محمود قرنى يمكن تلمسها فى ديوانه (تفضل.. هنا مبغى الشعراء)، تعاين عالما على شفا الانكسار والخديعة، مع سعى خلاق إلى تأسيس خصوصية جمالية لقصيدة النثر العربية، ومغادرة الآليات الجمالية الجاهزة، وتوسيع مساحات المتخيل الشعرى اتكاء على رؤية تنويرية للعالم، تسائل الموروث، وتجدل بين السياسى والفنى فى صيغة شعرية تبتعد عن صراخ الأيديولوجيا من جهة، وتؤنسن المقولات الكبرى من جهة ثانية.
كان للمد الإنسانى حضور باذخ فى شعر محمود قرنى، ويكفى أن أحيل القارئ على قصيدته (زغرودة من أجل الحكمدار)، وفيها:
«وفى ليلة ما.. دَخَلَ حكمدار الفيوم على جَدِّى دونَ حراستِه.. سلَّمهُ خطابَ شُكرٍ لمؤازرتِه الثورة.. وقال له: لقد نزَعَتِ الثورةُ ثوبَ البكويةِ عن أكتافِ أعدائها.. فَنَمْ قريراً أيها الشيخ.. أمى أطلقتْ زغرودةً طويلة خلف الحكمدار.. فكافأها جدى بخمسةِ قروشٍ من الفضة الخالصة ولَطمةٍ ثَخينَةٍ على وجهه.. لأنها أطلقت صوتَها فى حضرةِ رجلٍ غريب. بعدما كَبُرتْ أمي.. وتسربَتْ شعراتُ المَشيبٍ.. من أسفلِ طرْحَتِها.. دخل عليها أبى بزوجةٍ ثانية.. فصادَقَتْ زوجَ حمامٍ يَهدِلُ فوقَ رأسِها.. حَمَّمتْنى أنا وإخوتى الثلاثة.. بينما تُغنِّى بصوتٍ جافٍ وخفيض: يا ويْلهُمْ راحوا مع مَنْ راحْ.. لا ردْهُمْ فارسْ ولا رمَّاحْ.... إنه يومُ الجمعة وقد أدركَنى منتصفُ نهارِه.. سأهاتفُ أمى حالاً.. ولن أُقيمَ أى اعتبارٍ للنعى الذى نشرَهُ إخوتى عن وفاتها صبيحةَ الثلاثاء الماضى...»
وتتحقق جماليات القصيدة هنا عبر وسائل فنية عديدة من بينها التمهيد الدرامى (إنه يوم الجمعة)، وتضفير الموروث الشعبى داخل النص (يا ويلهم راحوا مع من راح.. لا ردهم فارس ولا رماح)، والمفارقة التى يتأسس عليها النص، وتلوح أكثر فى المختتم الشعرى، فالذات الشاعرة تعاود الاتصال بالأم الراحلة وقد نعاها الأبناء صبيحة ثلاثاء فائت.
رحم الله المفكر والشاعر الكبير محمود قرنى الذى كانت مقالاته الفكرية انحيازا شجاعا وصادقا لمفاهيم الدولة الوطنية ضد جماعات التأسلم السياسى، وقطعان التطرف. والعزاء للثقافة المصرية والعربية جميعها فى رحيل شاعر انتمى إلى شعره، وناسه، وأمته، بمحبة، وشغف نادرين.

