يصبح الزمن أكثر صمتاً أمام تلك الأحاسيس التي تواجهُه من كل حدب وصوب؛ عندما يجلس على الكرسي الملاصق للباب، كان يقصد ذلك ففي قرارة نفسه كان يعلم أن الجلوس على ذلك الكرسي الذي يبقى فارغاً إلا من الوسادة يعني أن يشاهد ما تبقى من المنزل، كانت فتحتُ الباب كأنها هي الممر الوحيد لعبور الجنة، ماذا لو يحترق الجسر هكذا كان يقول لنفسه؟
فقد كان يعلم أنها ستنهض بعد أن ترمي ضحكتها على السرير وتمر من أمامه ذاهبةً نحو المطبخ لإعداد كوب قهوةٍ كما كل البشر هكذا كان يفترض أنها ربما تحب القهوة؛ لقد كان هذا الخيال يلهب صدره ويضطرب بشكلٍ تزداد فيه دقات قلبه نحو حلقه ليشعر بالاختناق ويفقد قدرتهُ على نفسه؛ وأكثر يفقد ثقتهٌ بالفلاسفة الذين تحدثوا عن الحب!
الهواء كعادتهِ يداعب الوردة الصغيرة على الطاولة؛ كل شيءٍ صامت إلا ذلك الصخب الجنوني الذي بداخله، يدرك في نفسه أن مشاهدة جسدها يمر من أمامه يعني فقدان التوازن، وأكثر اشتعال وجهه لتصبح وجنتيه حمراء من شدة الخجل، إن أحاسيسهُ تلك كانت شكاً يذهب به إلى الموت الواعي، وأن رائحة العطر المتناثر من هالتها يشبهُ إلى حد ما العشق لرائحة النبيذ المعتق التي يفتتن بها سكير مات حبهُ الأول والأخير، كانت لحظات بالنسبة لهً مقتطعه من الزمن، حيث كانت هي الزمن!
في أحد الأيام مرت من أمامهِ رغم حذره الشديد من أن يحدث ذلك، كانت خطواتها ثابتة لتشعر فجأة أن القدمين متحالفتين بشكلٍ سري واليدين كذلك، رغم أن اليد اليمنى تحتضن حقيبتها السوداء، التفتت إليه وشعرها المائل إلى اللون الذهبي يتساقط على وجهها، كم تمنى أن يقوم من مكانه ويزرع يديه كفلاح متمرس يزرع شجراته ويرمي ذاك الشعر إلى الخلف لتشرق الشمس، قالت له: " مرحباً"؛ كانت هذه الكلمة كفيلة بأن ينهضَ من مكانه ويركض كطفل صغير ويرتمي بين يديها ويحتضن تلك الحروف، ويبكي!
لكنه كان جباناً! فقد كان يدرك أن كلمتها تعني بالنسبة لهُ "أحبك"، ولذلك قال لنفسه بصمت خجول: " أنا أحبك أيضاً "، أزاح رأسهُ بعكس دوران جسدها، وتناثرت حروفه التي نطق بها على الأرض عندما قال لها بصوتٍ خافت: " أهلاً.. مرحبا"، وأدرك في تلك اللحظة أنه سيخسر شيئاً لم يصبح ملكاً لهُ بعد؛ تحديداً عندما أغلقت الباب واحتضنت يومها الساخن بسبب الشمس، وهذا ما جعلهُ يغار ولم يعرف لماذا؟!
ولكنه كان يعلم أن أحداً ربما يشاهدها في الشارع ويبتسم لها.
عاد مرةً أخرى واختار نفس الكرسي، رمى جسدهُ الخائف وشعر فجأة أن هذا الكرسي هو حتفهُ، ولذلك قرر للمرة الأولى أن عليه التفكير بعدم العودة إلى بيتها، حتى لو كان السبب الموت، كان يعلم أنه لن يصمد أمام دموعها، أشعل لفافته ليهدئ من روعه، وبدأ الصخب من جديد عندما أدرك أنها هي من ستصنع القهوة، يا إله العرش قال لنفسه؛ وفجأة أنقذته فكرة جعلته أكثر اضطراباً: " ماذا لو طُلب مني أن أقوم وأستلم منها القهوة!"
شعر بالغثيان وتمنى لو يركض نحو الباب ويهرب، ولكن فكرةٌ جديدةٌ ساعدته على أن يهدئَ من روعه "ربما تقولُ لأحدهم أن يقوم بإرسال القهوة"، كانت تُشعل الغاز بشكلٍ لطيف هكذا تخيل المشهد، ومن ثم تضع وعاء القهوة المليءَ بالماءِ بخفة؛ وهنا قال لنفسه: " ليتها تدرك النار بداخلي وتقوم بإطفائها"، بدأت تُحرك القهوة داخل الوعاء وانساب مع المشهد حد أنه لم يعد يتذكر لماذا جاء هنا اليوم، الآن تذهب بالمعلقة نحو اليسار حتى تذوب القهوة داخل الماء، أما الماء عندما ذهبت المعلقة نحو اليمين كان بارعاً في أن يختطف القهوة لأنه أصبح أكثر حرارة بسبب النار المشتعلة تحته، وذلك ما جعل الضحكة ترتسم على وجهه قائلاً بعد ذلك لنفسه: " هكذا يحدث مع قلبي عندما يراها".
سقطت كل خيالته حيث الآن أقدامها تتوجه نحو المكان، وجسدها يغازل القهوة التي بين يديها، بقدمها اليسرى توقفت بجانبه، وقرر فجأة عندما شاهد بنطالها يغازل قدمها أن عليه ألا يرفع رأسهُ مطلقاً، وبحركة غريبة أمسك الهاتف وبدأ يلعب به بشكلٍ عبثي، وذلك لم يمنعه من الحزن لأنها لم تكن تضع عطرها اليوم، بكى دون دموع إنه بكاء العشق، قالت لهُ: "تفضل"؛ بيديه المرتجفتان كأنهما يدان لشابٍ يحمل تابوتاً ثقيلاً لشخص لم يحبهُ يوماً تناول الفنجان، ولكنها ضحكت ليس سخرية بل لأنه لم يتذكر الصحن الخاص بالفنجان، فهو لم يشاهدهُ من الأساس، لقد كان النسيان هنا نعمة لأن من بين شفتيها خرجت كلمات كانت تعني لهُ الاهتمام، حيث قالت: " ضع الفنجان على الصحن"، فعلها دون أن يسأل لماذا، كان يكفي أن يأخذ الفنجان ويضعهُ على الطاولة، لا حاجة للصحن الصغير هنا، إنها عادات لا معنى لها، لم يفكر في هذا الأمر طويلاً تناول الصحن ووضعه على الطاولة وعيناه تراقب القهوة السوداء تتحرك ببطيء داخل الفنجان، وقال لها: " شكراً على القهوة"، وردت قائلة:" عفواً"، ولكن شيء ما مزق قلبهُ قطعاً صغيرة حيث لم تلتف إليه، أشعره هذا الموقف ببرد لا يطاق رغم حرارة الجو، لم يكن يدرك أنه خائف الآن، قال لنفسه مخاطباً قلبها:" انظري هنا أنا أتألم، طفلتي أنا لستُ بأمان، انظري، انظري..."، لكنها وضعت الصينة على الطاولة وعادت لتداعب ضحكتها على السرير كما كان يتخيل، لقد كانت هذه اللحظات خيبتهُ الأخيرة التي ستسرع عجلة القلم على الورق للبوح بما يفكر القلب رغم نزفهِ المستمر.
كان كل شيء يجري دون ضجيج في الخارج، والجسد هو الآخر لا يتحدث، كأنه جثة نائمة في قعر البئر لولا ذاك الإحساس الذي يشبه زوبعة كبيرة في فنجان صغير، وهنا تذكر القهوة، أشعل لفافته وانساب مع الدخان الذي يُشاكس حدود المكان، قال لنفسه: " الدخان عندما يتحرر من بين الشفتين يتغير لونه ربما لأنه يصبح أكثر حرية"، وشكر نفسه قائلاً: " جيد أنني أختصر الحديث معها"، كان خائفاً من أن يصبح الحديث طويلاً حتى لا يتورط بحركة غبية ويرمي رأسهُ على كتفيها ويغفو وهو يستمع إليها.
انتهى من القهوة، نهض من سجنه الذي وضع نفسهُ بداخله، قام بفتح الباب ليداعبه الهواء الساخن، وقال لنفسه: " وداعاً يا شجرتي"، كان يتخيل أنها تسمعهُ، فتح عيناه وجعل الجسد يقودهُ، شعر في تلك اللحظات أنه كان مسجوناً في قبو.
لقد تحررت قال لنفسه، لامست قدماه الطريق، كانت قدماهُ متعبتان بسبب أنه كان سجين دماغهُ، وقلبهُ، وقال لنفسهُ: " الحب خطيئة هنا كان عليَّ أن أخجل من هذه الخطيئة، واليوم أنا بحاجة للتكفير عنها، انها صغيرة أمام العالم تلك الفتاة بالنسبة لي، ولكنها كبيرة على القلب"، يخاطب نفسه محاولاً أن ينقذ قلبه المتهالك، بل الآيل للسقوط، وأكمل يقول: "المشكلة أن القلب لا يحسب على الآلة، المهمة هنا للعقل، وأنا فاقد للعقل، قلبي يقودني دائماً".
أخرج علبه السجائر, أشعل لفافته، وقرر أن يضع يديه خلف ظهره؛ وأنه لا يريد مشاهدة الدخان يتطاير في الفضاء الحر، كان يحسد الدخان، وفجأة انتابه شعور غريب عندما أصبحت أنفاسه تتصاعد إلى صدره بشكلٍ قوي لتصدر صوتاُ مقلقاً، وفي تلك اللحظة توقف عن المشي محاولاً السيطرة على أنفاسه كان يعلم أنه ليس وقت الموت، وأدرك أن هذا الشعور يعني الشيخوخة فقد لأحظ أنه مر من أمام بيته قبل قليل ولم يتذكره، قال لنفسهُ وهو يضحك بصوتٍ عالٍ: " لقد كبرت أيها الفتى، فعلتها تلك الإنسانة، لقد تمكنت من قلبك إلى الأبد، وتبقى عليها شيئاً واحداً أن تجعل منك شخصاُ غير قادرٍ على إشعال لفافته، وهذا يكفي لتصبح على حافة القبر".
جلس على قارعة الطريق بعد أن كان يقوده إحساسه بالأشياء، فالأفكار كانت تركض خلفه لاهثة، وبعد وقت من الزمن لم يحسبه في دفتر حياته نهض من مكانه وقرر أن يصنع حبلاً على شجرة البلوط التي كان يستظل بها عندما يقرأ ويشنق نفسه للأبد، لقد أدرك أن معنى الوجود قد انهار، ولذلك قرر أن يواجه الموت بدلاً من الحب، لأنه كان يعلم أن الحب سيقوده إلى الموت حتماً، فقد كان قلبهُ زاهداً عن الخطيئة، وفكر أن عليه اختصار الموت البطيء بالموت السريع.
أصبحت خطواته ثقيلة على جسده كأنه يحمل جبل هيروديون* بين كتفيه، وقال يخاطب السماء: " وددت لو أن هذه اللحظة لم تحدث للأبد، ماذا فعلت في هذه الحياة؟
لقد خلقتني حتى أموت، ولكن قبل ذلك كنت تريد أن أعيش، ولكن ها أنا أموت قبل ذلك!".
وأكمل يقول: " أنا أستشير قلبي في كل شيء، وأنصِت إليه جيِّدا إنه صادق، ولذلك أنا لم أنظر إليها لقد كنتُ عادلاً معها. كان لهذا ثمن أنا أعلم ذلك، ولكنه ثمن كبير جداً، أنه الوداع الأبدي لا الطبيعي، أعلم أنك تسمعني، وكنتُ أشعر فيك كثيراً عندما تقوم بإنقاذي، إنني بحاجتك الآن، ثق بي كما أثق بك رغم أخطائي".
نظر بعينه الممتلئتان بجسدها إلى الشجرة، وقرر أن يعلق الحبل على الجذع الأكثر نضوجاً، وابتسم لأن الجذع كان لونه الأخضر أشد من الجذوع الأخرى، أسند ظهره على قاع الشجرة وبدأ بصناعة الحبل، ولكن ما زال شيء خفيف في قلبه يخاطب السماء، انتهى من صناعة الحبل دون أن يفكر بشيء كأن يكتب وصيته لها مثلاً، ولكنه بكى.. بكى.. بكى في تلك اللحظات التي كان يقوم فيها بصناعة الحبل، وفجأة شيء ما لامس كتفيه، تجمد في مكانه، عيناه أصبحت أكثر اتساعاً، وسأل ودقات قلبه تدق بقوةٍ: " هل جاءت؟
هل وصلها قلبي الذي كان يُناجيها؟ هل سمعتني؟
وأردف يقول والدموع تركض من عينيه بغزارة، وقلبه أصبح أكثر رهفه: " شكراً لك.. شكرا لك، لقد كنتُ سأموت بسبب هذه المحنة"، وبحركة مليئة باللهفة أزاح رقبته ليشاهد ذلك الشيء ليكتشف أنه جذع الشجرة الذي كان سيعلق عليه الحبل قد سقط ولامست ورقاته كتفيه، أدرك رغم انهياره وخيبته أن إشارةً ما جاءت لإسعافه، وتذكر جملة كان قد قرأها في أحد الكتب والتي تقول: " لقد وقعت في كل المصائد التي نصبت لي، ليس لأنني ضعيف، بل لأنني خجول*"، قام يقذف الحبل بعيداً، وأمسك حجراً صغيراً وبدأ بتدوين بعض الكلمات على الشجرة:
"الخامس من أيلول، كان هنا إنساناً يقارع الموت بقلبه، لا تفعل مثله، لا تعلق الحبل على الشجرة، الدموع ستنتهي بعد برهةٍ من الزمن عليك، ستعود الحياة إلى طبيعتها، وتذكر أن الحب ليس خطيئة إذا كنت قادراً على الزواج، حارب لأجل تلك المرأة التي تستحق ذلك، وكن حذراً من الخجل حتى لا تدفن مشاعرك للأبد داخل مقبرة الخوف".
انتهى من خط الكلمات التي كان يكتبها على الشجرة، ونهض بجسده الهادئ وفتح يديه للريح، وصرخ ضاحكاً يقول:" لقد انتصرت عليكِ أيتها الفاتنة، لن أسحق قلبي الخجول بعد الآن، ولكن سأجعل عقلي يسبقهُ، ها أنا قادم لأجلس على الكرسي المقابل للباب، قومي بإعداد القهوة التي مراراتها تشبه مرارة غيابك رغم طعمها الجميل"، ولكنه لم يكن يدرك وهو يقول هذه الكلمات أنها كانت تقوم بحزم حقائبها، فقد قررت أن تُهاجر إلى الأبد لبلد أخر.
***
*جبل هيروديون أو جبل فريديس أو جبل الإفرنج: هو مرتفع صناعي مخروطي الشكل كالبركان، قطره 100 م، يقع شرقي مدينة بيت لحم في فلسطين المحتلة، يبلغ ارتفاعه 758 م عن سطح البحر، وهو يشرف على مدينة القدس ، ومنطقة الأغوار وما حولها، ويبعد عن بيت لحم 6 كم، أقامه هيرودوس الكبير (72 – 4 ق.م)، أواخر القرن الأول قبل الميلاد، وجعله حصناً منيعاً محاطاً بخندق يملأ بالماء، ووراء الخندق سور مستدير حول المنطقة، بني بالحجارة الضخمة، وأقيمت فيه أبراج للمراقبة، وبنى حوله مدينة أطلق عليها اسم (هيروديا)، وزينها بعدد من الحدائق وبرك السباحة.
الجدير بالذكر أنه اكتُشف ضريح الملك هيرودوس في تل الفريديس بتاريخ 8 أيار 2007م، ولا يمكن الجزم بحقيقة هذا الاكتشاف، وقد قامت السلطات الإسرائيلية بنقل ضريح الملك هيرودوس إلى متحف في الجامعة العبرية بالقدس، بدعوى الحفاظ عليه، وفي يوليو 2020 سيجت سلطات الاحتلال الإسرائيلي الجبل وعزلته عن الجوار الفلسطيني، في إجراء شمل أيضا إغلاق طريق تاريخي يشق المنطقة وصولا إلى البحر الميت والمسمى بالطريق القديم.
*الجملة "لجان جاك روسو" في كتابة "أحلام يقظة جوال مُنفرد".

