Menu

تونس.. هـل يستمر زحـف الـرّبيع ؟

من المسيرة السلمية التي خرجت اليوم في محافظة سيدي بوزيد وسط تونس للمطالبة بالشغل والتنمية

بوابة الهدف_ بيسان الشرافي

أكثر من أسبوع على احتجاجات شعبية، لشبابٍ يُعاني الفقر والجوع، ليس جوع المأكل فحسب، إنّما جوعٌ للعدالة ولوجود دولة ومن تحتها حكومة تلتفت للناس و تُمسك بأيديهم، وتضعهم على رأس أولوياتها، دون تصريحات فقاعيّة و إجراءات إصلاحية قشريّة لا تخرج في شيء عن ادامة منظومة استغلال وإفقار الشعوب.

شباب تونس ينتفض اليوم على ما خلّفته خمس حكومات، تلت ثورة الشعب عام 2010، التي أسقطت نظام زين العابدين بن علي مطلع 2011، خمس حكومات، عُيّنت كلّها باسم "الديمقراطية والقانون"، بدأت بحكومة محمد الغنوشي، وصولاً إلى حكومة الحبيب الصيد الحالية.

كيف بدأت الاحتجاجات؟

حركة الاحتجاجات المطلبية في تونس لم تتوقف خلال الأعوام الماضية، وفي الأسابيع الأخيرة شهدت معظم جامعات تونس حالة إضراب تبعها إضراب للمفروزين أمنياً "الممنوعين من العمل بسبب وجودهم على القوائم السوداء للأمن"، وأي كانت "شرارة" الاحتجاجات الحالية، فإنه من الواضح أن أسبابها أعمق من حدث هنا او هناك، بل تعبير عن انسداد لافق الرهان على البرامج الحكومية التي اخفقت في رفع المعاناة عن التوانسة.

ونزولاً عند حقيقة ما يدور في الشارع التونسي، تحدّثت "بوابة الهدف" مع المنسق الوطني لـ"الطليعة الطلابية العربية"، وهي الفصيل الطلابي و الشبابي لحركة "البعث" التونسية، منذر بو عزّي، الذي اعتبر أن الشرارة الأولى التي بدأت بها الاحتجاجات الأخيرة، بدايةً بتسريبات لملفات داخلية بمقر الولاية بمحافظة القصرين غرب تونس، تتعلق بفساد إداري، وذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قائلا" أن الملفات كانت منقوصة، وأن من سرّبها كان يهدف بالأساس لإشعال فتيل الاحتجاج".

الشرارة الثانية لبداية الاحتجاجات في القصرين، وفقاً لإفادة بوعزّي كان "تلاعب بقائمة أسماء مجموعة من الشباب الذين اعتصموا من أجل حقهم في التشغيل, وهم 80 اسم تقريباً، واستبعاد نحو 7 منها، كان من بينها اسم الشاب رضا اليحياوي الذي توفى السبت الماضي".

وكان اليحياوي "28 عاماً"، صاحب شهادة دبلوم مهني في الكهرباء، تعرض لصعقة كهربائية بعد أن صعد لأعلى عمود كهربائي يوم 16 يناير، أمام مقر المحافظة، وذلك احتجاجًا على شطب اسمه من قائمة التوظيف في القطاع العام، وحرمانه من حقه في العمل، ما تسبب بوفاته.

من جهته أقال رئيس الوزراء التونسي الحبيب الصيد المعتمد الأول لولاية القصرين، وطالب بالتحقيق في الواقعة.

الحراك الاحتجاجي، تصاعد منذ اليوم الأول لوفاة اليحياوي، الذي بات يُسمّى بـ"بوعزيزي تونس الجديد"، نُظمت وقفات تنديد، وتم إغلاق عدد من الشوراع الرئيسية بالمحافظة المُهملة "حكومياً"، والمجاورة لشقيقتها في الجهة الشرقية "سيدي بوزيد" التي اشتعلت منها شرارة انتفاضة 2011، وصولاً إلى يوم الثلاثاء 19 يناير، اكتسب  الاحتجاج زخماً إضافياً، وتجمّع عدد ضخم من الشباب المتظاهر أمام مقر المحافظة، لتصدّهم قوات الأمن بالقنابل المسيلة للدموع، لمحاولة تفريقهم، والذي كان له مفعول عكسي، حيث قرر الشبان الخروج بمسيرة، تم على إثرها إغلاق مفترق "حي الزهور" و "حي النور" بإشعال الإطارات المطاطية، هذا وشهدت المظاهرات اشتباكات متفرقة ألقى خلالها الشبان الحجارة على الأمن، ليستمر هذا الوضع 10 ساعات، بين كرٍ وفر ، وهذا بحسب ما أفاد به منذر بوعزّي.

ولفت المنسق الوطني للطليعة العربية الطلابية، منذر بوعزّي، بأنه لم تشهد المنشآت الحكومية أو الخاصة، أيّة عمليات نهب أو تخريب، وتوّلت قوات الأمن بعدها حماية تلك المنشآت.

يُتابع بوعزّي في حديث لـ"بوابة الهدف": الحكومة اتخذت في بادئ الأمر جملة من القرارات الهزيلة البعيدة كل البعد عن الواقع، والتي لم تُخمد نار المحتجين، مما ساهم باتّساع رقعة التظاهرات، وانتشارها في العديد من المحافظات، لتُقابلها الحكومة بالعجز والتجاهل، مجدداً.

ويُضيف: أعتقد أن حكومة الصيد غير قادرة على حل ملف التشغيل في هذه الفترة, لذلك تطور الأمور على أرض الواقع هو ما سيُحدد ملامح الفترة القادمة، ونتمنى ألّا تُراق أي نقطة دم، وألّا تتدخّل أطراف خارجية في قضية حقوق الشعب التونسي، لأن هذا فقط ما يمكنه أن يؤدي للفوضى التي لا رجعة فيها".

"عمل، حرية، كرامة وطنية"

مطالب التونسيين المتظاهرين كانت تتلخّص في الشعار الذي توحّدوا في هتافهم به وهو "عمل، حرية، كرامة وطنية"، وهي مطالب غفلتها خمس حكومات، لم تسن سوى القرارات الهامشيّة، ولم تُولِ أهمية سوى للمحافظات التي تُدرّ المال الوفير.

هتف التونسيّون للتخلص من شبح البطالة التي نهشت 15% من عموم المواطنين، و30% من حملة الشهادات العليا، هتفوا ضدّ الفقر، وللتمييز الإيجابي بين محافظات وطنهم، الذي لم يتمكّن من إحياء اقتصاده منذ 6 سنوات أعقبت ثورته وإسقاطه حكم الديكتاتور، هتفوا ضد الديمقراطية الزائفة التي لا تُغادر أروقة السياسيين وصفحات الجرائد.

فخلال السنوات الخمس الماضية، لم تحصد تونس سوى تعطل الاستثمار، واستفحال الديْن على الدولة، ومناخ سياسي متأزم، وكل هذا إلى جانب هشاشة الأوضاع الاجتماعية، وتعثر الحكومة في معالجة أبرز مشكلاتها.

وعودةٌ للشارع، فقد علت فيه دعوات "مجهولة المصدر" للإضراب العام والعصيان المدني، هذا العنوان الذي اعتاد الشباب أن يُعلنه الاتحاد العام للشغل، لكنّه الآن من جهة غير معلومة ولغاية مشبوهة، أو على الأقل مجهولة، لذا أعلن الاتحاد مقاطعته، وكذلك لم يستجب له الحراك الشبابي والطلابي التونسي.

وأعلن الاتحاد في بيانٍ ختامي له، أعقب اجتماعاً لهيئته الإدارية، موقفه الذي جدد فيه دعمه لكافة التحركات السلمية المطالبة بالتشغيل والتنمية، ووجّه دعوته "لمناضلات و مناضلي الإتحاد للمشاركة الفعالة في تأطير التحركات و التصدي لمحاولات تشويهها وتخريبها من مجموعات النهب والحرق المشبوهة وحماية المسيرات والاعتصامات من الاختراق."

وجاء في بيان الاتحاد "أن الأحداث التي تعيشها البلاد هي نتاج طبيعي لمواصلة نفس سياسات الحكومات السابقة اقتصادياً و اجتماعياً، والتي لم تؤدِّ إلا لتفاقم البطالة و انهيار الاقتصاد و تردي الوضع الاجتماعي للشعب التونسي، وخاصة الفئات الضعيفة منه" مُنبّهاً من أن مواصلة سياسة الوعود من جهة و تشويه التحركات إعلامياً و التحريض على المتظاهرين من جهة أخرى "لن يفيد هذه الحكومة بل سيعجل بسقوطها".

ودعا الاتحاد في بيانه الصادر بتاريخ 24 يناير "المكاتب الجامعية للاتحاد العام لطلبة تونس للانعقاد والتنسيق مع مكونات المجتمع المدني والسياسي بالجهات لتنظيم الإضرابات و الاعتصامات الجهوية".

شوارع تونس تجمع "الحابل والنابل"

القيادي بالشباب القومي العربي، أحمد بن حمدان، يرى أن "مطالب الحراك واضحة و شرعية والمعركة جوهرية، وهي لمواجهة سياسة التفقير و التهميش والقهر الاجتماعي، لكن هناك من يحاول الركوب عليها، وتوجيهها خاصة مع ما يقع في الجزائر من احتجاجات".

ويُوضّح لـ"بوابة الهدف" أن الشباب المُحتج، ينقسم لثلاثة أصناف، أوّلها هي القيادات الشبابية والطلابية من العائلات السياسية العروبية و اليسارية، وهم ميدانيّون، لا تُفرّقهم تنظيماتهم عن عدالة المطالب.

والصنف الثاني من الشباب المُحتج في الشارع التونسي، كما يُبيّن بن حمدان، هم المعطلين عن العمل، من يعانون البطالة والتهميش، وهم يتصرفون بعفوية، مؤكداً  أنهم لا يخربون و لا يمسون بالممتلكات العامة و الفردية، بل ساهموا في بعض المحافظات بحماية الممتلكات العامة، وفي محافظات أخرى علّقوا اعتصاماتهم لحين عودة الهدوء، لقطاع الطريق على الجهات التي تُريد تشويه الحراك.

"أمّا الصنف الثالث ممّن يتواجدون في ميادين تونس، هم الأيادي التخريبية، التي تُريد الركوب على الحراك و استثماره، سواء كان هذا من قبل التيار الصهيوتكفيري أو من قبل بعض الساسة المدعومين من الرجعية العربية والقوى الإقليمية التي تطمح لمزيد التخريب في الوطن العربي"، مضيفاً أن الصنف الأخير قد يُقدم على أي عمل يخدم مصالحه.

بن حمدان تحدّث عن تملّص الحكومة من الخيارات التنموية الحقيقية، التي تحقق كرامة الشعب ومطالبه بالتشغيل وتعزيز الاقتصاد الوطني، بالإعلان عن قرارات ومشاريع لا علاقة لها بعمق الأزمة، كتغيير قانون المخدرات، على سبيل المثال لا الحصر، وكأنّها تحكمُ شعباً آخراً ! وإفراز مواضيع لإلهاء الناس عن مطالبهم الشرعية التي كانت محرك انتفاضة"ثورة" ديسمبر 2010.

القيادي في الشباب القومي العربي، أكّد في المقابل، وجود القوى الوطنية التي يُريد الإعلام تغييبها، ويحاول تشويهها، لكنّها تُواصل نضالها لتحقيق ما يطلبه الشعب، دون المبالاة بالطيف السياسي الذي يشغل كُرسي الحاكم.

وقال بن حمدان لـ"بوابة الهدف": إن الذي يهمّ تلك القوى الوطنية، والشباب المتظاهر اليوم في الميادين، هي القرارات والمشاريع التي تأخذها الحكومة، ومدى التفاتها لهموم ومطالب الشعب.

وحول السيناريو المحتمل من الآن فصاعداً، أوضح أن "أصوات عديدة طرحت فكرة الحوار الاجتماعي في محاولة لأخذ المطالب من الشارع و وضعها على الطاولة، لتجنيب البلاد و العباد حالة الخراب"

الحكومة تُخمد الحراك بالسماح بتشويهه !

من جهته يرى وائل نوّار، الأمين العام للاتحاد العام لطلبة تونس، أن "تكتيك الحكومة في مواجهة الهبة الشعبية الحالية، تطور بالمقارنة مع الحكومات السابقة، فتم تضييق التدخل الأمني لأدنى حد، لكن في المقابل تم إطلاق يد المجموعات التخريبية للنهب والسرقة".

وعلى صفحته عبر "فيسبوك"، يوضّح نوّار أن هدف هذا هو "تشويه الحراك وعزله عن التعاطف الشعبي الواسع، بالتزامن مع تجييش أغلب وسائل الإعلام والأبواق القريبة من دوائر الحكم ورؤوس الأموال الداعمة لها، لشن هجمة كبيرة وممنهجة على كل القوى السياسية والنقابية والجمعياتية والشبابية المساهمة في الحراك الاجتماعي الذي قارب التحول إلى انتفاضة جديدة".

قوات الأمن، وخلال الساعات الأخيرة، أوقفت عدداً من نشطاء الحراك الشبابي، قبل أن تُعلن أنها "ألقت القبض على كافة المتورطين في أحداث السرقة و السطو الأخيرة"، في إيهام للجمهور بأن الشباب المحتج هو المتورّط بأعمال التخريب.

الناشطة في الاتحاد العام لطلبة تونس، جواهر شنة، ندّدت بما أقدم عليه الأمن من اعتقال عدد من ناشطي المجتمع المدني والسياسي، وكتبت على صفحتها عبر "فيسبوك": إن الحقيقة مغايرة تماماً عمّا يتم نشره عبر الإعلام المُجيّش، وإن ما تقوم به السلطة هو معاقبة الشباب المحتج سلمياً، والزج به تعسفاً في قائمة المنحرفين والمخربين. مطالبةً بالانتباه والحذر ممّا يقوم به الأمن والوقوف إلى جانب الشباب الثائر و الدفاع عنه.

عجزٌ حكومي.. وترقيع بلا أثر !

تصريحات وزراء الحكومة التونسية، لم يغلب عليها التوافق، امتداداً لحالة الارتباك الحكومية، حيث اعتمد المسئولون على مبدأ التبرير، على شاكلة تصريحات رئيس الحكومة الحبيب الصيد الأخيرة التي لم يتحدث خلالها عن عمق الأحداث ومسبباتها، بقدر ما أمسك في ظواهر محدودة، ترافق أي حراك شعبي، فاختصر هبة الشارع بأعمال التخريب التي شهدتها بعض المحافظات.

وكان من تصريحات الصيد "لن يستطيع أحد في تونس أو خارج تونس أن يمس بالمكاسب الديمقراطية في البلاد،..، وهناك مندسون بين الشباب حاولوا استغلال الوضع للتخريب والتكسير،..، نحن نطمئن كل المواطنين أن الأوضاع الأمنية أصبحت أفضل في البلاد".

و تحدث رئيس الحكومة عن مساعدات فرنسية، تساهم في حل مشكلة "البعض" في القصرين وليس للكل"، مشيرا إلى جهود حكومية لإيجاد الحلول المطلوبة لمواجهة الأزمة، مطالبا المواطنين "بأن يتفهموا أن هناك صعوبات كبيرة".

اجتماع على مُستوى أحزاب الائتلاف الحاكم (حركة النهضة الإسلامية، الاتحاد الوطني الحر، نداء تونس، آفاق تونس)، انعقد خلال الساعات الماضية، و وُصف بالساخن، تباينت فيه المواقف، وسط توجه مُحتمل إلى منح رئيس الحكومة صلاحيات تمرير القوانين،عبر مراسيم وقرارات دون الرجوع إلى البرلمان، الذي اتّهم في ذات الاجتماع بتعطيل صدور قرارات.

الأمر الأخير، قد يدخل تونس في أزمة سياسية، تُفاقم غياب الاستقرار الذي يعصف بالبلاد، بحسب مراقبين.

ورأى البرلماني التونسي زهير مغزاوي، في تصريحات صحفية: إنّه ورغم الهدوء الحذر السائد، فإن عاصفةً ستعم البلاد في حال لم تتخذ الحكومة إجراءات جدية لمعالجة ما تسبّب به فقد الثقة في أداء الحكومة التي وصفها بأنها باتت حكومة "محاصصة سياسية".

العجز الحكومي عن إحداث تغيير حقيقي في الوضع المعيشي لعموم التوانسة لا يعود لغياب قرار معين لم تكتشف الحكومة ضرورة إقراره، ولكن ارتباطاً باستمرار هذه الحكومة في الدفاع عن منظومة المصالح وتحالف المال والسلطة وإن كان بوجه جديد مغاير عن ذاك الذي ساد في عهد "بن علي"، وفي هذا السياق يمكن ملاحظة أنه حتى هذه اللحظة لم تُطرح خطة إصلاح وتنظيم جدّي للاقتصاد التونسي تخرجه من منظومة الهيمنة واشتراطاتها وتكفل تنمية حقيقية وعدالة اجتماعية للإنسان التونسي.

و ما بين الهدوء الحالي والعاصفة المُرتقبة، هل تثور تونس مُجدّداً، ولكن هذه المرة على "ديمقراطية ترى الناس آخر همّها"؟