Menu

صفقة استسلام لشروط المقاومة

تقريرمحللان سياسيان لـ "الهدف": صمود الغزيين وتمسك المفاوض الفلسطيني بمطالبه أفشل الاحتلال في تحقيق أهدافه

أحمد زقوت

خاص_ بوابة الهدف الإخبارية - قطاع غزة

بعد حرب الإبادة الجماعية التي ارتكبها الاحتلال الصهيوني في قطاع غزة منذ أكثر من 15 شهراً، والتي طالت جميع مناحي الحياة فيها، استطاعت المقاومة الفلسطينية فرض شروطها على العدو الذي قد جرّ أذيال الهزيمة والخيبة جراء عدم تحقيقه أهداف الحرب التي وضعها أبان شن العدوان في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023م.

وبعد تجاوز الوسطاء العراقيل التي استمر رئيس حكومة الاحتلال "بنيامين نتنياهو" في وضعها، وصولاً إلى إعلان وقف إطلاق النار، واتضحت بعده بنود الاتفاق والتي أظهرت تنازل العدو شروطه وأرغم على وقف الحرب بشكل كامل وانسحاب جيشه من غزة وتحقيق صفقة تبادل أسرى، وهذا ما أدى إلى ظهور خلافات في المشهد الداخلي "الإسرائيلي"، إذ منذ اللحظات الأولى لإعلان الاتفاق، إذ شن وزير الأمن القومي المتطرف "إيتمار بن غفير" هجوماً حاداً على "نتنياهو" ووصف الاتفاق بأنّه صفقة "استسلام وخنوع" ل حركة حماس ، كما دعا وزير المالية المتطرف "بتسئليل سموتريتش" لعرقلة الاتفاق والتهديد الواضح من الأول بإسقاط الحكومة في حال لم يجرِ القضاء على "حماس" خصوصاً بعد تطبيق المرحلة الأولى من الاتفاق.

مخططات الاحتلال تفشل أمام صمود الغزيين

وفي غضون ذلك، يقول الكاتب والباحث في الشأن السياسي، مدير مركز عروبة للأبحاث والتفكير الاستراتيجي أحمد الطناني، إنّ "الاتفاق بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال استند بالأساس على الأرضية الصلبة التي مثلها صمود الشعب الفلسطيني في غزة، الذي رفض كل محاولات التهجير أو الدفع إلى الفوضى ومسايرة المخططات الصهيونية، والذي اقترن بصمودٍ ميداني ملحمي من المقاومين على الأرض الذين حوّلوا طيلة أيام الحرب تواجد جيش الاحتلال على الأرض إلى استنزاف مستمر للجنود والآليات، فضلاً عن الرفع المتصاعد للتكلفة البشرية واللوجستية لهذا التواجد، مما حسم مصير العديد من المخططات الصهيونية الطامعة لاستعادة أفكار الاستيطان، وإعادة فرض السيطرة العسكرية على القطاع".

ويضيف الطناني لـ "بوابة الهدف"، إنّ "الاستراتيجية التفاوضية للمقاومة تركزت في التمسك على المطالب الرئيسية التي أجمعت عليها كل القوى الوطنية، والتي انطلقت من فكرة الوقف الكامل والشامل للعدوان على أهالي غزة، وانسحاب جيش الاحتلال من أراضي القطاع، والعودة غير المشروطة للنازحين لأماكن سكنهم، إضافة لصفقة مشرفة لتبادل الأسرى، مع إبداء مرونة تكتيكية كافية في باقي العناوين الهامشية أو التفصيلية، مما سمح بهامش من المناورة الذي استطاعت عبره المقاومة أن تصمد أمام كل الضغوط الدولية والميدانية وفداحة الكارثة الإنسانية، التي لا يمكن أن يكون اتفاق بدون إيجاد حلولاً حقيقية وملموسة لها يقع في جوهرها عودة النازحين، والاتفاق على بروتوكولات خاصة بالإغاثة وإعادة الإعمار".

ويشير الطناني، إلى أنّ العمل بشكل وطني، وضمن إطار واسع في التشاور والتفاوض كان عاملاً مهماً في حشد الإجماع وتعزيز الموقف الفلسطيني في المفاوضات، وكمحصلة رئيسية، فإن المقاومة نجحت في حصد الاتفاق الذي يلائم معاييرها الرئيسية، ويقي الشعب الفلسطيني في القطاع من مخططات تصفوية كبرى".

وفي تقييم نتائج الاتفاق ونصوصه، يوضح المحلل السياسي، أنّ "جوهره يعني الفشل الكامل والذريع لأهداف الحرب المُعلنة، والتي تمثلت في القضاء على المقاومة، وإعادة هندسة نظام الحكم في غزة بما يلائم المعايير الصهيونية، وإطلاق سراح الأسرى لدى المقاومة بالقوة، وهي أهداف بمجموعها قد فشلت فشلاً ذريعاً"، لافتاً إلى أنّه "لازالت المقاومة حتى اللحظات الأخيرة تقارع جنود الاحتلال، وأنّ اليوم التالي لغزة وشكل الحكم فيها خاضعًا للتوافق الفلسطيني، وإطلاق سراح الأسرى يتم عبر التبادل ضمن صفقة متكاملة، وهي كلها محددات حسمتها المقاومة منذ الشهر الأول للعدوان".

ويبين الطناني، أنّه بالرغم من كل هذا المشهد، فإن قوى المقاومة لا تمتلك رفاهية الراحة والتقاط الأنفاس، فآثار العدوان المدمرة تحمل في طياتها العديد من الأهداف "الإسرائيلية" غير المُعلنة، وفي مقدمتها الهدف الرئيسي من الدمار الشامل الذي أصاب كل مقومات الحياة في غزة، والذي يرتكز في جوهره إلى تعزيز خيار "الهجرة الطوعية" للشعب الفلسطيني، بعد فشل خيار التهجير القسري بالقوة، وبالتالي فإن المسارعة بجهود إعادة الإعمار والإغاثة يُشكل صمام أمان رئيسي لإفشال هذا الهدف الذي يُمثل جزءًا أساسيًا من استراتيجية اليمين الصهيوني الطامح لإعادة الاستيطان في قطاع غزة بعد إفراغه من سكانه.

الداخل الصهيوني يتلقى صفعة كبرى جراء الاتفاق

وبشأن تعاطي الاحتلال مع الاتفاق، يؤكد المحلل السياسي نهاد أبو غوش، لـ "بوابة الهدف"، أنّ "إسرائيل" تلقت صفعة قوية، لأنّ "نتنياهو" كان يعد جمهوره بأنّ هذه الحرب لن تنتهي إلا بالقضاء الكامل على حماس وتهديداتها المستقبلية، واستعادة الأسرى.

ويلفت أبو غوش، إلى أنّ "الاحتلال بعد التطورات الإقليمية التي وقعت بلغت به النشوة والتبجح والهنجعية مبلغاً واسعاً، واعتقد أنه من خلال الحسم العسكري سيكون قادر إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط، حيث باتت تحتل أراضي في لبنان وسوريا وتضرب في اليمن وتهدد إيران"، موضحاً أنّ "الاحتلال فشل في الواقع بتحقيق أهداف الحرب بغزة التي وضعها سواء المعلنة المتمثلة في القضاء على المقاومة أو أي تهديد مستقبلي، واستعادة الأسرى، أو المضمرة والتي كانت تنفذها آلة الحرب من خلال الطائرات والدبابات المراد منها تهجير الشعب الفلسطيني وتصفية قضيته".

ويشير أبو غوش، إلى أنّ "بعض المسؤولين المتطرفين الصهاينة كانوا يصرحون بخطط التهجير والاستيطان، لكن الحكومة الرسمية لم تتبناها، خصوصاً بعد معرفتها الجيدة أنّ المجتمع الدولي سيعارضها، إذ أنّ هذه الأهداف قد فشلت حتى خلال جولات التفاوض حول الصفقة، حيث حاول الاحتلال وضع شروطاً تعجيزية تمثلت في منع النازحين من العودة إلى أماكن سكناهم بشمال القطاع، مبيناً أنّ "نتنياهو" وضع عراقيل كثيرة لكي يمنح الرئيس الأمريكي المنتخب "دونالد ترامب" هدية إبرام الصفقة مع دخوله البيت الأبيض، لكنه وجد نفسه أمام ضغوط هائلة داخلية متصاعدة والتي وصلت إلى حد أنّ 80٪ من المجتمع "الإسرائيلي" يريد إنهاء الحرب وليس فقط استعادة الأسرى، وأخرى خارجية أبرزها ضغوط "ترامب".

وبشأن تأثير الاتفاق على الشأن الداخلي الصهيوني، يقول المحلل السياسي، إنّ "المستوطنين اعتبروا الصفقة خيبة أمل وقد صدموا بها، حيث أنّ اليمين المتطرف يرى أنها سوف تطلق سراح مئات الأسرى "القتلة" كما يزعمون، وسوف يفرض انسحاب الجيش من الأراضي التي احتلها، فضلاً عن أنّ فصائل المقاومة هي التي ستدير أمور القطاع"، مضيفاً أنّ "بعض أوساط المعارضة للحكومة وتحديداً أهالي الأسرى والجنود يرون أنّه كان بالإمكان الوصول إلى صفقة شاملة حتى لو ثمنها وقف الحرب منذ فترة طويلة، رغم ادعاء نتنياهو أنّه حصل على ضمانات أمريكية في حال وجود تهديدات أمنية باستئناف الحرب".

وبخصوص موقف المفاوض الفلسطيني، يبين أبو غوش، أنّه "يسجل له خلال فترات التفاوض أنّه كان متماسكاً جداً وصلباً، وقد تمسك بالثوابت الوطنية تمسكاً شديداً، لكنه أبدى أقصى درجات المرونة في المسائل التكتيكية والإجرائية، وهذه معادلة سهلة وممتنعة في نفس الوقت، فمن الصعب الجمع بين الصرامة الاستراتيجية والمرونة التكتيكية"، لافتاً إلى أنّ "الطرف الفلسطيني ظل مصمماً بتحقيق جميع مطالبه، والمتمثلة في وقف الحرب بشكل كامل، والانسحاب التام، وعودة النازحين، وإدخال المساعدات الإغاثية الإنسانية دون قيد أو شرط، وإعادة الإعمار، وصفقة مجزية في موضوع الأسرى الفلسطينيين".

وبشأن بنود الاتفاق، يوضح المحلل السياسي لـ "الهدف"، أنّه في كل جزئية من البنود ثمة عراقيل وتعقيدات قد زرعها "نتنياهو" كألغامٍ لنسف جهود الوسطاء، بما في ذلك موضوع الأسرى الفلسطينيين حيث اشترط بالحصول على حق الرفض لبعض الأسماء أو إبعادهم إلى خارج الوطن، وربما يتلاعب بالأعداد ونوعية القضايا والمحكوميات، وكذلك القضايا الأخرى مثل الانسحاب وعودة النازحين، منوهاً إلى أنّ المعركة التي ما زالت تنتظر الفلسطينيين ليست سهلة وهي معركة سياسية بحاجة إلى تضافر جميع الجهود الوطنية لتحقيق أفضل النتائج، بعد تحقيق هذا الإنجاز المهم في الوصول إلى هذه الصفقة بأفضل الشروط الفلسطينية الممكنة، وفي ظل حالة العجز العربي.

وحول تأثير ضربات المقاومة في الأيام الأخيرة على المفاوضات التي جرت، يؤكّد أبو غوش، أنّها لعبت دوراً مهماً في تأكيد أنّ الاحتلال قد دخل إلى مستنقع حرب الاستنزاف، حيث كان يومياً يتكبد خسائر فادحة في جنوده وضباطه وآلياته"، مشيراً إلى أنّ "الحرب لم تعد مجرد إنجازات عسكرية بحتة، بل على العكس تماماً تراجع منسوب الإنجازات في مقابل تعاظم مستوى الخسائر التي وصلت إلى معادلة خاسرة تماماً، حيث أنّ كل يوم إضافي يعني خسران المزيد من الأرواح والأموال".

ويردف أبو غوش، أنّه "في آخر ثلاثة أشهر خسر جيش الاحتلال أكثر من 50 جندياً وضابطاً في شمال غزة، وهذا كان بلا جدوى، بالرغم من استعانتهم بكافة أنواع الأسلحة وارتكاب المجازر واستخدام سلاح التجويع ضد الغزيين، لكن في النهاية بدت الحرب بلا نهاية وبلا هدف"، لافتاً إلى أنّ كل ذلك أدى إلى تشكل جبهة جديدة ضد "نتنياهو" من أهالي الجنود الذين طالبوا بوقف الحرب على غزة لأنّها تحصد أرواح أبناءهم دون أي هدفٍ سوى استمرار الحرب لحسابات فئوية وسياسية وذاتية لـ "نتنياهو" الذي يريد التضحية بالأسرى من أجل البقاء على رأس الحكومة.