Menu

روحُ غسان كنفاني

وليد عبد الرحيم

نشر هذا المقال في العدد 52 من مجلة الهدف الإلكترونية

من مزايا الروح أنّها لا تختفي ظلالُها مع رحيل الجسد، ثمةَ سرٌّ أبدي في ذلك، سر لا تُدركه العين المجردة، يتمُّ رصده عبر تلسكوب حِسِّي لا يمكن إدراك كُنهه أو الوصول إلى المفتاح الذي يفُضُّ صكَّ باب الخفية والتواري.

شابٌ ما، قد مات حيًّا في ستةٍ وثلاثين عامًا، وما زال حيًّا في مقبرة شهداء الثورة قرب مخيّم صبرا، خلفَ تلك النباتات التي تسمح لامتداداتها بتظليل قبرٍ رخامي الطلعة، يُطلُّ منه خلسةً وجهٌ غير بريء أبدًا، شامتًا بكلّ أصناف القتلة الذين ترفض نبابات الدُّفلى في فلسطين أن تلتفَّ أو تتمدّد حول قبورهم، أو حتى تنظر بعيني أفرعها نحوهم، ها هو يطلُّ الآن، وأنا أقف أمامه، أحادثه كأنّنا أصدقاء، كأنّني المقارب للستين أكبره، وهو ابن الستة والثلاثين!

لم يكبر هذا الشاب بعد واحد وخمسين عام، ما زال ذلك المتربِّعَ الشابَ الساخرَ من الدم والقبلات المزيّفة والمعنى اللفظي، الذي يصوغُ معانيه بمفرداتٍ معهودةٍ ودلالاتٍ لا تُرى إلا للعارفين بما خلف الستارة، ها هو الآن ينظر ساخرًا من تحت رخامةٍ ويسألني: هيي.. أنت... ما الذي أتى بك الآن؟

شُجيرةٌ متطفلةٌ تردُّ على السؤال، أنايَ في ارتباكٍ تتلعثم الإجابة، فأسأله: كيف لم ينضب صوتك أيّها اللئيم الحاذق؟ فيجيب: لا صوت لي أنا، بل تلك القوة الكامنة في روح الكلمات وحكمة الجينات البعيدة. وهكذا يتَّحد صوتُ غسان مع النباتات ولونِ ظلالِها لحظةَ قيظ بيروتي هبَّ في حفرة المعنى، وتشهق بِكل دهشتها نباتاتُ عكا، مدينتنا المشتركة الواقفة قبالة البحر التي لم تخشَ هديرَه يومًا حتى صارت عقدةً لنابليون والإنجليز وسائر المشرق والمغرب وجدائلِ الغرباء.

قلت له: يا غسان، أنْ أكبرك بربع قرن، فأنت لم تكبر سنًّا، وأَمَّاي فقد غزا البياض ذؤابتي ونَمتْ طحالبُ الروح على جدرانها كنباتٍ تسلّق في الخفاء والجهر، فهبَّتْ خلايا عناقيد العنب الخليليِّ، وبعضُ أسماك غزة التي تستفز الصيادين، وبنادق الغزاة. قال: أنْ لا لون للقاتل ولا شكلَ يُذكر، هو قد تنوع حتى الفضيحة، ولم يستطع طباعة أيٍّ من سُحناته على جدران قلعة مدينتنا، هناك حيث كنتُ طفلًا وأنت لم تكن، فكيف تكبرني بثلاثين؟!

ارتجَّت رخاماتُ القبر حين ذكر القلعة - قلعة عكا. صرختُ بأعلى ما بي من صمتٍ مزمن: بيروتُ لم تعد قلعةً منذ لحظة الخروج المُرّ من تلابيب أزقَّة المخيّمات المذبوحة بالحصار الخبيث المزمن، وانتصار تُجّار المخدرات على الحقيقة والثورةِ وابتسامات الصبايا الحالمات وهمومِ "أم سعد" التي علَّمت روحَك معنى البساطة وقضْمَ الجراح بمُتعةِ الاعتياد كالفستق الحلبي فهل تفهم معنى أن تكون أو أنَّى تكون؟ قد يكون ذلك في ألّا تكون جسدًا، أعني بأن تبقى روحًا وما أسهل حجيج الروح وقطع المسافات البعيدة من تراب بيروت إلى حجارة عكا التي ترقب مستقبل البحر!

المسألةُ ببساطةٍ، هي ألا تكترث للجسد، بل للفكرة؛ فالأفكارُ إن بُثَّتْ كما يجب صارت روحًا، والروح لا تفنى أو ينضب ماؤها.

ألم ترَ كيف أن مياه البحار تصعد نحو السماء وتعود مطرًا، أو لم ترَ أنّ الشهداء يذهبون وهم باقون في عين الوقت؟ ها هم قد ذوتْ أجسادُهم وبقيت تلك الأرواح ترفُّ فوق سقوف الصفيح في مخيّمات اللجوء وجدران الذاكرة الدامعة قطعةَ لحمٍ قُدَّتْ من كتف خروفٍ لحظةَ العيد، عيدِ القتلة الذي يصادف كل يوم منذ قرن خلا، مع كلّ قطر ة عرقٍ تنزف من صدر عامل بناءٍ في أصقاع الأرض وأسخانها، من بيتٍ مدمّرٍ في مخيّم اليرموك حتى كوخ شجري يحترق في غواتيمالا.

قلتُ سقطتْ كل الأمم وذوتْ النزعة الأممية، والشيوعية والوجودية والدادائية والإمبريالية والسريالية فكيف تذكر كل هذا؟ وكيف تترك ظلك ههنا وتسير نحو كوارث الآخرين بكل أناقة الشيوعي ذي السيجار الكوبي وقبعة فلاديمير وصخبِ تروتسكي؟

أتعلم؟ - قال بعد أن عدل من جلسة قبره - أعني تلك النباتات التي تهتزُّ مع كلماته - بأن جورج حبش ووديع حداد كانا ينسجان ثوبًا عالميًّا مزركشًا بروح أجدادنا، منطلقًا في مثلثاته من ثوب أمّهاتنا التراثي لمعرفتهما بأنّ هناك من سوف يسرق التطريز ومن يخطط لاقتباس اللون من رائحة الزعتر وأجنحة نوارس حيفا، بدليل أنّني قلت لوديع يومًا إنّ إرهابنا أشبه بلوحةٍ رومانسيّةٍ لفنان عاشق من العصور الوسطى، إن أنت قارنته بما يخطط له العقل الذكي الممول من القدرة المالية العالمية ومن أنظمة العرب، فقال وديع بعد أن مسح صلعته بمنديل التقطه من على طاولتي بأنني الوحيد الذي يراني أكثر لؤمًا منه، ثم دار حول الكرسي ليجلب كتفي إلى ناحيةٍ أخرى؛ كي يرى دمعتي المختبئة خلف مفرداتي الموارية التي سأخفي وراءَها عشقي للنساء وكراهيتي للدم المجاني الذي يسيل كالحليب من أثداء أمهاتنا بعد الولادة!

  • هل قرأت أم سعد؟
  • قرأتها أكثر منك.

رمى قلمه غاضبًا، وأسدل حاجبيه كَسِتارة صالةِ عرضٍ سينمائي ثم تابع، ليس المهم عدد مرات القراءة وإنما الوصول إلى لُبِّ ما يكمن خلف الحروف وصوْبَ جرار الماء الكنعانية المدفونة في عمق الأرض، فهيا ابحث عن الماء لا الذهب! الماءُ باقٍ، وأما الذهب فمهما بلغ مآله إلى التاجر الشره الذي يُكدِّسه كي يصنع جوعك/ جوعنا، لينتصر دوران الرغيف على حشود المعرفة، فلا تكن طماعًا سطحيًّا باحثًا عن الذهب؛ كيلا تكون غريبًا عن الروح/ روحك ذاتها التي تَدور بدورها لتلعن سطح الكلمات المكرورة وانتباهات الوصول إلى وهم الذهب!

  • صبرتُ عليك طويلاً، ما الذي تعنيه؟
  • سألتك هل قرأت أم سعد؟ وهل أدركت معنى أن المرء لن يصبح على وطن، فليس هناك من ينام ثم يصحو في اليوم التالي ليجد وطنًا في انتظاره، فقم أنت أيضًا مثل عنقاء تتجدَّدُ كلما ذبحتها سكاكين الغزاة والانتهاز والترهُّل، ولا تؤجّر صوتك أبدًا إلا للفكرة ذاتها، حيث تترنَّمُ الحروفُ على نغماتك أنتَ، لا نغمات جامعي الذهب.

قلتْ له: انهض قليلًا من تحت الرخام لنسير معًا في شوارع بيروت، فقال إنّما أنا روحٌ ولستُ قبرًا، فانظرْ إلى الأعلى تراني!

رفعتُ رأسي نحو السماء، ثمّةَ ضوءٌ في كبد السماء، هالةٌ من ضوء مُشِعٍّ يحوّم فوق الرخام وقد ظهرت خيوط عنكبوت تحتها تحجب بعض معالم ما خلفها، كانت حشرات الانتهاز والخطاب المكرَّر قد عشَّشت طويلًا على رفوف الضوء وطبقاته مبتسمةً ببلاهةٍ من أجل التقاط صورةٍ للذكرى في احتفالات القبور، وأغصانُ الفكرة متناثرةٌ هنا وهناك، كأنّها تلتحفُ لِحى المنافقين في كلّ خليّةٍ من خلاياها، وبعض المنافقين على الجانبين يصرخون: الله أكبر.

قلتُ لنفسي إنّني بِتُّ على سويةٍ عاليةٍ من الغباء؛ كومةُ فحمٍ تُحيطُ بي، فكيف لم ألحظ كل ذلك، وعلى أية جهةٍ أسير كقدِّيس أعمى ضلَّ طريق إيمانه بالخلود، ونثر على الطريق خلفه حبات التلاشي كمسبحة شيخ صوفيٍّ انقطع خيطُها؟

سرتُ خطوةً تجاه باب المقبرة، فتحركت هالة الضوء فوقي كأنها تظللني... تشجعتُ أكثر لأمضي نحو "مار تقلا" لأصل إلى تلك البقعة التي غيرت معالمها السنون، ولم يعد هناك، في ذلك الطابق الأرضي أشلاءُ سيارة أو كتلُ لحمٍ تشظَّت بفعل عبوة لم تكن ناسفة إلاَّ شكلًا، بدليل أن هذه الروح الحية الساخرة التي تسير فوق رأسي كهالة ضوء ما زالت تبتسمُ ساخرةً من الخطاب، وما زالت تحفر المعنى بأظافرها الحادة.

نظرَ وجهُ غسان من قلب الضوء، ليس وجهًا بريئًا أبدًا ولا مظلومًا حتى، فالمسألةُ كما قال وهو يبتسم ساخرًا من المادة بأنك حين تزدري المادة تُزهر الروح، فالعظام تتلاشى، الدم يجف، وأما الفكرة فباقيةٌ أبدًا، تتحوّل الفكرة إلى روح، وعليك أن تدفعَ العظامَ والدمَ والجسدَ كله، لا ضير في ذلك طالما أنَّ الروح باقية.

قلتُ: الأرواح لا تتلاشى.

قال: أترى؟ لم يقتلوني، أنا من قتلهم، وها هم يترنحون.

قلت: أيها المعلم الحاذق، طوبى للروح الأبديّة، ثم مضيت، وعاد هو إلى كونه، ذاك الكون غير النهائي، سيد الأبدية، الكون الذي لا يصله إلا المطهرون من الخطاب ومن حُبِّ الذهب!