ولد ذاك الفتى الحائر بأمره وفي فمه كسرةُ خبز صُلبة تمرّس في كسرها، تعلّم منها كيف يميت الجوع أمام ولائم الشوك القاسية, كان يعتقد أنّ الحياةَ مجرّد ألم يقوده إلى ألم آخر ومعارك قاسية تقوده إلى نصر محقّق, معارك عليه أن يواجهها بعناد متسلّحاً بكلّ عتاد الرجولة التي داهمها قبل أوانها, أدمَنَ الهمَّ والتّعب منذ صرخته الأولى, فكانت الطفولة بالنسبة إليه قوقعة تعيق حروبه الملحّة وتجَرّدهُ من كلّ أسلحته التي تعينه على مجاهدة الحياة, لذلك ضاق ذرعاً بها، قرّر أن يغادرها قبل أن يعيشها، فلا سرير حرير يفقد دفأه، ولا ألعابَ جميلة تغادر حضنه .
تفتّحت عيناه في أزّقة محكومة بالفوضى والشّقاء, وكان أوّل ما رآه ثوباً سُرق من شظف الصحراء مجسّداً بخيمة تتراقص مع الريح الباردة وتذبل أمام لهيب الشمس الحارقة، و في الحالتين كلتيهما كانت تلك الخيمة اللعينة تكثّف لؤم الطبيعة لتصلي أكوام اللحم المكدّسة تحتها بوابل لا يرحم من القرّ والحرّ.
لم يكن ذلك الفتى يدري بأنّ طفولةً "ما" كان يجب أن يعيشها، أن يتلذّذ بها، ربّما نسي أن يخطفها من حضن الزمن الراكض دون هوادة أمام طفل كُتبَ عليه أن يعيش النزوح واللجوء وهو ما يزال في بطن أمّه.
كلّ ما يتذكّره من ذاك الزمن خيمة متهالكة والكثير من الحروب القدَريّة التي خاضها دون سلاح إلّا من جسده الضعيف وشيء من فطرة التحدّي في مواجهة اصطفاء الطبيعة حفاظاً على البقاء، فطرة وُلِدت معه، جينات توارثها لا دخل له بها, جاءته نتيجة تراكمات طويلة بدأت مع أجداده الأوائل في قاع الزمن منذ أن كانوا يقارعون الطبيعة أملاً بالنجاة من كوارثها وغدرها.
أخذ منهم روح التحدّي فبدأ معاركه وهو لمّا يغادر عتبة الطفولة، تقمّص دور العامل والفلّاح، رفَعَ موادّ البناء على ظهره الطريّ، حفَرَ الأرض بيديه الغضّتين مقابل أجر بخس كان يراه ثروة قد تعين أسرته الكبيرة في شراء بعض الخبز أو فتات لحمٍ نادراً ما كان يراها على وليمته البائسة، كانت سيرورته في تلك المعارك مجرّد تراكم خبرات تعدّه لمعارك قادمة أقسى وأمرّ.
ذات يوم نهض الفتى من طفولته المنسيّة عندما استرق بعضُ زملائه النظر إليه وهم يبتسمون بينما كان أستاذ اللغة العربيّة يقرأ:
(عمل غسّان كنفاني في بيع أكياس الورق في دمشق)، يومها شعر أنّ مارداً استفاق في أعماقه وحطّم قمقمه المتكلّس بعد غفوة عميقة أهمل خلالها ذاته أمام هذا الصراع غير المتكافئ في مواجهات سرمديّة, لذلك لم يكن يهتمّ كثيراً بتفاهة الأناقة وهو الفارس المنكوب بكلّ مفردات العناء.
شعر الفتى بخجل أمام أقرانه، بعد أن فهم أنّ مهنة بيع الأكياس معيبة لمن هم في سنّه، لماذا؟ لا يعلم, لكنّه قرّر بينه و بين نفسه أن يتخلّص من هذا العار الذي داهمه فجأة دون مقدّمات.
بدأ الفتى العمل في مهنته العائليّة هذه منذ أن كان في الصفّ الخامس، ومنذ ذلك الوقت وهو يدور في دوّامة تبدأ ولا تنتهي، تشرع بطحنه منذ لحظات الفجر الأولى حين كانت أمّه توقظه مع أخيه الذي يصغره سنّاً، يحمل كلّ منهما ربطات الأكياس المخصّصة له على كتفيه، ويتوجّهان بها إلى السوق لبيعها لتجّار الخضار القادمين من الأرياف.
كثيراً ما كان يحزنه في تلك الصباحات المكرّرة حال أخيه الذي يكاد يغفو وهو يمشي مترنّحاً وقد أخذ به النعاس والتعب كلّ مأخذ وسط طريق المخيّم الترابيّ الموصل إلى سوق درعا والّذي ترفده أزّقة المخيّم الضيّقة لدرجة الاختناق.
- غازي أوعى تنام.
كان أخوه يكتفي بالصّمت وفي داخله زحمة من الأمنيات لعلّ أقلّها أن يكون الآن ما يزال في فراشه ولو كان بارداً.
أصوات متداخلة, سعال, قرآن مرتّل بصوت عبد الله الخيّاط, شتائم, ضجيج, كلّ هذه المشاهد السمعيّة الصباحيّة المتراكمة على جانبي الطريق كانت تتنافر لتشكّل صورة واقعيّة عن التداخل بين المعاناة والأمل وبين الإيمان والتذمّر الرافض للواقع المٌثقل بصديد البؤس والتشرّد.
كانت رحلة قاسية تبدأ ولا تنتهي، يبيعان ما يمكن بيعه في الصباح ثمّ يعودان إلى البيت (الخيمة) أو كوخ اللبن لاحقاً، ليجهّزا نفسيهما سريعاً للذهاب إلى المدرسة، وبعدها يعودان إلى السوق ثانية ليبيعا ما فشلا في بيعه في صباح ذلك اليوم، ثمّ تبدأ رحلة مسائيّة تتّسع فيها المسافات بحثاً أكياس الإسمنت الفارغة في أحياء درعا لإعادة تدويرها وتحويلها إلى أكياس ورقيّة, عرائس تُلقى في ساحة الدّار لتتحوّل إلى قروش تسدّ ما يمكن سدّه من رمقٍ متعنّتٍ، وهكذا كانت تدور الحياة بهما دون توقّف، أُقنعا خلالها أنّ الاستسلام للتعب أو حتّى الشّعور به أمرٌ معيب على الرجال.
- يمّا أنا كبرتُ و لن أعمل في بيع الأكياس بعد اليوم.
أخذت الأمّ هذا القول بنوع من السخرية والاستخفاف، فثمّة أكثر من لاعب احتياط في البيت مرشّح للعب هذا الدور وتسلّم الراية.
- يعني صرت زلمة يا مقلعط! بعدك ما فقست من البيضة.
في قاموسها الوجوديّ لا مفردات للمهادنة مع قسوة الحياة، ولا معاني تُفهم في سياقات لِذّات النفس وحقوقها، لذلك تجدها في حركة دائمة كنوّاس ساعة لا يهدأ طوال الوقت، فقبل أن تبدأ رحلتها في إيقاظ الجميع تكون قد ملأت (سطل) الماء من الحنفيّات الجماعيّة المنتشرة في المخيّم, ونظّفت ما يجب تنظيفه, غسلت ونشرت, وجهزّت إبريق الشاي على ببّور الكاز وإلى جانبه رفيق الصباحات والمساءات صحن لبن يتيم, وثفال الخبز الملفوف جيّداً ببطانيّة الوكالة للحفاظ على نضارته.
تمادى الفتى الهارب من طفولته، وأراد أن يتقمّص دور الفارس في سنّه المبكرة تلك، ربّما كان ذلك انتقاماً من الواقع وقيوده التي هشّمت طفولته وصهرته في بوتقة الألم الّذي طالما أخفاه كعورة يداري سوءتها عن عيون الناس.
- شباب ما رأيكم أن نهرب إلى لبنان في الصيفيّة ونصير فدائييّن؟
تحمّس بعضهم للفكرة, واتفّقوا على التنفيذ في صباح اليوم التالي للفحص الأخير، وكان حينها لمّا يزل في الصف الثامن.

