Menu

رحلةٌ ما بين مخيّم وكامب...

مريانا أمين

حين نسمعُ كلمة كامب "camp" في اللغة الأجنبيّة يفرح القلب وينتعش ونشعر فورًا بالاشتياق للنوم في أرجاء الطبيعة، ننعم بمخيّمٍ صيفي شبابي يؤمن لنا الاسترخاء بجوٍّ مرح، يتخلّله صوت العصافير وبعض الموسيقى نستمتع بسماعها، ونحن نشرب كوبًا من الشاي، وكأنّنا نعيش وحدنا على هذا الكوكب الفسيح.

لكن! عندما ندمجُ كلمة كامب نفسها مع كلمة فلسطيني "camp palestinien" ونسمع العبارة، إن كان على "الراديو" أو التلفاز أو حتى نقرأها بمقالٍ هنا ومقالاتٍ هناك في مجلّاتٍ وصحفٍ عربيّةٍ وأجنبيّة!

يرتجفُ القلبُ خوفًا وقلقًا قبل معرفة محتوى الخبر وما سيقال، فربط هاتين الكلمتين يشعرنا بإحساسٍ مؤلمٍ غريب، يعبّر في العمق عن تشريد شعب، وعن انتزاعه وسلخه من أرضه وتشريده خارج حدود بلده.

كلمة مخيّم فلسطيني يعني الاستبداد والقهر والتجويع ومحاولة الإذلال بانتهاك حقوق شعبٍ بكامله وانتهاكٍ صارخٍ للعدالة الإنسانيّة والمجتمع الدولي وقراراته الأمميّة، والتنصّل من كلّ القيم والأخلاق الشريفة.

إنّ اقتران كلمة كامب بكلمة فلسطيني يعني التذكير بعام 1948، وبكل المجازر التي ارتكبت بحقّ مقيميه من قبل أشرس احتلال، وأفظع الممارسات الإرهابيّة والقتل الجماعي بحقّه، دون التفريق بين مدني وعسكري وبين شيخ وطفل وبين عجوز وصبيه.

في ذاكرتنا انحفرت هاتان الكلمتان لنعرف أنّ العدوان ما زال مستمرًّا باستمرار إرادة شعب وغياب الأمم المتّحدة عن الساحة، لتصبح شاهدةً على مأساةٍ إنسانيّةٍ متواصلةٍ منذ أعوام، وحتى اليوم، دون أن تحقّق شيئًا لشعبٍ مشرّد، لا خيمة تأويه.

هذه الأمم جمعاء التي تنحاز للمعتدي، وتجرّم المظلوم لتترك شعوبًا تتخبّط بآلامها وتُنشد النضال وتعيش على الأمل بيوم موعود لا بدّ أن تتحقّق فيه الحريّة والنصر!

هل يعلم العالم أجمع، أنّ في داخل كل خيمةٍ أناسًا من جميع الأطياف لن تنسى أرضها وديارها، بل بقيت تعبّرُ كلّ يومٍ عن حالة مصادرة الوطن والإنسان بتاريخه وجغرافيته، ومفاتيح البيوت ما زالت تورّث من الأب إلى الابن إلى الحفيد في مخيّم لم يجمع القرى، بل جمع الشتات.

وإلى من لم يزر المخيم من قبل، فليعرف أنه عند الدخول إليه لم يعد باستطاعته رؤية السماء، فالأشجارُ غائبةٌ والقمرُ غائبٌ ومقوماتُ الحياة سيئةٌ للغاية؛ فالنظامُ الصحي المهترئ تداهمه كل شتاء مياه الفيضانات ليصبح أقرب إلى مدن الأكواخ بازدحامٍ بشريٍّ كثيف، ولكنّه أسهم في حماية الذاكرة الفلسطينيّة، ونقل رواية اللجوء والنكبة من جيلٍ إلى جيلٍ بين جدرانه.

وهل ينسى العرب أنّ المخيم يحتوي على شعراء وأدباء وكتاب ورسامين ونحاتين...؟! هل ينسون

أنّه شعب متجذّر في التاريخ ومن أذكى الشعوب فلائحة، الفلسطينيون الذين أسسوا البنوك وقاموا بأعمالٍ تجاريّةٍ ضخمةٍ في لبنان والشرق؟!

أما الخطأ فهو خطأ الجميع وعلينا أيضّا - نحن الكتابَ والصحفيين والإعلاميين - ألا نتكلّمَ عن المخيّم عند حصول مشاكل ومناكفات بين الفصائل، لنجعل العالم يسمع عنهم فقط وكأنهم قوات عسكرية؛ أو مجموعات متناحرة! ولا نسلط الضوء باستمرار على ما تحتويه هذه المخيمات من مثقفين وأدباء وفنانين، كما أن في الأرض التي يقيمون عليها لا تتاح لهم فرص الانتشار كي يتعرف عليهم العالم.

ختام القول؛ صحيح أن لكل عائلة في المخيم غرفة واحدة فقط مهما بلغ عدد أفرادها، إلا أنّ أطفالهم الذين يكبرون ويكبر معهم المخيم ككبر حبهم ل فلسطين وأمنيتهم العودة إليها.

أجل يكبرون على حب العائلة وحب الوطن وألفة الجيران فهمهم واحد وهدفهم واحد، ألا وهو الخروج من مخيّمٍ والرجوع إلى وطن فيه "كامب" صيفي يلهو فيه أطفال فلسطين وشبابهم كلّ صيفٍ تحت ضوء قمر القدس ويافا وحيفا والجليل...