يشدد جيش الاحتلال الصهيوني ضغطه على المؤسسات الصحية في قطاع غزة، إذ بعد مهاجمة جنوده ودباباته العسكرية مراكز الإيواء في مخيم جباليا ومحيطه، يحاول الاحتلال تفريغ شمالي القطاع من السكان قسرياً، ويطالبهم بالتوجه عبر "ممرات الموت" إلى مدينة غزة وجنوبي القطاع تحت دوي القنابل وزخات الرصاص، تزامناً مع ذلك اقتحمت قوات الاحتلال مستشفى كمال عدوان في حي مشروع بيت لاهيا، إلى جانب محاصرة مستشفيي العودة والإندونيسي في تل الزعتر عبر الإطباق الناري الكامل.
أظهرت مشاهد الدمار الذي خلفه جيش الاحتلال بعد انسحابه من مستشفى كمال عدوان ظهر اليوم، والذي اقتحمها ليومين متتالين بهجوم مغطى نارياً بالمدفعية على الأرض والطيران في السماء، مدى ساديّته، وفضلاً عن اعتقال الاحتلال لعدد من المرضى والكوادر الطبية والنازحين والقصف الذي استهدف أقسام العناية المركزة، كشفت المشاهد المصورة الأخيرة من قلب "كمال عدوان" انتشال أكثر من 40 شهيداً في المستشفى ومحيطها، إضافة إلى التجريف الواسع الذي طاول الجدران والساحة، وذلك بعد حصارها نحو 3 أسابيع متواصلة.
ويُشار إلى أنّ قوات الاحتلال قد انسحبت من مستشفى كمال عدوان في توقيت نشر هذا التقرير، بعد أن كانت قد فرضت عليه حصاراً مشدداً لنحو ثلاثة أسابيع، وتسببت في استشهاد عدد كبير من المرضى والكوادر الطبية والنازحين، فضلاً عن تدمير أجزاء من المستشفى بشكل كبير.
وفي ظل استكبار الاحتلال وتمعنه في إجرامه، أحرقت قواته ليلة أول من أمس، المنازل والمركبات أمام مرأى ومسمع قافلة الأمم المتحدة و"منظمة الصحة العالمية" المحملة بكميات من الوقود اللازم لتشغيل المستشفى ومستلزمات طبية أخرى، يكشف أعلى مستويات الضغط الذي يستخدمه الاحتلال ليثبت إصراره على تنفيذ "خطة الجنرالات" الذي يسعى من خلالها التهجير القسري للسكان، واستماتته لتطهير مساحة جغرافية لا تتعدى عشرات الكيلو مترات، وفي موازاة ذلك يصمد الأهالي هناك ويتعاهدون بالبقاء، ويرفضون التهجير والإخلاء.
وتكراراً لسيناريو مهاجمة مستشفى "الشفاء"، الذي أخرجه الاحتلال عن الخدمة بعد تدميره في شهر آذار/ مارس الماضي، وفور مغادرة القافلة الأممية لـ "كمال عدوان"، تقدمت الآليات وطوقتها نارياً تزامناً مع إطلاق قنابل المدفعية وإطلاق النار من مسيرات "الكواد كابتر"، وبعد ذلك اقتحمتها، وأجبر جيش الاحتلال الرجال بخلع ملابسهم واعتقلوا عدداً منهم، واحتجزوا الكوادر الطبية ومدير المستشفى الدكتور حسام أبو صفية في غرفة واحدة، ونكلوا بالمرضى والنازحين داخل المستشفى، مما أدى إلى انقطاع الاتصال بهم، بل وأحرق الاحتلال مركبات إسعاف تابعة لوزارة الصحة.
وفي ظل تسعير جيش الاحتلال عدوانه على المستشفيات، يقول مدير المستشفيات الميدانية بوزارة الصحة في غزة الدكتور مروان الهمص، لـ "بوابة الهدف الإخبارية"، إنّ "رائحة الموت تفوح في محيط مستشفى كمال عدوان"، مبيناً أنّ "قوات الاحتلال أتلفت الأدوية في المستشفى لمنع إنقاذ الجرحى".
ويضيف الهمص: "لا نعرض مصير أفراد الطواقم الطبية الذي اعتقلهم الاحتلال أثناء اقتحامه للمستشفى"، مطالباً بالتدخل العاجل خصوصاً من منظمة الصحة العالمية لإخراج الجرحى من القطاع بأسرع وقت ممكن لإنقاذ حياتهم.
بدوره، يؤكّد المدير العام لوزارة الصحة بغزة منير البرش، في حديثه مع "بوابة الهدف الإخبارية"، أنّ "قوات الاحتلال اعتقلت كافة الكوادر الطبية من المستشفى، باستثناء الإناث ونقلهم لمكان مجهول"، مبيناً أنّ "قوات الاحتلال أبقت الإناث من الكوادر الطبية وأجبرتهن على التواجد في مكان وأغلقت عليهم الباب، مع منعهن من التواصل مع الخارج، وذلك قبل انسحابها من المستشفى صباح اليوم".
ويشير البرش، إلى أنّه "لا يوجد أي مكان لإنقاذ الأرواح حاليًا في شمالي القطاع، والمستشفيات تحولت لمقابر جماعية، والاحتلال في كل عملية عسكرية يقتحم المراكز والمستشفيات الصحية، ويدمر أقسامها بالحرق والنسف كما حصل في الشفاء مؤخراً"، موضحاً أنّ "مستشفى كمال عدوان لا يتوفر فيها أدوية أو طعام أو مياه أو وقود"، منوهاً أنّه استشهد طفلين داخل قسم العناية المركزة في المستشفى، بعد توقف المولدات واستهداف محطة الأكسجين نتيجة الحصار والاقتحام.
ويشدد البرش، أنّ الوضع الحالي داخل مستشفى كمال عدوان يزداد سوءًا بشكل مقلق، مشيراً إلى أنّ العدد الإجمالي للأشخاص داخل المستشفى يبلغ 600 شخص، بما يشمل المرضى والجرحى والطاقم الطبي والمرافقين، وأن عدد المرضى والجرحى هو 195، بينما يبلغ عدد الطاقم الطبي 70، وقد أصيب 3 ممرضين وعامل نظافة خلال الأحداث الجارية.
من جهته، أعلن مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، فقدان الاتصال مع طاقم مستشفى كمال عدوان الذي اقتحمه جيش الاحتلال "الإسرائيلي" يوم أمس الجمعة، واحتجز داخله مرضى وكوادر طبية ونازحين، في ظل عملية إبادة يتعرض لها شمال غزة منذ 22 يوماُ.
ووصف غيبريسوس، بأنّ ما يحدث بالمستشفى بأنه تطور مقلق للغاية، لأن الموقع مكتظ بنحو 200 مريضاً يعانون من إصابات مروعة، وفيه المئات من الأشخاص الذين لجأوا إليه طلباً للحماية، مؤكداً أنّ "الوصول إلى المستشفيات في جميع أنحاء غزة أصبح أكثر صعوبة بشكل لا يصدق ويعرض موظفينا للخطر".
وفي غضون ذلك، قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، إنّ "إسرائيل" تتحمل مسؤولية حياة عشرات الأطفال والمرضى والطواقم الطبية الذين تحتجزهم بمستشفى كمال عدوان في شمالي قطاع غزة، مشيراً إلى أنّ قوات الاحتلال اقتحمت المستشفى الذي يوجد به أكثر من 150 شخصًا بعد تكرار قصفها، وأجبرت الجميع على التجمع في ساحته.
ويلفت المركز الحقوقي، إلى أنّه قد تلقّى معلومات تفيد بفصل قوات الاحتلال الرجال عن النساء والأطفال، وبإخضاع جميع من تزيد أعمارهم عن 13 عامًا للتحقيق والتنكيل، بمن في ذلك أفراد الطواقم الطبية والاعتداء عليهم، مشدداً أنّه "أصبح 15 مريضًا- بينهم أطفال- في غرفة العناية المركزة، مهددون بالموت بعد قصف الاحتلال محطة الأكسجين بالمستشفى، وسط معلومات أولية عن استشهاد عدد من الأطفال جرّاء نقص الأكسجين".
وبين المرصد، أنّ الاتصال انقطع تمامًا بجميع من في المستشفى حاليًا، وهناك خطر على حياة الجميع، علمًا بأن اقتحام المستشفى جاء بعد ساعات قليلة من وصول وفد دولي مصطحبًا كمية محدودة من الأدوية والوقود، مطالباً الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بتحمل مسؤولياتها وإلزام "إسرائيل" بالإفراج عن الطواقم الطبية والمرضى والجرحى وحمايتهم، وضمان استئناف عمل المستشفى وطواقم الإسعاف والدفاع المدني لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حياة آلاف المدنيين.
وشدد المركز الحقوقي، أن الأوضاع في شمال غزة كارثية بشكل غير مسبوق، حيث تتعرض المنازل للقصف والحرق ولا يوجد أي طواقم إسعاف أو دفاع مدني للمساعدة في الإنقاذ، مبيناً أنّه لليوم الـ 22 على التوالي، يواصل الاحتلال حرب الإبادة والحصار الخانق والتجويع شمالي القطاع، وخاصة مخيم جباليا، بالإضافة إلى عمليات نسف المنازل، وسط استهداف ممنهج للمستشفيات ومراكز الإيواء.
وتجدر الإشارة إلى أنّ جيش الاحتلال حشد لواء عسكري آخر ليوسع ويسرع وتيرة عمليته العسكرية البرية الذي أعلنها في 5 أكتوبر الجاري، وشمل توسيع العملية بلدتي بيت لاهيا وبيت حانون، في محاولةٍ منه تطبيق "خطة الجنرالات" والتي يسعى من خلالها إفراغ منطقة شمال القطاع من السكان وجعلها منطقة عسكرية للاحتلال، وذلك بمنع دخول أي إمدادات إنسانية للسكان هناك، وإطباق حصار مشدداً على تلك المناطق.

