Menu

قراءة في كتاب -من ديوان السياسة- لعبد الله العروي (1/2)

أحمد رباص

ولد عبد الله العروي عام 1933، وهو باحث وعالم سياسي ومؤرخ. تابع دراساته في السوربون ومعهد الدراسات السياسية بباريس، وكان أستاذا للتاريخ في جامعة محمد الخامس بالرباط. عضو في أكاديمية المملكة المغربية والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان قبل أن يتحول إلى المجلس الوطني لحقوق الإنسان.
يعتبر من أكثر المفكرين وضوحاً في المغرب المعاصر (المنصوري، 1997) ويمثل امتدادا وتكريسا للخط الفلسفي والسياسي الذي دشنه محمد عزيز الحبابي في الستينيات بالمغرب.
تناول أسئلة مباشرة تهم المثقفين العرب والمغاربة حول دورهم في المجتمع والحاجة إلى الولوج الكامل إلى الحداثة في جميع المجالات، بما فيها السياسة.
حدد العروي بحثه في المجال الإيديولوجي، من خلال محاولة تقديم وجهة نظر مستقلة ونقدية لهذا الفكر بواسطة منهجية تجمع بين دراسة التاريخ والتحليل الفلسفي في مقاربة ماركسية وصفها بعض المحللين، من بينهم إدريس المنصوري، بأنها مفيدة للغاية.
من أهم أعماله كتاب "الإيديولوجيا العربية المعاصرة" الذي كتب أصلاً بالفرنسية، في سياق أزمة العرب بعد هزيمة 1967، وترجم بعد ذلك بوقت قصير إلى اللغة العربية (1970). أكد هذا المؤلف، بطريقة مباشرة وأساسية، على عجز المثقفين العرب عن فهم واقعهم، وانتقد تكييفات الإيديولوجيات الغربية مع احتقار لأي توجه نقدي وإنكار لأهمية التاريخ والثقافة. بالنسبة له، الفكر العربي متصلب إلى درجة أن مفكريه (والمغرب ليس استثناءً) يجدون أنفسهم سجيني قبضة أزمة أيديولوجية عميقة.
في محاولة منه لتجاوز الفكر السلفي الصارم، وسع العروي فكرة "السياسة" بمعناها الواسع، كما حاول بالفعل في كتابيه عن "مفهوم الإديولوجيا" ( 1980) و"مفهوم التاريخ".(1992).
يعتبر الإطار الثقافي والاجتماعي لـ "السياسة" أساسيا في تحليله المفاهيمي: فهو يظهر عددا معينا من الحوادث الخاصة بسياق تاريخي معين. يمكن لنا أن نتساءل ما إذا كانت السياسة، بطريقة معينة، بالنسبة للعروي شيئا موضوعيا وكونيا، أم أنها بالأحرى نتيجة لعدد معين من العلاقات الاجتماعية والثقافية ضمن سياق تاريخي محدد. إن المغرب هو الذي يمنح السياسة المغربية كل معانيها.
السياسة، من جانبها، تكتسب عناصرها الخاصة التي تشكل تطوراتها النظرية والأيديولوجية، وكذلك تطبيقاتها العملية في البلاد. بالنسبة للعروي، يتعلق الأمر بتأسيس مرجعية نظرية أساسية، ملموسة بما فيه الكفاية لمنح النظرية معناها التاريخي والثقافي الخاص وعامة بما يكفي لتكون مفهومة من قبل المواطنين.
يستند الإطار النظري الذي قدمه العروي إلى الفكر السياسي المغربي المعاصر. لهذا السبب، منذ البداية، يبرز التحليل التاريخي كأسلوب أساسي للكشف عن النموذج الإبستيمولوجي الحقيقي للفكر السياسي. إن أهمية التاريخ كمفهوم وكإطار أساسي للتحليل هي واحدة من السمات التي تمنح، بلا شك، أفضل تعريف للفكر الفلسفي المغربي.
يربط بعض المؤلفين أيضا بين ظهور الفكر الفلسفي في المغرب والتحليل الفلسفي للتاريخ ويسعون إلى بناء علاقة جدلية ودينامية بين الماضي والحاضر من خلال إدماج مفهوم "السياسة".
تتجلى خصوصية أخرى للفكر السياسي المغربي في عمل عبد الله العروي: العلاقة المتبادلة بين الأبعاد العملية/الأيديولوجية والنظرية/المفاهيمية في مجال التفكير السياسي. بالنظر إلى حالة الأزمة الهيكلية والكفاح السياسي الذي مر به المغرب منذ نيل استقلاله عام 1956، يمكن لنا أن نعتبر التزام المفكرين محصنا، بل مشاركتهم نشيطة ومباشرة إلى حد ما في الساحة السياسية.
هناك مفهومان أساسيان آخران تناولهما العروي على نطاق واسع، وتحتل تداعياتهما وتشعباتهما جزء كبيرا من تفكيره: الهوية والأيديولوجيا. إنهما ينطويان على التفكير في حقائق اجتماعية وسياسية وحتى نفسية متنوعة للغاية، مثل الأمة، الأصالة، تأويل أو إعادة تأويل الثقافة، التغيير الاجتماعي، الوعي، الإدراك الذاتي للأنا وإدراك الآخر.
(يتبع)