إذا كانت تمرُّ هذه الأيام ذكري اغتيال غسان كنفاني في شهر يوليو عام 1972م، فإنّ السؤال الملحّ الذي يجب أن تنظر فيه المخيّلة العربيّة، هو مأزق المقاومة الثقافيّة في القرن الواحد والعشرين، وسبل الدفاع عن "مستودع الهُويّة" العربي ومكوّناته، وفي القلب منها مدينة القدس وقضيّة فلسطين عمومًا في القرن الواحد والعشرين؛ فالأمرُ أنّ العقدين الثاني والثالث من القرن الجديد شهدا ظهور "الاتفاقيّات الإبراهيميّة" التي تمثّل الجانب الثقافي والقوّة الناعمة، لمشروع "صفقة القرن" التي طرحها دونالد ترامب الرئيس الأمريكي السابق، وإذا كان البعضُ يرى أنّ صفقة القرن بالشكل الذي طرحه ترامب قد فشلت، فإنّ "الاتفاقيّات الإبراهيميّة" لا يزال مشروعها قائمًا وتبنّت تصوّراته الثقافيّة بوضوحٍ إدارة جو بايدن الرئيس الأمريكي الحالي، وهو ما يطرحُ السؤال على الحاضنة الثقافيّة العربيّة والمنتمين لها، بحثًا عن الخطاب الثقافي والاستراتيجيّة الثقافيّة الممكنة لمواجهة "الاتفاقيّات الإبراهيميّة" في المحافل الدوليّة، حيث يرى البعض أنّ واحدًا من أبرز عيوب الثقافة العربيّة يكمن في محليّة خطابها الثقافي، واعتماده على العاطفة والحماسة والصوت العالي، وكذلك افتقاده للثبات الانفالي والهدوء الحجاجي والمنطق الناجع، بما يجعله خطابًا غير قادر على الصمود في المحكات الدولية وبروتوكولاتها المعتمدة.
بالعودة للوراء قليلًا، في القرن العشرين، وفي تجربة جيل غسان كنفاني والمقاومة الثقافيّة التي طرحوها، سنجد أنّهم كانوا يتحرّكون من قلب الحدث، وفي ردّ فعلٍ دائمًا لخطوات الاحتلال الصهيوني، وكانت الصحافة والإعلام والأدب ما زال بريقهم حاضرًا في مجتمعات تستقبل أدوارهم بتقدير البدايات وزهوتها وتفاعلها، لكن في القرن الواحد والعشرين أنت أمام مجتمعاتٍ مفتوحةٍ على آفاق المعلومات والاتّصال والحضور الشخصي ومنصّات التواصل الاجتماعي، وكذلك تراجع الهمّ الجماعي لحدٍّ بعيد.. لذا تبدو الحاجة ملّحةً لاستحداث آليّاتٍ عربيّةٍ جديدةٍ للعمل على المستوى النخبوي والسرديات الكبرى في المحافل الدولية، وعلى مستوى المجال العام التقليدي واختبار آليات جديدة لبناء الجسور مع جيلٍ عربيٍّ جديد، شهد – وما زال يشهد - العديد من الصدمات والطموحات والانكسارات في آنٍ واحد.
جوهر "الاتفاقيات الإبراهيميّة" يكمنُ في أنّها تسعى لتفجير التناقضات داخل مستودع "الهُويّة العربي" والانتصار للرواية الصهيونيّة في السيادة على مدينة القدس وعلى العرب أجمعين، باسم صلات القربي التاريخية والدينية! وهي آخر ما وصلت له القريحة الغربية في محاولة تمرير المشروع الصهيوني! قبلها فشلت مشاريع "الصهيونيّة الماركسيّة" التي حملها بيير دوف بيرخوف والتنظيمات التي تفرّعت عن حزب "عمال صهيون" حتى الآن في فلسطين المحتلّة، وفشلت تصوّرات "الصهيونيّة الليبراليّة" باعتبار دولة الاحتلال واحة الديمقراطية والحرية في محيطٍ عربيّ من الاستبداد والرجعيّة والتشدّد كما يدَّعون، وكذلك فشلت تصوّرات "الصهيونيّة الدينيّة" بخطابها المباشر العدواني، لذا كان على الغرب أن يخرج لنا باستراتيجيّةٍ ثقافيّةٍ جديدةٍ تخاطب العاطفة العربية وحسها الديني تعتمد على الصلات الدينية والتاريخية بين العرب وبين اليهود وما يسمى بـ"المشترك الإبراهيمي"!
والحقيقة أنّنا في حاجةٍ إلى خطابٍ واستراتيجيّةٍ ثقافيّةٍ عربيّةٍ بديلة، من أهم سماتها: تجاوز الاستقطابات السياسيّة والأيديولوجيّة، التأكيد على مساحة المشترك الثقافي العربي، والتأكيد على غياب الشريك الصهيوني الذي يقدّم السلام العادل وفق قرارات الأمم المتحدة، والترويج لصورةٍ غير نمطيّةٍ للعربي تقوم على تقديم "مستودع الهُويّة" العربي في شكلٍ جديدٍ يفكّكُ مزاعم الصورة النمطية الصهيونيّة والغربيّة والتشويه الذي قامت به، فنحن في حاجةٍ لاستراتيجيّة تقوم على خطاب هادئ ورصين ومتزن يملك حجته ومنطقه الخاص أمام العالم.
لقد نشأت قضيّة فلسطين، وبرزت الصهيونيّة ومشروعها في قلب "المسألة الأوربيّة"، بدايةً مع ظهور العداء للجاليات اليهوديّة وما عُرف بـ "معاداة الساميّة" في أوروبا، ثم تطوّر الوعي القومي للجاليات اليهودية في أوروبا مع صعود النظريّات القوميّة الأوروبيّة، ولقد دعمت أوروبا الصهيونيّة بتمثّلاتها الأيديولوجيّة المتعددة لسببٍ تاريخي يرجع للشعور بالذنب؛ بسبب أحداث "معاداة الساميّة"، وكذلك دعمتها لسببٍ فكريٍّ أنّ الصهيونيّة تبنّت الخطابات الأوروبيّة في أشكالها الليبراليّة أو الاشتراكيّة أو حتّى الدينيّة (بدعوى التفوّق العرقي والتطوّر في سلّمِ الوعي الديني في علاقتِهِ بالعقلِ البشريّ التي تستندُ إليها مسيحيّة ما بعد العصور الوسطى، خاصّةً في التأويلات الجرمانيّة تحديدًا)، وكان السبب الأبرز أنّ الصهيونية عملت بالفعل باعتبارها أحد تمثّلات المسألة الأوربيّة ومتلازماتها الثقافيّة، أو بالأصح البعد التوظيفي للصهيونيّة وتوظيف يهود أوروبا في الصراع بين الشرق والغرب، واعتبار الصهيونيّة ودولتها كابحًا وجوديًّا معطّلًا للذات العربيّة/ الشرق المسلم عن النهوض وتجاوز مرحلة ما بعد الاستقلال عن الاحتلال الأوروبي، التي تجمّدت عندها الذاتُ العربيّةُ منذ القرن الماضي.
لذا، فإنّه على المستوى السياقي العام ستبقى الصهيونيّة حاضرةً بشكلٍ ما، قويت أو ضعفت، تطرّفت أو اعتدلت، طالما بقيت المسألةُ الأوروبية ومتلازماتها الثقافيّة معتليةً عرش الظاهرة الحضاريّة، وترفض التنحي عنه معتقدةً أنّها ذروة التطور البشري وثمرته المقدّسة ولا تطوّر بعدها! من ثمَّ سيكونُ على الخطاب الثقافي العربي واستراتيجيّته المطلوبة أن يقدّم روايةً حجاجيّةً راسخةً عن الحق العربي والفلسطيني تقلق الدعم الغربي للصهيونية وتعاليه وتؤرق يقينه المطلق، وتمهد الطريق في اتجاهين؛ الاتجاه الأول: في المدى القريب، للتأكيد على الحق العربي والفلسطيني، وغياب العدل عن التصور الصهيوني والدعم الغربي الحاضن له، والاتجاه الثاني: على المدى البعيد، يجب على الاستراتيجية الثقافية العربية أن تطرح البدائل لاحتواء الوجود الصهيوني عندما تتفكك المسألة الأوروبية، التي قد تتفكّكُ سريعًا وفي ظرفياتٍ غير متوقّعة بالمرة، أي على الاستراتيجيّة الثقافيّة العربيّة في المدى البعيد أن تستعدَّ بخطابها لاحتواءِ من سيبقى من يهود الصهيونيّة في فلسطين العربيّة المحرّرة، وفتح الطريق لمن يريد الخروج منها من الصهاينة والعودة لأوروبا وبلدان العالم.
وفي هذا السياق لا بدَّ من الإشارة إلى أنّ الحرب الثقافيّة الخشنة التي تجري الآن في أوروبا على أرض أوكرانيا، بين رواية "الأوراسيّة الجديدة" والصعود الروسي الجديد التي قدّمها ألكسندر دوجين (الفيلسوف الذي يطلقون عليه عقل بوتين)، وبين رواية "التمدّد الأطلسي" التي تستقي روافدها من رواية فوكوياما عن "نهاية التاريخ" الأيديولوجي، ورواية هينتنجتون عن "صدام الحضارات"، لا تقف بعيدا عنها رواية "الصهيونيّة الإبراهيميّة" التي تطرحها أمريكا في عهد بايدن الآن، فما كان يجري في "قمة جدة" بالمملكة السعودية العام الماضي من جانب الإدارة الأمريكية، كان محاولة لتفجير التناقضات بالمنطقة العربية بين الرواية السنية والرواية الشيعية لصالح "إسرائيل"، من خلال تأسيس حلف ناتو عربي سني تقوده دولة الاحتلال، ويكون موجّهًا ضد إيران الشيعيّة، ذلك في إشارةٍ واضحةٍ إلى أنّ أزمة العالم الآن هي فكرة المسألة الأوروبيّة ومحاولة فرض هيمنتها على العالم، من خلال تفجير التناقضات في مستودعات الهُويّة كافةً (كما يحدث بين الصين وتايوان، وبين كوريا الشمالية والجنوبية، وبين المركزية السوداء الأفريقانية وعرب شمال أفريقيا... ألخ) لتدير هذه التناقضات لصالح أوهام النظرية الشمولية، سواء عند ورثة هيجل في دولة الديمقراطية الليبرالية التي تمثلها أمريكا، أو عند ورثة ماركس الذين يطرحون تصورات "ما بعد ماركسية" مع ألكسندر دوجين في روسيا، أو يطرحون "ماركسية رمزية" أو شرفية مع الصعود الصيني. وهنا سيكون أيضًا على الاستراتيجية الثقافية العربية الجديدة أن تستشرف شكل العالم فيما بعد "المسألة الأوروبية"، وتبحث لنفسها عن موطأ قدم فيه، وتنظر في إمكانية أن تقدم مفصليةً ثقافيةً ممكنة للعالم، تعتمد على تجاوز التناقضات والمتلازمات الثقافية إرث القرن العشرين، رغم ما قد يمثله ذلك من صعوبات بالنسبة للبعض لتعلقه بالأشكال التاريخية القديمة، وربما يرتبط ذلك بالمشروع الثقافي المسكوت عنه، الذي خرجت به الثورات العربية في العقد الثاني من القرن العشرين، متجاوزةً شعارات اليمن واليسار العربيين، وهو مشروعٌ ثقافيٌّ مسكوتٌ عنه؛ لأنه لم يخرج من يعبر عنه بشكلٍ ثقافيٍّ مؤسّس بعد، رغم دوران الكثيرين حوله ومحاولتهم تلمس حدوده، ولكن دون يقينٍ ثقافيٍّ أو معرفيٍّ في التأكيد عليه بوصفه مفصليّةً ثقافيّةً ممكنةً وكامنة، تستطيع أن ترفد الوجود البشري في وقتٍ شاخت فيه المفصلية الثقافية الأوروبية، وعدّها بعضهم نهاية الفكر البشري والتابو المقدس الجديد له.
قدم غسان كنفاني وجيله إرثًا عريضًا من المقاومة الثقافية العربية.. إرثًا يتسق مع ظرفيته التاريخية ويتوجهان بجهده المشهود، وبين هذا الجيل والأجيال التي خلفته تفجرت تناقضات عديدة عند الذات العربية، واختلطت العديد من الأوراق، وصعد على السطح الكثير من أنصار الانكفاء على الذات والكتابة الشخصية والتصورات الأسلوبية والشكلانيّة، ونادى البعض بالانسلاخ كليّةً عن الذات العربية باعتبارها ذاتًا عاجزةً قاصرةً عن القيام بعملية التحديث وبناء تراكم حضاري جديد، ونادى هؤلاء بالاستلاب للآخر الغربي عمومًا، وكشفوا عن وجههم القبيح مع صفقة القرن والاتفاقيات الإبراهيمية معتبرين الصهيونية ودولتها تمثّلًا قريبًا للحضارة الغربية، ومروّجين لها ولمشروع الاتفاقيات الإبراهيمية وسيطرة الصهيونيّة على مدينة القدس والمقدّسات العربيّة الإسلاميّة والمسيحيّة.
إنّ الثقافة العربيّة الآن وفي ذكرى رحيل غسان كنفاني واستشهاده، الرمز والتجربة معًا، تحتاجُ إلى جيلٍ مؤسّسٍ جديدٍ يقدّمُ خطابًا حجاجيًّا يستطيع أن يقف ثابتًا هادئًا راسخًا أمام العالم أجمع، ويعيد إنتاج الذات العربية في مقولاتٍ جديدةٍ وتصوّراتٍ نظريّةٍ وفلسفيّةٍ مواكبةٍ للحدث، وخطابات رافعة تجاه المستقبل تعي التدافعات الإقليمية والعالمية والتناقضات التي تفجرت داخل حواضن الذات العربية، وبالأخص يضع نصب عينيه أولوية تجاوز التناقضات والاستقطابات التي ضربت عواصفها العالم العربي حتى كادت أن تفكك أوصاله، جيل يكون على اطلاعٍ وإلمامٍ بتجربة القرن العشرين بحلوها ومرها والبنية الثقافية لدولة ما بعد الاستقلال والجذور الثقافية لكتلتي اليسار واليمين التي نشأت في خضم تلك الدولة، ويكون على اطلاع بكليات الفكر الغربي -يساره ويمينه- وجذورها القديمة وتمثلاتها الجديدة في القرن الواحد والعشرين، ويكون لديه القدرة على العمل بهدوء وثبات وصمود وتقديم بدائل ثقافية رافعة ومرنة في مواجهة التحديات كافةً، التي تحيط بالذات العربية داخليًّا وإقليميًّا ودوليًّا.

