Menu

تقديم كتاب: ستون عامًا من الخداع.. حركة فتح من مشروع الزعيم إلى مشروع التصفية للكاتب الفلسطيني محمد دلبح

د. أسعد ابو خليل

قد يكون كتاب محمد دلبح من أهم ما كُتب عن القضيّة الفلسطينيّة في تاريخها. ولا أقول ذلك لأن هناك جديد في السرديّة التاريخيّة (وهناك بالفعل من جديد في سرديّة انطلاقة ونمو حركة "فتح") بل لأن الكاتب تحرّر كما لم يتحرّر كاتب فلسطيني عربي من قبل من كل الضغوطات والرقابة الذاتيّة التي يفرضها المرء على نفسه. إن هذا الكتاب هو وصفة ضروريّة من أجل إطلاق مقاومة فلسطينيّة. دلبح يُرشد الشعب الفلسطيني إلى طريق جديد للنضال لكن على ان يتخلّص ويتنصّل من مرحلة سابقة. دلبح من دون مواربة يقول لنا بصريح العبارة: عبثاً نتذمّر ونعترض ونحتجّ على أوسلو إذا لم نحاسب تجربة ياسر عرفات نفسها. والجدة في عمل دلبح انه يوثّق لمرحلة انطلاق "فتح" ويقول لنا أن المشكلة لا تكمن في وحول لبنان أو في وحول تونس أو في قطع التمويل عن منظمة التحرير بعد اجتياح الكويت، بل ان البوادر كانت مبكّرة في الفساد السياسي والمالي في حركة "فتح".

هذا الكتاب هو محاكمة ضروريّة لياسر عرفات. لا يزال عرفات يحتلّ موقعاً رئيساً في أذهان الشعب الفلسطيني والعربي وقد أصبح رمزاً لقضيّة الشعب الفلسطيني. لكن رمزيّة عرفات تحتاج لمساءلة: هذه أول مرة يصبح فيها الرمز الوطني شخصاً لم يحرّر إنشاً من الأرض المحتلّة لا بل هو أشرف على مرحلة تفاوض لم تكن إلا استسلاماً كما استسلام لبنان في اتفاقيّة ١٧ أيار. لن تسرّ هذه السردية الكثيرين والكثيرات في العالم العربي، من الذين تأثّروا برواية خياليّة عن تجربة حركة "فتح". لقد كان عرفات إعلانيّا بارعاً وكان يعرف أكثر من الأنظمة العربيّة كيف يحوّل الهزيمة إلى نصر. ولهذا، فإن عرفات لم يدع الشعب الفلسطيني يساهم في خلق حركة وطنيّة جديدة لأنه بعناد فاق عناد أنظمة عربيّة بعد هزيمة ١٩٦٧ وهزيمة ١٩٧٣، أصرّ على ان كل ما مرّ على المقاومة الفلسطينية في لبنان كان نصراً مبيناً يستحق الزهو.

محمد دلبح يكتب تاريخ حركة التحرّر الفلسطيني من دون تجميل او كذب أو خداع، ولهذا فإن الرواية قد تكون ثقيلة على أسماع البعض، لكنها ضروريّة. هذه عمل سياسي قبل أن يكون عملاً تأريخيا: هو محاولة لتنقية الذاكرة الفلسطينية المعاصرة مما شابها من أساطير وأكاذيب وخدع. هي دعوة إلى نظرة نقديّة لواقعنا المعاصر من أجل استخلاص الدروس الضروريّة للقفز إلى مرحلة مقبلة من النضال الفلسطيني. لم تأتِ أوسلو من فراغ، ولم تكن حدثاً عابراً بل كان نتيجة منطقيّة للمسار الذي اختطه عرفات وصحبه في قيادة حركة "فتح". هذا الكتاب سيُمنع من قبل سلطة رام الله المتنفّذة والمشغولة بالتنسيق الأمني مع العدوّ، كما ان أنظمة عربيّة ستقوم بمنع هذا الكتاب لما فيه من مصارحة لا تقبلها حكومات الحظر والمنع والمراقبة.

الشعب الفلسطيني، وكل الشعوب والأفراد المناصرون لقضيّة تحرير فلسطين، مدينون لدلبح على عمله الشجاع. الذي يقرأ هذا الكتاب يخرج بقناعة أن المصيبة الأكبر في الحركة الوطنيّة الفلسطينية لم تكن—كما كنا نظن—تتمثّل بشخص الحاج أمين الحسيني أو بشخص أحمد الشقيري، وكان عرفات يسخر من الاثنيْن في مجالسه الخاصّة. بل ان المصيبة تمثّلت في القيادة الفتحاويّة التي قادت الشعب الفلسطيني إلى التهلكة. والكتاب يساعد على تحديد مسؤوليّة قيادة حركة "فتح" (وحتى باقي التنظيمات التي تعاونت وتحالفت مع "فتح" وصمتت عن فساد ونهج الحركة) فيما وصل الشعب الفلسطيني إليه.

هذه مرحلة من أصعب مراحل القضيّة الفلسطينية. ليس هناك اليوم من تنظيم جديد يعمل من أجل تحرير فلسطين. صحيح أن سلطة رام الله تفرض حصاراً خانقاً على العمل الفلسطيني المقاوم، وصحيح أيضاً ان الأنظمة العربيّة تفرض حصاراً (كما في لبنان أو الأردن وسوريا) على المخيمات الفلسطينيّة. لكن الشعب الفلسطي له تاريخ من ابتداع طرق ووسائل جديدة للنضال والكفاح. هذا الكتاب هو مرجع لأجيال قديمة وجديدة: القديمة كي تنقّي ذاكرتها مما علق بها من اساطير وخزعبلات وبروباغندا عرفاتيّة، والجديدة من أجل ان تتعلّم من تجارب الماضي وتحيد عن المسار العرفاني الذي قاد إلى التهلكة.

إن الحكاية التي يسردها لنا دلبح ليست جميلة وليست ممتعة. هذه مليئة بالعذاب والآلام والتضحيات والحيل والهزائم والصعوبات والأحلام المبدّدة. ومن المؤكد ان الكتابة لم تكن سهلة على دلبح لكن دافعه كان وطنيّا من أجل ان يشارك الشعب الفلسطيني والعربي خلاصة تجربته في متابعة وقراءة وتغطية القضيّة الفلسطينيّة، في العالم العربي وفي الغرب. سيغضب كثيرون على دلبح وسيندّدون به من على المنابر. هو يزيل القناع عن قيادة فاسدة ومهزومة قضت على ثورة فلسطينيّة واعدة. صحيح، ان قوى الرجعيّة تكالبت وتحالفت ضد الثورة الفلسطينية، وصحيح اننا نواجه عدواً استثنائيّا (في وحشيته) مدعوما من كل دول الغرب المتحكمّة بالعالم. وصحيح أيضاً ان الشعب الفلسطيني دفع ثمناً باهظاً في ثورته ضد الاحتلال. لكن من الصحيح ايضاً ان تبديد التضحيات وانهيار تجربة الثورة الفلسطينية كان نتجية لسياسات كارثيّة لياسر عرفات وصحبه.

إن قضيّة فلسطين لم تمت، ولن تموت. لكن انعاشها يحتاج إلى مراجعة تاريخيّة يسهم دلبح مساهمة رئيسة فيها.