Menu

كميل أبو حنيش يكتب عن الكتابة والسجن

محمود شقير

1

في 161صفحة من القطع المتوسط، صدر عن دار طباق للنشر والتوزيع/ البيرة، كتاب "الكتابة والسجن... عالم الكتابة في السجن" للأسير المحكوم بالمؤبد تسع مرات؛ كميل أبو حنيش.

وبرغم أن هذا الكتاب يتخذ من المقالة شكلًا فنيًّا يمرّر الكاتب من خلاله أفكاره واجتهاداته ورؤاه، غير أنه يتضمن في ثناياه سيرة ذاتية، فيها وصف لإنجازات الكاتب في ميدان الكتابة والتأليف، حيث أصدر خمسة عشر كتابًا في الرواية وفي النقد الأدبي والفكر والسياسة، في فترة تمتد إلى ما يقرب من ثمانية عشر عامًا.

2

من يتأمل ظروف السجن القاسية التي وصفها الكاتب في هذا الكتاب يدرك مقدار الجدية والالتزام والإحساس بالمسؤولية التي اضطلع بها كميل أبو حنيش، بحيث إن هذا الكم من المؤلفات مضافًا إليها القصائد والمقالات العديدة التي نشرها في الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية، ناهيك عن المخطوطات التي صادرها السجان يضعنا أمام كاتب ملهم مجد مثابر قادر على استثمار الوقت في أصعب الظروف، وهل هناك ما هو أصعب من وقت السجن، حيث الصعوبات الكثيرة المرهقة التي تعرض لها الكاتب أثناء تأليف كتبه، فالكتابة في السجن ليست متاحة على النحو المطلوب، بل هي تتم برغم الرقابة وعمليات المداهمة والتضييق بمختلف الوسائل و الأشكال، ما جعل الكاتب عرضة لمزيد من القلق جراء ضياع بعض مخطوطاته والعثور على بعضها بعد تعب وبحث وتفتيش ومكابدة، وهو ما يصفه في كتابه على نحو مقنع لا مبالغة فيه.

وفي الكتاب وصف للنقل التعسفي من سجن إلى آخر وتعطيل مشروع الكتابة، وفيه وصف لعملية الكتابة ذاتها في الليل واضطراره إلى إزعاج زملائه في الغرفة واحتمال الزملاء لهذا الإزعاج. وفيه وصف لعمليات تسريب المخطوطات إلى الخارج، ومن ثم متابعة طباعتها وتصحيح مفرداتها وتدقيقها، وانتظار أن تتولى إحدى دور النشر طباعة المخطوطة، وشعور الكاتب بالفرح الغامر إثر إصدار الكتاب، ومن ثم انتظار وصول نسخة إليه، وقد يمتد هذا الانتظار إلى فترة طويلة مؤرِّقة.

لذلك، وأمام الشعور بالامتنان، تضمن الكتاب شكرًا واجبًا وتقديرًا وعرفانًا لمن تطوعن وتطوعوا في خدمة الكاتب الأسير، وهن كثيرات وهم كثيرون، ولولاهن ولولاهم لما اكتملت عملية إصدار هذا الكم من الكتب.

3

ما يميز هذا الكتاب مقدار الصدق الوارد فيه، حيث النقد الذاتي والابتعاد عن الغرور، فالكاتب يدرك أنه لا يملك ترف التعاطي المتساهل مع الوقت، لأن المخطوطة التي يشتغل عليها قد تتعرض للمصادرة، وقد تحدث مفاجآت لا تمكنه من مواصلة الكتابة، لذلك كان كميل أبو حنيش معنيًّا بالانتهاء من أي مخطوطة بين يديه في وقت قياسي لا يزيد عن أشهر معدودات، ما عدا بعض الكتب التي كان إنجازها يستمر لفترات طويلة سببها الظروف المكبلة للكاتب عن إنجازها في وقت معقول.

لذلك، وبعد صدور بعض رواياته، تحديدًا "خبر عاجل" و "بشائر" فقد أدرك أنه تسرع في كتابتهما وفي إصدارهما لما فيهما من أخطاء ومن ثغرات فنية، كان يمكن تداركها بالتأني وبمزيد من الانتباه.

4

ولم يكن كميل أبو حنيش يكرس وقته لكتابة الروايات وكتابة الشعر فقط، بل إنه كان متعدّد المواهب متعدّد الاهتمامات، ما يذكّرني ب غسان كنفاني الذي أنجز في فترة قصيرة من عمره القصير، ما يمكن أن تعجز مؤسسة بطاقم من الموظفين المتفرغين عن إنجازه.

من المؤكد أن لدى كميل أبو حنيش قدرات مدهشة، بحيث كان وما زال يعمل ثماني عشرة ساعة في اليوم؛ يكتب الرواية والقصة، ويكتب الشعر والنقد الأدبي والمقالة الفكرية والسياسية، ويكتب التقارير الفكرية والسياسية والتنظيمية التي تضبط إيقاع التنظيم في المعتقلات، أقصد تنظيم الجبهة الشعبية الذي كان كميل يشغل مركزًا قياديًّا فيه، وما يعنيه ذلك من اضطلاع بمهام يومية متنوعة، وفي أثناء ذلك كله، وقبله وبعده، كان عليه أن يواصل دراسته الجامعية لتحصيل شهادة الماجستير، ثم الجهوزية الكاملة في أي وقت، لمواجهة السجان والتصدي لإجراءاته القمعية، بالاحتجاج الذي يتخذ من الإضراب عن الطعام الوسيلة الأكثر نجاعة في الدفاع عن كرامة المعتقلين، وعن حقوقهم في داخل السجون.

5

وحين يتطرق الكاتب لطقوس الكتابة لديه في سجنه الذي لا يدري متى يحين تحرره من قبضته الظالمة، فثمة وصف يجعلنا نقدّر قيمة هذه النتاجات الأدبية والفكرية الطالعة من ظلام السجون، بالنظر إلى الجهد المبذول فيها، برغم أن كميل وغيره من الأسرى الكتّاب يلحّون على ضرورة ألا نجاملهم، وعلى أن نمحضهم النصيحة الصادقة، وتبيان مواطن الضعف في نتاجاتهم الأدبية قبل تبيان مواطن القوّة والإجادة، وذلك لضمان استفادتهم من النقد البنّاء، ولتلافي أية ثغرات أو نواقص في كتاباتهم اللاحقة.

ولن أدخل في تفاصيل طقوس الكتابة لدى كميل، ولا في ذكر الأدوات التي تساعده على الكتابة، فهي مذكورة في الكتاب على نحو مفصّل، وهي مدعاة للتأمل، ولضرورة انتباه المؤسسات الثقافية في بلادنا لما ينتجه الأسرى الكتاب في السجون الإسرائيلية من أدب وسياسة وفكر، وعدم المماطلة في نشره وتوزيعه وتنظيم الندوات حوله، وترجمة ما يستحق الترجمة منه إلى اللغات الحيّة في العالم، وفي ذلك بعض وفاء لمن يضحّون بأجمل سنوات العمر من أجل الدفاع عن كرامتنا، وعن حقّنا في الحياة الحرة الكريمة في وطن حر سعيد.

تحية للمناضل الكاتب الأسير كميل أبو حنيش.