Menu

زفة (مورتو)

بسام سفر

32.jpg

المهجع الرابع في جناح جيم يسار، بمنتجع صيدنايا يقل عدد سكانه إلى ثمانية عشر من أصل عشرين سجيناً, ونادراً ما يستقبل مقيماً جديداً بعد السجين الثامن عشر، وعند ازدحام المهجع بالرقم 18 كنا نضع طاولاتنا الصغيرة، وعليها الكثير من أغراضنا القليلة: كوب الشاي، ودفتر، والأوراق, والكتب التي نختارها للقراءة والراديو، في الممر الذي يتوسط المهجع أمام العازل والفرشة التي ينام عليها السجين.

نادراً ما يبقى أحد نائماً بعد الساعة العاشرة غير بعض الذين يسهرون، الذين لديهم زيارات يستيقظون باكراً, ويحضرون أنفسهم للزيارة الشهرية, وتجدهم يحلقون ذقونهم, ويستحمون من أجل هذه الزيارة, رغم أنها من خلف شبكتين, لكن درج السجناء على ذلك العرف, وارتداء ثياب الزيارة مثلما ثياب العيد خارج السجن.

قبل يوم من زيارتي, بعد الغداء كنت أتمشى في( الكاريدور، الممر الطويل أمام المهاجع) انضم لي صديقي مروان, وتذكرنا شيئاً من أيام الدراسة في إعدادية وثانوية جرمانا.

فتح سيرة لعب (الشدة، الورق) مساء في المهجع, طلب مني مروان أن نخسر اليوم أنا وشريك (أنور، أبو يارا) لكي ( يزفوه) غداً بعد الغداء، لأن أبو يارا يطلق التصريحات النارية, أنه لا يخسر, ولا يُغلب أبداً في لعبة "المورتو", وأنه ملك اللعبة.

وبعد تردد، قال مروان: نعطيك كاسين عرق, بس اترك لنا أبو يارا هذه الليلة فقط.

مساء بعدما دخلنا مهاجعنا, وأخذ رئيس نوبة الحرس المسائية العدد في المهاجع, وقفل الباب, صرخ مروان بمازن الشعراني ألا تريد الأخذ بالثأر من أبو يارا، (موجهاً حديثه إلى أنور) إلى متى سيبقى الخط، وبسام يتحمل عدم معرفته  بلعبة المورتو.

سألت مروان هل نلعب على فراشك؟ أم عندنا على فراشي وفراش فواز في زاوية المطبخ؟

مروان: نلعب عندك بعد إذن الحبيب فواز (يتحرك أبو يارا, ومازن, ومروان نحو الزاوية).

أبو يارا: وهذا الورق جاهز خلطت الورقين (لعبة المورتو تحتاج ورقين أي 104ورقة, وليس52 ورقة).

مازن (لأبو يارا): جاهز تخسر اليوم, سوف (نزفك بالكاريدور), ونرقص أمامك, ب( الطنجرة).

أبو يارا: أنت روح تعلم اللعب أولاً, منذ أسبوع وأنتم تخسرون، أنا شريكي أبو خضر وسنربح.. ( بدك فت خبز كثير).

مروان: اليوم معنوياتي عالية, وأبو خضر بكرا عنده زيارة, ومخه ليس معك اليوم.

أبو يارا: صحيح بسام عندك زيارة.

بسام: أي والله, وأرسلوا لي مع زيارة مروان أن الغد موعدهم.

أبو يارا: إذا رأسك مشغول من أجلها لبعد الزيارة بكرا.

بسام: لا، نلعب.. نتسلى.. ننسى الهموم.. بس أنت ركز, مازن وزع الورق.. مروان خليك معنا حتى تسأل ماذا يحدث باللعب؟!.

مروان: معكم.

مازن: اقطع أبو يارا (يقطع ويضع الجزء الذي أخذه من الورق على الفراش مكان اللعب).

(يوزع على كل لاعب ورقتين، وورقة مفردة أخيرة, ويعد 11ورقة لكل مور, ويضعها على طرف، بحيث يبقى على الفراش مورين كل منها فيه11 ورقة).

لعبة المورتو (يوزع على اللاعبين الأربعة 11ورقة, ويوضع على الأرض مورين لكل منهما 11ورقة, عندما يفتح (أي لاعب من أي فريق) يأخذ مور واحد11 ورقة, ويعمل على تنظيمها من جديد من أجل إنهاء اللعبة, بينما يكون شريكه قد نظم أوراقه على المور الذي فتحه شريكه من أجل إنهاء الدور، والتسجيل عند الفتح وإنهاء الدور يسجل للفريق (100) أو (200) حسب الاتفاق, وإذا كان على الأرض من أوراق سبعة (ثلاث, تريسات) أو ( سبعة أس, أصوص) أو (سبعة جويزات, من الأوراق التي عليها الرقم2) يسجل للفريق الذي كسب الدور بالفتح (1000) على هذه الأرقام الدنيا من الورق (3,2,1)، وأحياناً تسجيل الأرقام حسب اتفاق فريق اللعب.

مروان: يرمي أوراقه كاملة على الفراش منجزاً الفتح الأول, مازن اعطني مور, يأخذ( مازن /11/ ورقة مور) ويعطيها لمروان يفتحه, ويرمي ما هو مطابق للمور المفتوح بالأرض، وبنهاية لعبه يرمي ورقة للأرض.

مازن: يفتح يرمي كل أوراقه بالأرض, بعد أن سحب ورقته.

مروان: يا أبو صطيف.. يا أبو صطيف..طيب اعطي دورة واحدة على أفرغ يدي، يا أخي طول عمرك مستعجل..

بسام (يسأل أبو يارا): ورقك ليس جيداً؟!

أبو يارا: ماشي الحال, كنت أحتاج ورقة، لكي أفتح وآخذ المور.

تتوالى أدوار اللعب, سجالاً مع بعض التقدم لفريق مازن ومروان, أخيراً عندما يقارب تسجيلهما من إنهاء اللعبة, ينبه بسام، أبو يارا أن دور اللعب سوف يذهب من بين أيديهم.

أبو يارا: الورق اليوم سيئ جداً, وأنت ما عم تركز معي.

بسام: يعني إذ أنت المحظوظ لا ورق لديك, أنا المنحوس سوف يكون ورقي جيداً وقادراً على إخراجنا من قاع البئر.

مروان: هذا الحل بات رقمنا قريب من النهاية, هل تسلموه؟!

أبو يارا: (ينظر إلى بسام ) ما رأيك؟!

بسام: لا, لن نسلم لو هناك (رقم1 فقط), فالورق لا أحد يعرف متى يأتي؟!

مازن: انظر مازن (الذي حظه ب..) فتح, تقول لي لدينا أمل بالورق.

بسام: نعم, دائماً هناك أمل.

مروان: سوف نزفك غداً, ونخلي أبو حسين يسخر منك.

مازن: سأرقص أمامك من المهجع الأول حتى المهج11, حضر حالك؟!

أبو يارا: يا أبو خضر جعلتهم يسخروا منا.

بسام: أنت حظك اليوم ولعبك بقهوة الحجاز (عينك على المارة, وليس على الورق, وكيف تنتهي أي دور؟!)

مازن حضر حالك للزفة.

 (اليوم التالي)

بعد الزيارة، ولقاء الرفاق في الممر وأسئلتهم, عاد بسام إلى مهجعه, جاء مروان بزجاجة السحب الثاني، وسكب كأسين صغيرين عرق, وصرخ على أنور ومازن وسكب لهما كأسين وبعد أن شربا, خاطب مازن (أبو علي, جلال مسعود) أعطنا طنجرة من عندك؟!

أبو علي: هل حان وقت الزفة؟!، حتى نخبر أبو حسين والرفاق في المهجع الخامس

مازن: بعد قليل (بس نخلص من كأس الفوز)

أبو يارا: (حنيها) مازن.. (حنيها) بالعمر تفوز مرة تفضحنا فيه, وأنت كل يوم تخسر.. كل الحق على بسام؟!.

مازن: هذه ورقة التسجيل النهائية، بسام فاتح أكثر منك، وأنت دائماً تحمل خسارتك للشريك, لا تتحمل مسؤولية أي شيء, هذه الورقة سوف ألصقها على( صلعتك), وخلي الجناح يضحك على خيبتك.

مروان: خلصنا مشروبنا.. مازن (أعطني الطنجرة لحمي أيدي) يعطيه الطنجرة..

مازن: أبو يارا انهض حان وقت عرسك؟!.

أبو يارا: (ينظر إلى بسام) فرح أنت؟!

بسام: يا أبو يارا كاسين عرق أحسن من لعبة (مورتو) بعدين خصر مازن المليان، أحسن من خصر نجوى فؤاد وسهير زكي؟!.

تبدأ أصوات الطنجرة كقرع الطبل, ويتوسط المجموعة أبو يارا وعلى (صلعته) ورقة التسجيل, ومازن بدأ بالرقص, مع ضجة الأصوات، هل خسر أبو يارا البارحة؟ يا مغلوب.. يا خسران؟!.

يسير الموكب نحو المهجع11, من المهجع الأول  مروراً بالمهاجع الأولى إلى الخامس. تتعالى الأصوات، ويصرخ مازن (أبو حسين تعال شاهد رفيقك المزفوف).

فيصل: أبو يارا اشترينا لك ورق لعب صغير من أجل التدريب.

 أمام المهجع السادس, ينادي مروان (قيس.. يا قيس) تعال شاهد صاحبك المغلوب.

مروان: يا أبو علي (فاتح) تعال شاهد رفيقك المغلوب، يا سابع يخرج فاتح متسائلاً: لماذا الضجة بعد الغداء؟!

مازن: زافين العريس المغلوب.

(شن غليلة.. شن غليلة.. الخسران ما له عيلة).

أبو علي: خرجك.. خرجك.. لماذا تلعب ورق؟!

مروان: يا جفان.. يا جفان.. تعال شاهد شريكك كيف خسر؟!

جفان: يا الله.. يا الله.. كم دفعوا لبسام حتى خسر أمامكم؟!.

مروان: سكرة عرق.. شرب أبو يارا.

جفان: أنا من أسبوع ما عندي شفة عرق.. يا خونة أعزموني..

أبو يارا: حقك على أبو خضر؟!

( يشارك جفان بالزفة, ويسحب ورقة التسجيل من رأس أبو يارا)

جفان: الفارق بينكم (خمسين) نقطة، هاد انتصار يستحق الزفة والعرس؟!.

مازن: (شن غليلة.. شن غليلة.. الخسران ما له عيلة)..

أبو يارا: هي وصلنا للمهجع11, مازلت بدك ترقص يا نجوى.. يا مازن؟!

جفان: افرح أبو يارا يا شريك الرضا؟!.

مروان: عند الزفة المقبلة, بزيارة بسام الشهر القادم.