لم يكف العدو الصهيوني وأركان حكومته كما داعميه وحلفائه، منذ بدء عملية طوفان الأقصى، من تأكيد أن الحرب المُشنة هي حرب وجود، وهذا القول لم يسبق لأركان العدو أن أعلنوه وكرروه، كما هو الحال منذ عشرة أشهر، بما يؤكد وعي العدو وحلفائه أن ما جرى في السابع من أكتوبر، كان حدثًا تاريخيًا نوعيًا، في فهم ووعي العدو لذاته أولًا، التي لم ينثلم ردعه فحسب، بل دكت أساساته بقوة أيضًا - دون التوهم بقرب انتهاء المعركة التاريخية معه، أو التقليل من قوته وحلفائه - وكذلك ثانيًا، في تعريفه للآخر في المواجهة المباشرة؛ أي الفلسطيني، الذي انتقل من حالة الدفاع عن النفس والحق، إلى حالة الهجوم الواسع والمباغت والمُكلف، وهذا الأمر يدعونا، لضرورة الوعي أكثر من عدونا وكل حلفه المعادي، من غرب وعرب، بأننا نحن المعنيين أكثر من غيرنا، بحرب الوجود هذه، التي عملت وما زالت تعمل، لانتزاع الوجود الفلسطيني؛ المادي والاجتماعي، من حيزه الجغرافي الطبيعي، أي أرض وطنه، وهذا ما جرى جزئيا في سنة ١٩٤٨، وما تأسس وجرى فيما بعد من خلال الحروب والاستيطان والضم والتهويد والمجازر والتضييق والحصار والخنق الاقتصادي والاجتماعي والنفسي، وصولا لحرب الإبادة الجماعية، والتي تهدف إلى افقاد أهل غزة كل مقومات الحياة، وبالتزامن مع ذلك، ودون فصل بالمطلق، يجري استهداف تجمعات ووجود شعبنا وقادته ومناضليه، في مواقع اللجوء والشتات والإقامة المؤقتة... بما يعني أنها الحرب الدائمة التي تستهدف الفلسطيني في كل مكان، كما تستهدف كل من يقف مع شعبنا وقضيته ويدعم نضاله؛ فعلًا أو قولًا، وهنا يتحدد جوهر وطبيعة الصراع مع العدو، بكونه صراع ذو طبيعة شاملة ومفتوحة، يصطف معه كل من يؤمن بعدالة قضيته وحقوقه كاملة، وفي مقدمتها أمتنا العربية وأحرار العالم كافة، وفي طليعتهما شعبنا الفلسطيني. هنا فإن اغتيال أي قائد فلسطيني - مهما بلغت أهميته وحجم خسارته - هو من طبيعة الصراع ذاته، الذي يجددها ويغذيها الجوهر العدواني - الاقتلاعي - الإبادي للمشروع الصهيوني وعليه، فإن التعاطي مع الصراع الوجودي بعقلية انفعالية أو ثأرية، هو وصفة جاهزة، لاستمرار الوقوع في الخطايا الكبيرة، أو ردات الفعل القصيرة، في حين أن المطلوب هو امتلاك رؤية واضحة واستراتيجية فعّالة وأداة جماعية منظمة وامتلاك زمام المبادرة باستمرار.. فإذا كان هدف العدو هو إخراج الواقع الاجتماعي الفلسطيني عن أنساق تطوره الطبيعي على أرض وطنه، أو استمرار الارتباط به والتواصل الوجداني معه، فإن حفظ الوجود؛ يصبح هدفًا لا يعلوه أي هدف، وبوابة ذلك؛ حفظ ذاكرة شعبنا الجماعية وتوازنه الداخلي، وترسيخ وعيه الوطني الجمعي، والامتلاك الجريء لمقومات وحدته الوطنية التي لا يمكن أن تتجاور فيها المقاومة والخيانة أو تتعايش معًا؛ فالمقاومة هي المعادل الموضوعي لوجود العدو/الاحتلال، أي المعادل الموضوعي لحفظ الوجود، في حين أن الخيانة ومسارها المستمر، هدفها ضرب هذا الوجود وجعله في صالح العدو التاريخي لشعبنا وأمتنا وأحرار العالم.
المجد والوفاء للشهداء.. والنصر حليفنا حتمًا.

