يقول صديقي الأديب وطوفان غزة يُغرق كل ما كتبناه:
اكتب وفاءً للشهداء، وشاهداً للتاريخ.
ماذا أكتب والصفحات أضيق من الكلمات؟.. حروفنا ساكنةٌ، وأقلامنا عمياء، لا فرق في رمل الكثبان بين قمة وقاع، أي لغة ستحيط بمشاعر طفل يحمل حقيبته المدرسية على ظهره، وهو يخبئُ فيها أشلاء أخيه؟!.
ألا ترى يا صديقي أن لغات العالم تختنق الآن بأنفاس من يصرخون تحت الركام؟!. وعقولهم لا تُصدق ما تراه عيونهم كيف عين الحرية تقاوم المخرز ولا تنطفئ؟ وأن ماء الطوفان تصعد التلال وتسقي الغيم!.
كيف أكتب؟ وغزة تسطر الآن قصيدة الثأر المؤجل منذ أكثر من سبعين عاماً.. قصيدة ليست على بحور العرب، ولا هي موزونة على تفعيلات الردة ومجازات وجهات النظر!. قصيدة كُتبتْ على وزن المحيط! صدر بيتها شروق شمس لا تُشبه شموس من وقفوا على أطلال الغابرين، وعجزه عجز مآذن /57/عاصمة تتدلى أعلامها نادبة على مقاعد عصبة الأمم!..
لا يكسر غزة انكسار بيت، ولا شطب عائلة من سجل الحياة! كل ما قالته لذوي القربى: ومن في حكمهم: أنا أكتب تاريخي بقلم أحمر لا يشبه أقلامكم، كتبتُ وأكتبُ ما أشاء حين أشاء. فما أنتم كاتبون؟!.
نوارس بحر غزة قالت كلمتها، مزقت أشرعة المراكب، وزَرَقَتْ على مدافع البوارج.. ويمام بيوت غزة عشش في طيات الدمار.
ماذا نكتب وعاشق من بيت لاهيا يحمل عبوة "شواظ" ويتسلل خلف الميركافا، كتب على زنده:
عذراً حبيبتي إن متُّ بعد قليل!..
لمن نكتب بعد أن قال طفل لصحفي: نحن أطفال غزة لا نحلم بغدٍ، لأننا لا نكبر فالطلقة بانتظارنا من باب البيت إلى باب المدرسة!؟..
في غزة سماء تحت الأرض تمطر للأعلى براكين إلى ما بعد الغيم وترقص دبكة (ظريف الطول) فتهتز ساحات المغتصبات.
في غزة تمشي الطرقات تحت الموت المسربل بالحديد والدروع، يرتعد القاتل من إصبع مطوي على زناد خلف نافذة؛ أو من صوت مناغاة طفل تبحث كفه عن ثدي أمه القتيلة.. يموت الموت ويبقى الطفل يرضع من المسافة صفر!..
أنا هناك إنسان من مليوني فلسطيني ومعنا ملايين أخرى فوق وتحت خط الاستواء، نبتنا في أرض بلا زرع، كأنها ليست من أرض الله، فصرنا في سجلاتهم أرقاماً مشبوهة على حدود بلاد العرب!.
ما قبل الطوفان مددتُ يا صديقي النظر من "إيريز" إلى رفح فلم أجد فرقاً بين بندقيتين ومعبرين!.. أنا اليوم لا أبكي الجوع وقهر الحدود، ولا من قلق الوجود النازف أبداً من روحي مذ قال لنا أبي: لا كرامة لمخلوق بلا وطن!.. بل يقتلني الآن (نصف الدفءِ، ونصف الموقف يقتلني أكثر).
بحثتُ طويلاً في ركام لغة القادة والسادة عن مفردات الشهامة والكرامة!.. فما وجدت إلا فتات حروف تقافزت خارج السطر وأطبقت على معاني الكلام.. قالت طفلة أعياها نداء الاستغاثة: كم هو ملعون من يشتكي العتمة وفي يده عود ثقاب؟! فلا نامت أعين الجبناء؟.
أنا يوسف من فوق الجب أناديكم يا أبناء أبي!.. قالوا: أفسدتَ علينا مواسم الترفيه والحج وعيد ميلاد السفير يا بْنَ أمك!..
لا تلمني يا صديقي، لا قلم في يدي ولم أكتب شيئاً، فثمة رجال هناك يكتبون بدمهم على الأرض وفي السماء وبكل اللغات: فلسطين أم البدايات وأم النهايات..

