كتب خالد جمعة..
- ما الحُبُّ يا جَدَّتي؟
- حينَ تزرَعُ حكايةً وتَرَاها توغِلُ في تُربةِ الحضورِ، بيدينِ حَصّادتين، وعينين تلمّانِ المدى ساعةَ الغُروبِ، وقدمينِ حافيَتَينِ قَصْدَ أن تَلْمِسَا الرّملَ وتبثّانِهِ ما لا يُسَمّى.
ليرتبط الحبّ بشعائر الفلّاح البسيط، وهو يحرث ويزرع ويحصد، وينفض التراب عن ثيابه، ويغمس قدميْه في طين الأرض، لتتحوّل الزراعة إلى طقوس روحانيّة عميقة .
يحلّ يوم الأرض على فلسطين "المُمزّقة"، وطننا الذي لم نعرف منه شيئاً، سوى قطعةٍ صغيرةٍ من الأرض، وحكاية يتيمة لا زالت تتذكّرها الجدّة، ورغم هذا نتشبّث بما تبقّى لنا منها، و كأنها الروح.
المُزارع كالمُقاوم، هذا ما لمسناه حين تجوّلنا بين مزارعي المنطقة الحدوديّة شمال قطاع غزة، وتحديداً إلى الشرق من مخيّم جباليا المعروف منذ الانتفاضة الأولى بـ "مخيّم الثورة".
يقول لنا المُزارع الأربعينيّ، رزق أحمد شحادة، وهو يحرث أرضه: " نحن نُحبّ الأرض، ولا نبالغ إن قلنا نعشقها عشقاً..و لا نقوَ على تركها".
و يُضيف شحادة: "أرضي هذه، جرّفتها آليّات الاحتلال، 3 مرّات، أولاها خلال عدوان الاحتلال عام 2008-2009، وكانت الأرض مزروعة بنحو 60 شتلة زيتون..لم يتبقّ منها أي شتلة"، ويُكمل: "عدتُ لزراعتها بعد ذلك لتُجرّفها آليات الاحتلال مُجدّداً، في عدوان 2012، ومرة ثالثة في العدوان الأخير صيف 2014".
وحول تكاليف إعادة زراعة الأرض و شراء المُعدّات ، قال شحادة:" في كل مرة كنت أعيد زراعة الأرض على حسابي الخاص، لم تقم أي مؤسسة أو جهة بمساعدتي" مُعلّلاً ذلك بأن وزارة الزراعة تُساعد من لديه أرض زراعيّة تزيد مساحتها عن دونم " 1337.8 متر مربع"، أمّا من يملك أرضاً أقل من تلك المساحة فيتحمّل بشكل خاص، تكاليف إعادة زراعتها.
المُزارع شحادة يملك أرضاً زراعية تبعد عن السياج الأمني الذي يفصل أراضي شرق بلدة جباليا، عن الأراضي التي تقع تحت سيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي، أقل من كيلو متر واحد.
يقول شحادة : "في كل مرة أزرع شتلة الزيتون كي تبقى، ورغم تدمير الاحتلال لأرضي 3 مرات خلال 7 سنوات، سأواصل عملي هنا"
وطالب شحادة الجهات المعنية وعلى رأسها وزارة الزراعة الفلسطينية بأن تهتم بالمزارعين وأن تكرّس خدماتها للتخفيف من معاناتهم، في ظل انتهاكات الاحتلال المتواصلة بحقّم في السلم والحرب.
أمّا المُزارع يعقوب أبو وردة -50 عاماً- من ذات البلدة ، والذي دمّرت جرافات الاحتلال أرضه خلال توغّلها في المناطق الحدودية في عدوان عام 2008-2009، يقول: "ظلّت أرضي بلا زراعة مدّة 6 سنوات منذ أن جرّفها الاحتلال خلال عدوان 2008، ولم أزرعها سوى العام الماضي".
ويُضيف المزارع أبو وردة بينما ينظر إلى شتلاتٍ غرسها حديثاً في أرضه: "كانت هنا العشرات من أشجار الـ "بلانسيا" -من أنواع الحمضيّات- قبل أن يقتلعها الاحتلال، و لم أستطِع بعد ذلك تحمّل تكاليف زراعتها وحدي، في حين لم تُساعدني الجهات المعنية".
آلة القتل الإسرائيلية لا تفتك بأشجار غزّة فقط، بل تغرس حقدها في أرض الضفة وفي كل مكان يتواجد فيه الفلسطينيّون.. و أكثر ما يُوجعك هو أن يقول لك مُزارعٌ، تحجّرت يداه من فلاحة الأرض.. "بيظلّ الأمل".

