يتنهّدُ الرجل الذي يبدو في العقد السادس من عمره، والتعب يملأ صوته عندما ردّ بالرّفض، على الطلب منه، بإجراء مقابلةٍ معه حول معاناة انتظار السفر عبر معبر رفح.
وقد قضى ساعات تحت الشمس أمام صالة "أبو يوسف النجار" في خانيونس، جنوب قطاع غزة، ما ترك علامات اليأس والتعب على وجهه، كأنّه يردُ قائلًا أنّ وجع المعبر فاق بلاغة الكلام كلّه.
تمتلئ الساحة أمام الصالة، بآلاف المواطنين الذين ينتظرون سماع الندّاء الذي يحمل اسمهم، للانطلاق في رحلة السفر.
يجلس الشاب (أ.ع) (18 عاماً)، فوق حقيبته الكبيرة، ويمتلئ وجهه بتعب الساعات الطويلة التي قضاها في مكانه، موضحًا أن المعبر ضيّع عليه عامًا كاملًا من الدراسة، وهو الذي حصل على قبوله من إحدى الجامعات المصريّة، لكن كلّ محاولاته في التسجيل والخروج من المعبر، فشلت، مما ضيّع عليه الفصل الدراسيّ الأوّل، لتكتمل الهموم، مضيفًا "ضاعت عليّ السنة كلها كمان".
تتعدّدُ أشكال المعاناة بين من ينتظر مناداة اسمه، أو من ينتظر حافلته. أبو هشام (45 عامًا)، يعبر عن حال المسافرين منذ ثلاثة أيام، بقوله لـ "بوابة الهدف"، أنّ وجوه الناس التي يراها تمتلئ بالحسرة والألم.
الرجّل الذي سافر سابقًا إلى عدّة بلدان، مجربًا معنى حبّ السفر، ومتعته، يستنكر عدم رؤية فرحة السفر على وجوه المسافرين. قائلاً "شوف، ما في أيّ فرحة على وجوه الناس لأنّها حتسافر. كلّها حسرة ووجع وانتظار. كأنّها داخلة للموت مش للسفر".
أبو هشام الذي خسر مع عائلته إقامتهم في دبي، بسبب إغلاق المعبر، اعتاد على التنقل بين عدّة بلدان، مجرباً سهولة التنقل من بلدٍ لآخر، يصف غزة بقوله "إنها كالسجن الكبير.. فقدت فيها القدرة على الحركة وفقدت حريّتي".
يتحسّر الرجل الذي يخرج مع صوته الكثير من الألم على حال الناس، نافيًا أنّ يكون وجعه على نفسه فقط، مضيفاً "هذا شعب يفتقد لأبسط حقوقه، فالأكل والسكن والتنقل والحركة من أهم حقوق الإنسان".
يصفُ مشهد تدافع الناس على شبّاك تسليم الجوازات في الصالة، كالذي يرمي بنفسه إلى الموت. قائلًا "الناس هنا لا يختلفون عن الذين رموا بأنفسهم للموت في البحر! الجميع يرمي بنفسه، حتى وإن كان للموت. المهم أن يخرجوا من غزّة!".
يُشير الرجل إلى تجربته بعض أشكال المعاناة على المعابر "الإسرائيليّة"، ويُقارنها بمدى المعاناة على المعبر الفاصل بين غزّة ومصر، قائلًا "سافرت الكثير، وجرّبت الكثير، لكنّ معاناة غزّة أضعاف ما رأيت! آلاف الحالات الإنسانيّة، المرضى والطلاب، غير الذين يحاولون السفر للتجارة والعمل.. جميعهم أثّر إغلاق المعبر على حياتهم!".
في مكانٍ آخر، وعلى نفس الرصيف الذي يجلسُ عليه المئات من المواطنين، تقف سيّدةٌ في الخمسين من العُمر، شاكيةً، تبكي حال ابنتها المخطوبة منذ عامٍ كامل، في محاولاتها المتكرّرة للسفر لملاقاة خطيبها الذي يقطن خارج القطاع.
بصوتٍ يحمل الكثير من الوجع، تصف السيّدة معاناة ابنتها التي أوصلها إليها المعبر "زوجها بهدّدنا إذا ما طلعت من غزّة رح يطلّقها. طيّب ايش نعمل احنا يمّا، والله ما هو بإيدنا".
الرجل الجالس بجانبها، وهو الذي يسعى لإخراج ابنته من القطاع أيضًا، يُرددٍ خلال لقاءه مع "بوابة الهدف"، في جملةٍ اختصرت حال الآلاف المنتظرين منذ ساعات الفجر الأولى، حتى مساء يومهم، قائلًا "ناقص واحد يجي يتصدّق علينا، ويعطينا فلوس.. قاعدين زي الشحّادين من الصُبح، وما حد مدوّر علينا!".
تشكو السيّدة حالهم في الجانب الفلسطينيّ من المعبر، والذي لا يختلفُ عن معاناة الجانب المصريّ، فتقول "قاعدين من الصُبح هينا عالحجار بالشمس، وتعبانين، ما حد سائل فينا"، في إشارةٍ لسوء الخدمات التي تُقدّم للمواطنين خلال استعدادهم للسّفر، وانتظارهم لساعاتٍ طويلة، دون أدنى راحةٍ أو أماكن مناسبة للانتظار.
أمّا حول طريقة سير العمل في المعبر، تؤكدُ السيّدة أنّ المعاناة أكبر، فبعض الحافلات التي توجّهت من غزّة إلى الأراضي المصرية، تم إرجاعها، دون معرفة مصيرها. هل ستسلك طريقها إلى الجنة، أم تبقى في انتظارها المُريب على الصراط، بين هذا وذاك.
السلطات المصريّة، أعلنت يوم الخميس الماضي 11 فبراير، عن فتح معبر رفح البريّ الفاصل بين غزّة ومصر، لمدة يوميّن, ومددت قرارها ليومٍ ثالث. بعد إغلاق دام أشهرًا طويلة. أصبح من الاستثنائيّ لدى سكّان غزّة أن يفتح المعبر، أما الأصل الذي لا خلاف عليه، هو أن يبقى مُغلقًا، أمام قصصهم وأحلامهم المختلفة.

