يصادف 21 أيار ذكرى انتصار "سيف القدس " في المعركة التي أعادت القدس وفلسطين إلى هويتها العربية، ووحدت الشعب الفلسطيني في كل مكان، واستنهضت الشعب العربي للوقوف إلى جانب المقاومة الفلسطينية بكل ما أوتي من قدرات.
إنجازات "سيف القدس"
في كل معركة مع العدو يرسخ لنا الفلسطيني المقاوم أن من كان يُطلق عليهم "الجيش الذي لا يقهر" هم أوهن من بيت العنكبوت، وأن المقاومة في غزة تصنع الصواريخ والمعادلات، وهي صاحبة القرار والطلقة الحاسمة.
وفي كل معركة يخوضها الفلسطيني ضد العدو يحقق فيها إنجازات تنال من الصهيوني الغاصب المحتل، ولكن ما ميز هذه المعركة بالتحديد أنها هزّت المنظومة العسكرية الصهيونية، وزعزعت وجود هذا الكيان الزائل. واستطاعت في مرحلة معينة أن تقول للصهيوني: "كش محتل". حيث كسبت جمهورًا عربيًّا وعالميًّا مؤيدًا للقضية الفلسطينية، وسحبت البساط من تحت الخرافة الصهيونية. وفجرت ثورة وانتفاضة إلكترونية عجز "مارك" عن إخماد لهيبها، رغم محاولات مالكي مواقع التواصل الاجتماعي من تقييد المحتوى الفلسطيني عبر إلغاء المناشير والحسابات.
معركة "سيف القدس" ضربت في عمق الوعي الصهيوني، وأحدثت انهيارًا في معنويات الصهاينة وما يسمى بجبهتهم الداخلية، واستطاعت أن تنشر الرعب والقلق في صفوفهم وتشعرهم بعدم الأمن والاستقرار، فالصهيوني بطبعه ضعيف وجبان، ومنذ احتلاله لأرض فلسطين يعمل على استقدام المستوطنين ويوهمهم أنهم سيعيشون حياة الرفاهية والنعيم، ولكن الفلسطيني المتجذر في أرضه لم يسمح لهم بالوصول إلى غرضهم هذا، منذ أن وضعوا أقدامهم على تراب فلسطين وحتى يومنا هذا.
ومن إنجازات معركة "سيف القدس" أنها أوقعت الصهاينة في حالة من الهلع والرعب، ودفعتهم للتفكير بمغادرة فلسطين والعودة إلى بلادهم الأصلية التي يحملون جنسياتها أو إلى دول أكثر أمنًا وسلامًا، ولكن كيان الاحتلال قام بإغلاق مطاره خوفًا من حدوث هجرة كبيرة معاكسة من فلسطين المحتلة، تشكل فضيحة تهز كيانه وتسهم في إنهاء وجوده!
وكذلك استطاعت معركة "سيف القدس" أن تظهر مدى الإخفاق الأمني الصهيوني في تقدير الموقف وتوقع ما يمكن حدوثه، فقد كان تقدير الأمن الصهيوني أن غزة لن تدخل في معركة نظرًا لحسابات أجهزته الاستخبارية وأنها غير جاهزة لمواجهة عسكرية، ففوجئ بمبادرة غزة إلى المعركة ودخولها بقوة وهي تضرب بيد من حديد، الأمر الذي يثبت ويؤكد أن هناك إخفاقًا أمنيًّا كبيرًا لدى الأجهزة الصهيونية، والذي بدوره جعله يفقد ثقة مستوطنيه الذين تراجعت لديهم نسبة الولاء لقيادة كيانهم.
كما أن المعركة وجهت ضربة عسكرية أساسية للصهاينة، لأنها أفرغت القدرة العسكرية الصهيونية من مضمونها، وأبطلت مفاعيل ترسانة السلاح التي يملكها كيان الاحتلال، لأنه لم يستطع أن يستخدم منها إلا سلاح الجو في مواجهة مقاومة غزة، أي أنه لم يجرؤ على التقدم البري نحو غزة، وبالتالي لم يستطع استخدام دباباته وآلياته المدرعة وكل ما يملك من قدرات عسكرية برية. إضافة إلى أنه لا يستطيع أن يحقق إنجازًا عسكريًّا مهمًّا ضد المقاومة بسلاح الطيران، فما كان يقوم به فقط هو قصف المنازل والمباني السكنية وقتل المدنيين. يعني في النتيجة، هو لم يحقق أية أهداف عسكرية جوهرية تسجل لصالحه في هذه المعركة، بل أمعن في القتل والتدمير من جهة، وخالف القوانين الدولية الخاصة بالحروب ولم يلتزم بها كعادته من جهة ثانية، الأمر الذي أثبت للعالم أنه كيان إرهابي مجرم يقتل العزل والمدنيين ويدمر بيوت الفلسطينيين وممتلكاتهم. وهذا قد أثر عليه سلبًا بالنسبة لدعم الشعوب الغربية له، وجعله يخسر داعمين عمل جاهدًا لكسب دعمهم طيلة سنوات، من خلال تأليف سيناريوهات لترويج روايته المزورة، والعمل على العقل الباطني والعوامل النفسية لهذه الشعوب بغية إقناعهم بأنه الطرف المظلوم والمعتدى عليه، فجاءت هذه المعركة لتسقط الهرم فوق رأسه.
فلسطينيو الداخل و"سيف القدس"
لقد راهن العدو الصهيوني على أن فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948 لا خوف منهم، ظنًّا منه أنه استطاع أسرلتهم وجعلهم ينغمسون في كيانه، وأنهم أصبحوا بحكم الأمر الواقع منسجمين مع مشروع الكيان الصهيوني، ولا سيما أنهم يحملون بطاقات هوية الاحتلال. ولكن "سيف القدس" استطاعت أن تغير مجرى الوعي الصهيوني تجاه فلسطينيي الداخل الذين صدموا الاحتلال، وزلزلوا الأرض من تحت أقدامه، وفجروا لغمًا داخل عقره وفي قلب كيانه، ومنعوا جنود العدو من دخول "اللد" ومناطق أخرى لأيام معدودة، فأصبحت بحكم الأراضي المحررة من دون امتلاك أسلحة ثقيلة، إنما بمقاومتهم وإيمانهم بأن للأرض مالكًا واحدًا هو الفلسطيني.
وهنا كانت المهزلة والسخرية، حيث حصل بالصهيوني ما حصل مع الأرنب عندما راهن على ضعف السلحفاة ولم يؤمن بقدرتها، وجلس يستريح إلى أن أتته الصعقة التي جعلته يستفيق من سباته عندما مرغت السلحفاة أنفه! فما بالك إن كان الفلسطيني أسدًا باسلاً شامخًا هُمامًا؟!
انتصارات معركة "سيف القدس" وإنجازاتها لم تنتهِ هنا، فما جرى خلال عام على خوضها، من عمليات بطولية نوعية وإبداعية ومواجهات وتحديات... إنما هو امتداد لها. والعدو الصهيوني لم يستطع أن يرمم خسائره بعد، رغم محاولاته الحثيثة وضغطه المتزايد واعتداءاته المتكررة وإجرامه المستمر... وهو ما زال يلملم خيبته وهزيمته بعدما تركه الفلسطيني المقاوم واقفًا على "نص إجر"، يحسب الأيام بالساعات لينتهي هذا الكابوس الذي زعزع كيانه وهزّ أمنه ووجوده، والذي ما زال عاجزًا عن إحكام سيطرته عليه...
وكل "سيف قدس" ونحن على أعتاب المسجد الأقصى راكعون، وفي محرابه ساجدون، ومقبلّون طهارة أرضه، وفي باحاته محتفلون على وقع تكبير المآذن وقرع الأجراس وسيمفونية الانتصار!

