أجراس العام الجديد تقترب أن تقرع، وأشجار الميلاد تضيء العواصم والمدن، وترتفع عالياً مهللة بالعام القادم، ليحتفي حولها الكبار والصغار، وهدايا توضع بجوار الأشجار تعلق عليها للمفاجآت بين الأحباب والأقرباء والأصدقاء، الكل مستعد ويعد الأيام القليلة، لاستقبال هذا العام.
ولكن، في المقابل هناك أناس احترقت أشجار ميلادها، وتراكمت بيوتها على بيوت إخوتها، واسودت أيامهم كما لياليهم، أصبح اللون الرمادي أو الأسود هو الغالب، أطفال بردت أطرافهم، وقلوبهم، ما عادت جدران تحيطهم، إما خيم مهترئة مزقتها رياح الشتاء أو العراء مسكنهم، لدمار منازلهم، ومنهم من صمد وبقي حتى تحت بيته الذي دنا سقفه على الشارع، ومنهم من حفر الأرض كالقوارض وظلل سقفه بأغطية بلاستيكية لاتقاء برد الشتاء، ما عاد أمامهم أبنية تضيء لتشارك شجرة الميلاد أضواءها، ولا هدايا توضع حولها، فقد مسحت المنطقة ودمرت وتراكمت وأصبحت الحجارة والركام والحصى بقايا مكان كان مكان فيه سكان.
وبنهاية سنة 2024 واستقبال 2025، ونحن هنا أمام سؤال:
إن العالم أمام موقف حرج بالغ يضع إنسانيته على المحك. إذ كيف يتأتى إقامة الأفراح والانخراط في الحفلات وجزء من البشرية على مرمى البصر يتعرض لأبشع صور القتل والإبادة لأكثر من عام؟ كيف يمكن أن يكون للإنسانية أن تتصالح مع ذاتنا، ونحن نرجو فيها من السلام والنجاح والسكينة، ونرى بأم عيننا عالماً يرقص على إيقاع صرخات آلاف الأطفال القتلى الممزقة أجسادهم على الطرقات والمستشفيات، وأزيز الطائرات ودوي الانفجارات وأصوات المدافع وطلقات البنادق، وفوق ذلك تأوهاتهم جوعاً وعطشاً من فقد الماء والطعام واللبن والخبز؟
دول العالم تحتفي برأس السنة الميلادية وقطاع غزة يستقبل عامه الجديد على وقع المذابح والبرد والحصار. ومن موقع المأساة، نازحو غزة يستقبلون عام 2025 بخيام غارقة وأطفال يتجمدون.
من بين هذه المآسي تقص إحدى الغزيات لنا واقع من بين مئات المآسي التي يعيشها شعب غزة.
أم ثائر المصري، النازحة من مدينة بيت لاهيا في محافظة الشمال مؤخراً إلى مدينة غزة، تقول أن خيمتها التي تؤويها ونجلها المصاب بجروح خطيرة غرقت بمياه الأمطار. وأن معاناتهم داخل خيام النزوح كبيرة، حيث باتوا وكأنهم "يسبحون في بحر"، في إشارة لغرقها بمياه الأمطار.
وأوضحت بأن الأطفال يموتون من "الصقيع والبرد القارس" في ظل عدم توفر الأغطية والملابس والمفروشات.
وناشدت أم ثائر العالم وأصحاب الضمائر الحرة بالنظر إلى النازحين في قطاع غزة وتقديم المستلزمات الأساسية لهم.
وأضافت أنها تركت منزلها ونزحت منه تحت تهديد نيران الاحتلال وبعدما ضحت "بكل شيء".
وطالبت بضرورة وقف الإبادة الجماعية التي يرتكبها الاحتلال في القطاع، قائلة: "نحن شعب يحب الحياة والأمان والسلام. لا نريد حرباً".
وفي ذات المخيم، تحولت الأرض بفعل الأمطار الغزيرة إلى وحل، ما سبب صعوبة بإفراغ الخيام من المياه والطين وتنظيف الأمتعة.
فأم ثائر وجميع من في القطاع، أمنيتهم في العام الجديد هي العودة إلى بيوتهم وأن تنتهي الحرب، وأن تكون السنة الجديدة أفضل من السنة الماضية. لأنهم لا يشعرون بأنهم دخلوا عاماً جديداً، فكل الأيام أصبحت متشابهة بالنسبة لهم.
ولكن نشاهد إخوتهم في الضفة الغربية، في المشهد الأبرز بالطبع في مدينة بيت لحم، تلك المدينة التي شهدت ميلاد يسوع المسيح، إذ اختفت شتى مظاهر الاحتفالات التي كانت تزين المدينة في هذا الوقت من كل عام، تضامناً مع أهلهم في غزة، وفي ظل توقفت حركة السياحة وإغلاق مداخل المدينة، وتوقف نشاط المتاجر.
وكانت البطريركية ورؤساء كنائس مدينة القدس قد أعلنوا جميعاً إلغاء كافة الاحتفالات بعيد الميلاد للطوائف المسيحية هذا العام مع إقامة الصلوات والشعائر الدينية فقط، في مشهد نادر لم تألفه الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية.
في رأس السنة الجديدة، لم تُضأ سماء غزة بالألعاب النارية، بل بالانفجارات الناجمة عن قصف الاحتلال الذي تزامن مع أجواء ماطرة وشديدة البرودة.
أجواء فاقمت من معاناة النازحين الذين غرقت خيامهم بمياه الأمطار الغزيرة التي هطلت خلال الأيام الماضية على القطاع.
كما تسببت الأمطار بتلف أمتعة وملابس النازحين القليلة والمهترئة التي عانوا كثيراً بغية الحصول عليها بعد فترة من وصولهم إلى أماكن نزوحهم.
وبالعادة، ينزح المواطنون من أماكن إقامتهم أو سكنهم إلى مناطق أخرى تحت القصف ودون حمل أي أمتعة أو ملابس معهم، ما يضطرهم إلى انتظار الحصول على بعضها من المساعدات.
ويتعذر على النازحين شراء هذه المستلزمات الأساسية بسبب انعدام المال، بعدما فقدوا مصادر رزقهم منذ بدء عدوان الاحتلال.
وبينما كانوا يحاولون إنقاذ بعض أمتعتهم واستصلاحها، قال نازحون أن أطفالهم يموتون بسبب الصقيع داخل الخيام الغارقة وبفعل ملابسهم المبللة والتي لا بديل لها.
هكذا هو الواقع في غزة، وبعد مرور أكثر من عام على حرب الإبادة، في مشاهدة باتت، كأنها فيلم سينمائي اعتاد العالم على مشاهدته، ويواصلون أيامهم، في لعب ولهو وضحك، وكأن ما يجري من مشاهد قتل وتجويع وموت رُضّع من الصقيع، ليسوا إخوتهم، لن نقول لم تعد هناك شهامة لأنها ماتت، لكن لنقل قست القلوب على سفك الدماء، ورقت القلوب على غانيات، في غزة الكل تحت الموت.
وأما عن أختها جنين أيقونة النضال والمقاومة، التي ذاقت الويلات من اعتقالات وتنكيل، وتشريد وإبادة ممنهجة، يأتي ممن هم من أبناء دمهم، بصدهم عن مواجهة الكيان، شعب جنين يحاصر بين مواجهات داخلية ومواجهة كيان، بين تصدي لهجمات داخليه، وهجمات صهيونية.
ومثلما قال الشاعر:
تخيلوا لو جاءنا الآن جدنا الأول؟
إن جاء وقال أبنائي ما الخبر؟
ما به الشر فيكم منتشر!
ما به الحب في الذوات يستغيث!
ما به الكره في الأرواح يعيق!
جنين في مواجهة ممنهجة، وغزة تباد، وعيون تراقب عن كثب ممزوجة باللا مبالاة وإصدار البيانات الواهية، والكيان مستمر، لكن نحن على يقين دائم، أن الاحتلال إلى الزوال، وهذه حقيقة كونية، واسألوا التاريخ.
الكل يحتفل ويعطي ظهره لهم، هل كان الإسلام دين يجمع المسلمين، أو لنقل عرب أي إخوة من دم يجري فيه اسم العروبة، لكن ما عاد هناك دين ولا عروبة تجمعهم، إنما كأس خمر ونسوة حولهم واعتلاء كرسي يسعدهم، هؤلاء هم دينهم وعروبتهم.
والكل نفروا من حولهم، يصيحون وبدمهم يسبحون، ويد الظلم تمزقهم دون شفقة، ولا كأن من صرخ بشر، فقد ارفعوا الحصار، أوقفوا إطلاق النار، لكن أنغام وموسيقى العام الجديد سلبت أبصارهم وأذانهم فما عاد أحد يسمعهم لا قبل ولا الآن، فيا أرض غزة وجنين وكل فلسطين أنتم وحدكم في مواجهة إمبريالية الظلام والناس سكارى.

