هكذا، إذ تحققت النبوءة بوقار وأناقة، في زمن لم يعد فيه الرحيل يطرق على الأبواب ويستأذن أحد، بل يأتي من كل زوايا الصمت الذي يصم الآذان، حيثُ الإبادة، وأوجاع المقهورين، وآلم المخيم، والجوع، والتشريد، بل والحزن الذي لا يعرف الدُفعات كما قال الشهيد "أحمد بدير" قبل رحيله، وهنا ومن صلب الحزن الذي لا يعرف الُدفعات رحل الشهيد "عبد طناني" في غزة التي تقرع جدران الخزان بمطرقة الحرية، رحل عبد دفعة واحدة، وللأبد، رحل في زمن ديكتاتورية الحرب، والموت، وسطوة الطائرات، وقصف المدافع، وانهيار الستار الحديدي لعرش النظام الرأسمالي.
لا بأس إذن، إذ القضية تبقى تدق كلماتها كما كانت من قبل، حيثُ القضية ليست قضية الميت، إنها قضيتنا نحنُ المنتظرين دورنا بمرارة، هكذا كان يُفكر الأديب الشهيد غسان كنفاني ، إذن؟، رحل عبد وبقيت الحرب، واستمرت الطائرات بالقصف، وأصبح الزمن يدور في فلك الإبادة، رحل عبد المتراس الصلب الشاهد على أن الوطن إلا يحدث ذلك كله، فالحرب تحصد الأحباء من أرضنا بكل وحشية، وعبد كان وما زال، وأكثر سيبقى من الأحباء، رحل عبد العاشق لفلسطين كل فلسطين التاريخية حتى الثمالة، ولكن أمام مشهد الرحيل على خشبة مسرح الموت يبقى السؤال لنا، القصد نحنُ المنتظرين دورنا: " ماذا بعد؟"، وهنا علينا أن لا نحلم بالإجابة، بل علينا أن نعمل للبحث عن حقُنا بالإجابة.
لعلّ عبد طناني هو الأكثر فرحًا داخل صندوق الرحيل، إذ كان شاهدًا على الحرب التي نشبت لاستعادة حيفا، وأكثر كان شاهدًا على تفتيت زمن ثقافة الهزيمة، والتطبيع السائل، والتعايش السلمي، والحرية المغلفة داخل الصناديق الأمريكية، بل وكان شاهدًا على وضوح الصورة، إذ انهزمت الصورة الرمادية لاحلام الشعب الفلسطيني، واندثرت مع أول قطر ة دم سقطت في غزة، وأصبحت تلك الصورة تحكي الحقيقة كل الحقيقة، حيثُ لا حياد في الحرب، أما مع فلسطين وأما لا كما قالت الأسيرة المحررة رلى أبو دحو، وفي زمن وضوح الصورة، في زمن سوداوية الاستعمار الذي كشّر عن أنيابه، وفي زمن الصورة البيضاء للإنسانية الفلسطينية تحديدًا، رحل عبد طناني وهو مؤمنًا أنهُ يدفع حصته في سبيل هذه الصورة.
ربما كان عبد مقتنعًا أن مأساة الموت هي أكثر رفاهية من ملهاة الحياة تحت الحصار، لربما أكثر قد انتهت حلول الأرض بالنسبة لعبد، ولذلك قرر أن يخوض تجربة لا تخضع إلا لجدلية العود الأبدي، هي التجربة التي لا يمكن أن تعود لها من جديد، إذ الموت هو اللعبة الأخيرة، حيثُ هنا تتجلى جدلية الخلود الأبدي للإنسان، وعبد قفز من روحه إلى السماء دون تردد باحثًا عن حقه بالخلود، وأكثر ليقول للعالم المليء بالبؤس: " نحن هنا"، بل وأكثر ليقول: " نحن نستحق الحياة"، ولذلك بدأ يعبث مع الموت، ومشاكسه الرحيل، والوداع، ولكن هي اللعبة هنا كما القنبلة اليدوية عندما تنزع صمام الأمان لا مكان للتراجع.
نحن نُجدف بالكلمات عن عبد لعلّ قشة صغيرة نعثر عليها حتى لا نغرق ونحن نسبح داخل الحزن، وهل سنعثر عليها؟، نعم !، لنقرأ وصية عبد وسنعثر على القشة، إذ يقول عبد طناني في وصيته: " إذا متنا ظلكم تذكرونا، لا تخلونا أرقام"، وهنا تحديدًا، وفي هذا السياق لنقتبس كلمات الشهيد باسل الأعرج لعلنا ننجو، إذ يقول باسل: " من الصعب أن تكتب وصيّتك ومنذ سنين انقضت وأنا أتأمل كل وصايا الشهداء التي كتبوها، ولطالما حدثتني تلك الوصايا، مختصرة سريعة مختزلة فاقدة البلاغة ولا تشفي غليلنا في البحث عن أسئلة الشهادة، وأنا الآن أسير الى حتفي راضيا مقتنعا وجدت أجوبتي، يا ويلي ما أحمقني، وهل هناك ابلغ وأفصح من فعل الشهيد، وكان من المفروض أن أكتب هذا قبل شهور طويلة، الا أنّ ما أقعدني عن هذا هو أن هذا سؤالكم أنتم الأحياء. فلماذا أجيب أنا عنكم، فلتبحثوا انتم، أمّا نحن أهل القبور فلا نبحث إلا عن رحمة الله".
إذن، وجد عبد طناني أجوبته، وما زال البعض يحاول التفكير بالسؤال، والبعض الآخر يتحايل على السؤال، أما عبد طناني، وأحمد بدير، وباسل الأعرج، ومهدي أبو عياش، وغسان كنفاني، ووليد دقة، وكل الشهداء، هم فقط، من استطاعوا انتزاع الحق بالإجابة، كأن التفكير بالسؤال كان لديهم جريمة تُرتكب بحق الإجابة، ولربما كانوا مقتنعين أن التفكير شيء سخيف عند اقتطاف زهرة الإجابة، فالذهاب حتى الرمق الأخير إلى ناصية الإجابة، لا يجيدها إلا هؤلاء الشهداء، ونحن المنتظرون علينا التعلم من الدرس، درس الدم.
دُفن عبد طناني قطعة واحدة، كما تمنى، إذ استطاع أن يفقد العائلة، والأحباء، ولكنه رفض عند الموت أن يفقد أي جزء من جسده، وأرتمى في حضن التراب دون أن يعيش داخل القبر فاقدًا، هكذا تقول صفحة "تقدمي" عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويبقى السؤال :" لماذا كان يتمنى أن لا يموت فاقدًا لاطراف جسده؟"، أنه سؤال يستحق الإجابة، لربما كان يستند على جسده رغم التعب والإرهاق، وأثناء الركض إلى الأحلام، لربما أيضًا كان يعشق سيادة الجسد، ولم يعش في سوء فهم مع هذا الجسد، لربما !.
عُد عبد حتى تُخبرنا عن لغز الجسد لديك، إذ نحن ما زلنا باقون وبحاجة للإجابة، ولكن لربما نحن الباقون علينا أن نذهب إليك، وحتى اللقاء سلام عليك..

