رواية سرد آخر للكاتب الشهيد نضال عبد العال، عمل إبداعيّ ينقل صورة مكثّفة من صور مأساة "الهاربين" " اللاجئين، من خلال الصّراع بين شخصيات الرّواية وما تؤدّيه من أعمال تعبّر عن وجهتي نظر وفعل متعارضين. إنّ الصّراع بين الشخصيات يمثّل بؤرة البناء السرديّ، الذي ينقل مواجهة بين تيّارين لكلّ منهما سرديته الخاصّة. سرديّة رسميّة وسرديّة أصليّة. يعمل كلّ منهما على إثباتِ معنى وإنكار آخر، وتأكيد رؤية وتفنيد أخرى. فكيف يمكن التعريف بالسّرديّتين؟ وكيف يكون السّرد فعل مقاومة ووجود؟ وكيف تتجلّى الصرّاعات في الرّواية بوصفها ساحة مواجهة بين سرديّتين في مجال الوعي واللاّوعي؟ وهل تمكّن العدوّ من السرديّة الفلسطينيّة، حين تمكّن من الشهيد السّارد؟
أوّلا: الصّراع بين السّرديتين:
تنقل رواية سرد آخر صراعا بين سرديّتين: سرديّة رسميّة وسرديّة أصليّة. ولكلّ من السرديتين المتصارعتين شخصيات وسلطات وأدوات، تمثّلها ورؤية تعبّر عنها.
السرديّة الرّسميّة: تعبّر عنها شخصيات بعضها مؤسّساتيّ مثل السّلطات العالميّة والسلطات المعنيّة والمختصّة والإعلام.. وبعضها شخصيات بشريّة مثل: المحقق والحارس. وقد استعملت السلطة المعنيّة، مستعينةً بأدواتها من نخب وإعلاميين، أسلوب التخويف والترهيب وإثارة الهواجس. فالهاربون: غرباء يشكّلون خطرا. وذهب الغلاة والمنظّرون مذاهب تفسيريّة: علميّة وفيزيائيّة ودينيّة وأدبيّة وقانونيّة وفلسفيّة، غريبة في تاويل وجودهم". وكلّها تفسيرات بخلفيّة مؤامرتيّة و/أو عنصريّة. ( الفصل الثاني: ص 12-13-14)
وتعتمد هذه السرديّة السلطويّة حجّة الأمر الواقع وخلفيّة الصّراع بين الخير والشرّ، في تبرير مخاوفها وعدوانها على الهاربين والإصرار على إنكار حكايتهم. "سيّدي، لماذا أنتم مصرّون على إنكار وجود سرديّة أخرى؟" (الفصل الأوّل ص 10). ويقدّم مجد تحليلا لأصول المخاوف والمؤامرات التي تحرّك السّرديّة السلطويّة وتغذّيها وتبرّرها، في حواره مع المحقّق. "إذا كنت تبحث عن المؤامرة، فعليك أوّلا أن تسأل نفسك، أين هي في الواقع أم في ذهنك؟ .. لذلك أنت في بحث دائم عن وهم يؤكّد عدم وجود حقيقة. في المخيّم توجد حقيقة بسيطة أصيلة وطبيعيّة، حكايات بشر عاديين جدّا، يعيشون حياة عاديّة جدا." (الفصل التاسع ص 50). لكنّ السلطة تمعن في إنكار وجود سرديّة أخرى، وتعمد إلى اعتقال مجد، بأوامر من السلطات أو الجهات المعنيّة، وبإشراف المرجع المختصّ. وقد تسلّمه المحقّق والحرّاس قصد التحقيق معه وتعذيبه، للظفر باعترافات تدينه وتدين الهاربين .
السرديّة الأصليّة: تسعى هذه السرديّة إلى اكتساب الاعتراف بها. وهي تتبنّى تعدّد السرديات وتدعو إلى الحوار عوض القمع والتغييب. وتقرّ هذه السرديّة بتعدّد السّرديات وأنّ هناك سرديّة جرى قمعها وإنكارها ولا بدّ من الإنصات إليها. ويعبّر مجد عن هذه السرديّة، إلى جانب حبيبته الصّحفيّة والحجّة وداد. ويرى مجد، الذي عبّر عن السرديّة الأصليّة في النّدوة الصّحفيّة، "أنّ عالما يسير وفق رواية متعدّدة الطبقات، تصعد واحدة وتهبط أخرى ارتباطا بعوامل ظرفيّة والتزييف.. " (الفصل الثاني: ص17). وأنّ من حق الهاربين سرد روايتهم من أجل الاعتراف بها وبهم. وهكذا تتحوّل الرّواية إلى صراع من أجل السّرد. وتنخرط الشخصيات في صراع من أجل الاعتراف بالحكاية. وبذلك يكون الصّراع بؤرة السيرورة الروائيّة وأهمّ وسائل تحقيق المعنى والوجود. فكيف يكون السّرد فعل مقاومة ووجود؟ وكيف تتآلف المعاني في عتبات الرّواية، وخاصّة في الإهداء والتصدير، مع الدلالات التي يبنيها السّارد في النصّ؟
ثانيا: السّرد بوصفه فعل مقاومة ووجود.
يعيش الإنسان باللغة وداخلها. فمن خلالها يصنع الإنسان حكايته وسرديّة وجوده. فالهويّة صناعة سرديّة، يبني من خلالها صورته عن نفسه ويشكّل حياته وأحلامه. فلا يمكن للإنسان أن يوجد بمعزل عن الحكاية وخارج الكلمات. وهنا، في هذه الرّواية يُطرح السّرد بوصفه فعل مقاومة ووجود في مواجهة قتلة الحكاية والهويّة. إنّ الحكاية التي نُخلق بها حين نَخلِقها تمنحنا كلّ شيء: "حياتنا وأحلامنا وهويّتنا. فتصير هي حقيقتنا التي نسكنها ونحمي أنفسنا من كلّ شيء زائف في العالم." (التصدير) فالحكايات مثلما ورد في التصدير يجب أن تظل تروى مدى الدّهر، فهي : "روح المكان وعبق الزّمان وسرّ الوجود ومعنى الخلود".
لذلك يصير الصّراع في الرّواية صراع وجود. مواجهة بين رواة وقتلة. تصبح الرّواية مساحة قتل شنيع واغتصاب للسّرد. قتل لجواد اللغة إسكات للرّواة، حتّى ينتفي وجود الآخرين على الأرض والحكاية. قتل هو "أشنع الأفعال وأبشعها" (التصدير). لذلك تطرح الرّواية رؤيتها للسّرد بوصفه مواجهة للقتل والمحو والنّكر.. بوصفه سردا آخر وفعلا مقاوما. إذ " كلّما تابع الرّواة سرد الحكايا، يمكن للقصص أن تغيّرنا وتغيّر العالم الذي نعيش فيه". (التصدير) ويذهب الكاتب بالسّرد إلى أبعاد وجوديّة عميقة حين يقول على لسان الصّحفيّة: "إذا كانت الأجساد بحاجة إلى الطّعام والشّراب لكي تستمرّ، فالأرواح بحاجة للحكاية لكي تبلغ الخلود" (الفصل الثالث ص 19). وهذا المعنى يتصادى مع الإهداء والتصدير، ممّا يجعل السّارد صدى للكاتب.
وقد عبّرت الحجّة وداد، وهي سيّدة الحكايات، عن المعنى من قصّتها وقصّة كلّ إنسان فـ "القصص كثيرة تبدأ ولا تنتهي، إنّها بعدد البشر، فلكلّ إنسان حكايته، وإن لم يحكها تُحكى غصبا عنه بطريقة مّا، بصمت حينا، بالصّراخ أحيانا، باللين مرّة وبالقسوة مرّات. طالما نتنفّس فإنّ الرّاوي يروي". (الفصل الخامس: ص 28) هكذا كانت الحجّة حكّاءة واعية بأهميّة الحكاية وبعسر ولادتها وآلام مخاضها. "أنا الداية وداد، أنجبتهم وأنجبت أبناءهم وأنجبت أحفادهم. صحيح أنهم لم يخرجوا من بطني، لكن حكايتهم خرجت من روحي.. ومازال سيلها يجري في عروقي حيث أحلّ. تشقّ مجاريها الأرض وترويها وتروي عنها كي تظلّ نضرة خضراء طازجة، كأنّها حكاية حاضرة مستمرّة مثل الخلود لا يصير ماضيا أبدا." (الفصل الخامس ص 29).
ذلك إنّ الرّواية مثل الولادة في المكابدة والمعنى والآلام. إنّهما يلخّصان فعل الوجود والكينونة، للفرد والجماعة. ويمثّلان عملا قوليّا ووجوديّا خلاّقا. ( انظر الفصل السادس صص 31 – 32 – 34) ولأنّ أعداء الحياة هم أعداء الحكاية، تتحوّلُ السرديّة الأصليّة إلى فعل مقاومة في مواجهة سرديّات الاقتلاع والإنكار والقتل، بل تكون فعلا لتشكّل الكينونة الماديّة وتحقّق الوجود الفعليّ والرمزيّ.. وهكذا تتآلف المعاني في عتبات الرّواية، وخاصّة في الإهداء والتصدير وهما مدخلان هامّان في تتبع المعنى، مع الدلالات التي يبنيها السّارد في النصّ، ليكونا معا تاليفا لمعنى واحد جوهريّ، هو المقاومة سردا قوليّا وفعلا وجوديّا. فكيف تتجلّى الصرّاعات في الرّواية بوصفها ساحة مواجهة بين سرديّتين في مجال الوعي واللاّوعي؟
ثالثا: ساحات الصّراع وامتداداته من الوعي إلى اللاّوعي.
ينتقل بنا الكاتب بذكاء، من ساحة صراع واقعيّ بين شخصيات واعية تخوض معركة إثبات ونفي، إلى ساحة اللاّوعي. فقد حوّل الألم الفرديّ، من خلال عمليّة التعذيب التي تعرّض لها مجد، إلى ألم الإنسان المقاوم مطلقا. مثلما حوّل الهذيان، بوصفه شكلا من أشكال الوعي "المعطوب" إلى مساحة التحام بالآلام البشريّة، في تجارب الشّعوب المضطهدة التي تعرّضت للتدمير الأكثر عنفا ومحوا. فما هو الهذيان، حالةً ذهنيّةً ثمّ آليةً سرديّةً؟ وكيف وظّفه الكاتب في التعبير عن أصل الصّراع وفحوى الحكاية؟
يمكن تعريف الهذيان (Delire)، بوصفه اضطرابا في الوظيفة الذّهنيّة. إنّه اضطراب ظرفيّ وليس مرضا. اضطراب يتميّز بعدم القدرة على الانتباه والتفكير بشكل واضح. وللهذيان أسباب كثيرة منها نقص الأكسجين في أنسجة الجسم، أو بسبب حدث عنيف مثل التعذيب. وهو يؤثّر بشكل قويّ على التركيز والذّاكرة والوعي. فتحت تاثير الهذيان "لم يفهم مجد ما يجري من حوله. هل أجاب عن أسئلة المحقق؟ هل سمعه وأصغى له؟ كان صاحيا أم يهذي، أفكار تضجّ في رأسه ولا تدور في الواقع، أم أنّ الواقع كان يدور، وليس لديه فكرة عن ما يدور؟ (الفصل التاسع: ص 51) فكيف جعل الكاتب من الهذيان، بوصفه اضطرابا في الوظيفة الذّهنيّة، وسيلةً تقنيةً وسرديّة للتعبير عن فحوى الرّواية؟
حوّل الكاتب الهذيان بوصفه اضطرابا في الوظيفة الذّهنيّة، إلى آلية كتابة سرديّة لتنمية الأحداث وتعميق المضامين عبر اتساع الرؤية الإدراكيّة لحقيقة الصراع بين السرديات في الواقع والتاريخ. (لعبة نصيّة) فقد نفذ، عبر هذيان مجد، إلى حقيقة التحام حكاية الشعوب الأصليّة المضطهدة. ".. نبوءات جديدة تشق صدر مجد وتلمع عيناه بأمل الرؤيا. هيّا يا ووفوكا، اجمع شمل القبائل الهائمة لتواصل سرد حكايتها الأصليّة.." (الفصل العاشر: ص 54) إنّها حكايات قتل ومجازر ومقاومة وصمود وصراع بين "راقصي الشّمس" و"راقصي الذّهب". مواجهة أبديّة بين سرديّتي الشرّ والخير والتدمير والمقاومة، تتجلّيان عبر هذيان مجد في النصّ. فقد جعل الكاتب من ذاكرة مجد مجال اصطدام سرديات وتصاديها "حيث لا انفصال بين الزّمان والمكان" (الفصل العاشر: ص 55). وقد أخذ مجد في حالات هذيانه ينتقل من سرديّة إلى أخرى، ناسجا الملامح الكونيّة لذات السّرديّة المقاومة، في أمكنة وأزمنة مختلفة.
فقد "كان مجد يغوص في أعماق دواخله، غيابا عمّا يدور في زنزانته.. كان وعيه يزداد تألّقا وبهاءً وزهوا، فيتّضح المشهد بأبعاده الواسعة الممتدّة، سرديّة واحدة في أزمنة متعدّدة وأمكنة مختلفة، ولو تعدّدت الرّوايات والحكايات والرّواة". (الفصل الثاني عشر ص 60) هكذا عبّر مجد من خلال الهذيان عن المواقف المقاومة للسرديات الأصليّة، من خلال حكايات الشعوب وسير الشخصيات المناضلة. فقد استعاد حكاية الهنود الحمر (الفصل العاشر: صص 51-52.) وحكاية المقاومة الجزائريّة (الفصل العاشر والحادي عشر: صص 53-54-59.) ليقول إنّ حكاية المضطهدين والمقهورين والهاربين واحدة.
وأمّا ما يدفع بالمعنى إلى أقاصيه الدلاليّة فهو التأويل السلطوي لمضامين الهذيان (متعة نصيّة). الهذيان الذي تأخذه السلطة في معناه الحقيقي وإحالته الواقعيّة. إذ يصرخ مجد و"ينادي على راقص الشّمس ووادي الركبة الجريحة، ويردّد أسماء غريبة مثل "الثور الجالس" و"ووفوكا" و"أزرقي البشير وأبو صالح والقسّام،.." (الفصل الحادي عشر: ص 56) "فقد تكون أسماء حركيّة لأعضاء في شبكات إرهابيّة.. ماذا تعني هذه التعاويذ، ومن هم هؤلاء، وما علاقتهم بالقضيّة؟ هل هم شركاء في نشاطه في المخيّم؟ أم هم أنصار وشركاء في أمكنة أخرى؟" (الفصل الحادي عشر: صص 56-57).
وهكذا كان التقرير الذي رفعه المحقق للمرجع المختصّ معبّرا عن غباء أعوان السلطة وعجزهم عن فهم روح التحرّر في سرديات المظلومين، و/أو تغابيهم لتثبيت التّهم والإمعان في الإنكار. فقد وقع تأويل الأسماء والرّموز بوصفها شفرات تحيل على شبكات لتنظيمات إرهابيّة تعمل على تهديد الأمن العالمي. وإمعانا في التأويل التسلّطي انتهى الأمر بالسلطات المختصّة إلى اعتبار محتوى الهذيان اعترافا صريحا بانتماء مجد لمنظمة إرهابيّة لها امتدادات عالميّة.
هكذا جعل الكاتب شخصيّة بدر منسجمةً في حالتيْ الوعي والهذيان: في الصراع الواقعيّ من خلال خطابه في المؤتمر الصّحفي وحواره مع الحجّة ومع حبيبته، ثمّ مع المحقّق، وفي حالات هذيانه، الذي أصبح آليّة عبور إلى ذات الموقف، إلى حقيقة الصّراع المتأصّلة في الوعي والرّوح. هكذا يقودنا السّارد إلى جوهر الصّراع، باعتباره، صراعا من أجل الوجود في الحكاية والواقع. أو الولادة عبر الرّواية، والوجود عبر المقاومة، الذي تبلور في الفصل الأخير من الرّواية.
لقد جاء الفصل الأخير في شكل مرافعة حجاجيّة لغايات إقناعيّة بجوهر السرديّة المقاومة، سرديّة المظلومين، في مواجهة سرديّة السلطة وأدواتها الأمنية والإعلاميّة. يتحوّل الفصل إلى تصريح بفحوى الحكاية أو فصل الخطاب. (انظر الفصل الثالث عشر: صص 65-66 ) فضمن هذا البناء الحجاجي للفصل، ولكامل الرّواية، تتقابل سرديّتان تفسيريّتان لواقع الصّراع. السرديّة الرسميّة، المؤامرتيّة الأمنيّة التي يتبنّاها االمحقّق، ومن يمثّلهم. والسرديّة الأصليّة التي يعبّر عنها "سيلت" زعيم قبيلة "دواميش" في خطبته الأخيرة. وهي السرديّة التأصيليّة التي تغرس الحكاية في الأرض المقدّسة والأمّ الطبيعة. تلك الفلسفة التي تغرس الإنسان في الكون والوجود. وهكذا يمسك الكاتب بخيط السّرد والحكاية في الرّواية ويغرسها في المعنى المركزيّ لسرديّة المقاومة.
الخاتمة:
تتحوّل سرديّة الهاربين، في رواية سرد آخر، من سرديّة وطنيّة لجماعة مهجّرة، إلى سرديّة كونيّة تستعيد ملاحم الشّعوب المقاومة وتؤصّل الصّراع بين الخير والشرّ. فالحروب لا تخاض بالسلاح والحديد والنّار دائما، بل قد تقام أو تتواصل بوسائل أخرى، منها الحروب السرديّة التي تستعر في مجال الذّاكرة والوعي، بأدوات فنيّة ورمزيّة. وبذلك يمكن أن نقرأ الرّواية من خلال بنية الحكاية الخرافيّة وما تتضمّنه من شخصيات خيّرة وشريرة ومن استعارات وقيم وهزائم وانتصارات. إنّها عمليّة تأطيريّة مجازيّة للحدث الرئيسيّ المؤسس وهو الاستيلاء على الأرض من قبل الأغراب في فلسطين وأمريكا وإفريقيا، وما أنتجته من تدمير للأطر (الأرض والإنسان والرّوح..) وسرقة للحكاية والوجود. وهنا تماما يتدخّل السّرد من أجل استعادة الحكاية و إحيائها. بل وإعادة صياغتها بشكل يحمي الذّاكرة والوعي والوجود.
وإنّ سارق الأرض هو سارق الحكاية الأصليّة، أيضا. هو مزيّف لها ولشخوصها ولمكانها وزمانها وحقيقتها، من خلال سرديّة تفسيريّة أو تبريريّة أو حجاجيّة تستهدف تزييف الوعي وإقناع الضحيّة ذاتها ببطلان قضيّتها. لذلك لا بدّ من سرديّة مقاومة للتزييف والسّرقة والاستعمار. إذ ليست الرّواية مجرّد صياغة لغويّة أدبيّة وفقا لمعايير فنيّة لمأساة مّا، قصد التعزية. وإنّما هي عمليّة مركّبة، تستوفي الشّروط الفنيّة، إضافة إلى كونها فعلا واعيا في علاقة بالذّاكرة والماضي تعمل على منح المعنى للإنسان داخل السرّدية / الحكاية وفي الوجود الواقعيّ الفعليّ.
إنّها لا تمثّل أداة ثقافيّة لحفظ الذّاكرة فحسب، وإنّما عمليّة إنشائيّة للوجود الفلسطينيّ ذاته. إنّها عمليّة البناء ذاتها للوعي وللوجود من خلال فعل السّرد التي يكون بها الوعي أصيلا حيّا ومقاوما. فالسّرد لا يحقق نصرا معنويّا لشعب مهزوم واقعيّا، وإنّما يحقق نصرا واقعيّا ووجوديّا، يفتكّ الاعتراف، حين يمنع العدوّ من تحويل نصره العسكريّ إلى الرواية المنتصرة. وهكذا تصبح الرّواية تجسيما للسّرديّة الأصيلة والأصليّة، قيميّا وإنسانيّا ووجوديّا، وتجسيدا لفحوى الوجود في السّرد والواقع. إذ باستعادة حكايات "المهزومين" وتثبيت حقّهم في الحكاية يصبح حقّهم ونصرهم تعبيرا عن وجودهم بإطلاق. فكيف كان مصير الكاتب الذي أراد من خلال رواية سرد آخر تخليد سرديّة شعبه وفرضها؟
إنّ ما يثير الهمم في مواجهة الظلم التاريخيّ الذي تعرّض له الشعب الفلسطينيّ، أنّ العدوّ الصهيونيّ لا يخوض حروبه التزييفيّة على مستوى التاريخ ليؤسس وجوده على الأساطير الكاذبة، فحسب. وهو لا يكتفي بالترويج لخطاب الكراهيّة والعنصريّة الذي ينفي حقوق الشعب الفلسطينيّ في الوجود، من خلال السرديّة الكاذبة المزيّفة، فقط. وإنّما يعمل على القتل الجماعيّ والإبادة بشكل منهجيّ مكثّف مسنودا بتحالف الشرّ الغربيّ والامبرياليّ والتخاذل العربيّ الرسميّ.
فهو يمارس القتل المعنويّ والرمزيّ عبر سرديّة المحو والإنكار. مثلما يمارس القتل الماديّ على الشعب الفلسطينيّ ونخبه ورموزه التي تحمل لواء السرديّة الأصليّة، سرديّة الوجود والمقاومة. وللعدوّ في ذلك سوابق عديدة منها اغتيال الأديب الرّمز غسان كنفاني ، ثمّ اغتيال صاحب هذه الرّواية سرد آخر، قصد إسكات الرّواة وقتل السّاردين. فمن هو نضال عبد العال صاحب رواية سرد آخر؟ كيف نعرّف به وبأدبه وبالقضيّة، حتّى نفشل خطّة العدوّ في إسكات صوته وطمس سرديته؟
ولد نضال عبد العال في مخيّم نهر البارد في شمال لبنان، سنة 1969. خاض منذ شبابه المبكر تجربة نضاليّة على المستويات السياسيّة والعسكريّة. له روايات ثلاث هي: مسلّة أديم ورواية ازدحام ثمّ رواية سرد آخر، التي عرّفنا بها اليوم. استشهد الكاتب المناضل نضال في غارة صهيونيّة بمسيّرة في بيروت يوم 30 من سبتمبر 2024.
لقد تمكّن العدوّ من الجسد، لكنّ الكاتب الشهيد خطّ بدمائه فصولا أخرى من سرد آخر في رواية شعبه المقاوم، وفي مواجهة السرديّة الكاذبة القاتلة للشخصيات في الرّواية وللكتّاب السّاردين في الواقع. ألم يقل غسّان كنفاني تموت الأجساد لا الفكرة؟ أليس لنا أن نسأل: هل تموت شعلة المقاومة التي تحملها الملايين في ضمائرها وترفعها بأيديها وتحميها بإيمانها وتردّدها على مسامع الأجيال جيلا بعد جيل؟ إنّ الكاتب لم يمت لأنّ الحكاية التي كتبت بالدّم لن تموت.

