Menu

عبقرية الدم

عبد النور الهنداوي

نشر في مجلة الهدف العدد (67) (1541)

)إلى كل يهود العالم الشرفاء (

 

من الذي أعطى اليهوديّ صلاحية كل هذا، لزراعة الدم؟ !

يقول أحد الجنود الصهاينة: إن الدبابة التي هي ضرورة بقائي هي أمي، ما دام الحاخامات وهم في نومهم يعمدون إلى تأويل نصوص التوراة على هذا النموّ الحميمي، وما إذا كان اليهودي يمتلك كل هذا العقل لكي يقتل ويقتل فقط

قليل من التاريخ يكفي، ولا وقت الآن لكي نكون على بيّنة من أن ضرورات البقاء، أعني البقاء.. بفتح ذراعيه للبقاء؛ وليعلم من لا يريد أن يعلم، أن جدلية البقاء، أو أي جدلية تاريخية تحكم بين اليهودي واليهودي، وبين شعب دحر كل هذه البربرية بأظافر أطفاله، وبعيونهم أيضاً أن يكون ضحية يوشع بن نون أو بنيامين نتنياهو التاسع عشر.

صحيح أننا أمة عربية حائرة، ومن الصعب أن تتشكّل لدينا اللحظة الإستراتيجية، لكن الأهم أن لا نحترف مهنة الصراخ، ونتقن أكثر فن التسكّع على الأرصفة. . والبحث عن مخابئ لأرواحنا .

وما دمنا إلى الآن نتصارع سياسياً في هذا العراء، هناك من يدفع بقهقهاته التي ملأت المكان، لأن العربي الذي امتلأ بالعذاب.. العذاب الفضفاض الذي قد يسحق حتى البكاء الذي لازمنا والذي ادّخرناه، كي يظهر القمر العربي الذي نعرفه من زمان وتظهر المعجزة في أبهى صورها .

ما تمّ في غزّة قبل أيام، "ظهرت"، أسوأ صورة للتشتّت العربي، وأننا لن نستدرك ما أمكن ولو القليل من هاجسنا المستقبليّ الذي سقط فعلاً، وأننا ننتظر المساعدات التي "ستسقط " علينا من الله!

لا اللامبالاة تفيد الآن، ولا المعالجات الآنية يمكن أن تفصل اليهودي عن أكلة لحوم البشر، المأساة بل الكارثة تقرع الأبواب وتدخل علينا في ساعة تقتحم علينا الفراغ.. كما لو أننا لا نملك الرؤية الكافية لكي نرى .

أنفاق أسطورية بين العربي والعربي لرصد آلية نشوء العدم،

يقول اليهودي: سنستخدم كل إمكاناتنا لتعرية العرب حتى من عظامهم وسنمنع حتى الملائكة من ممارسة مهنة النظر في عيونهم، العرب كائنات خاضعة للتعليب بل الاغتيال .

يقول يهودي أمريكي آخر: أخشى على اللحظة الإلهية أن تتبعثر أمام القوّة التي نملكها، علينا أن نغسل العرب كلّ العرب بالأنين، ونجعلهم أي شيء في مهبّ الريح، ونبيعهم مواطئ أقدامنا لتنام أرواحهم !

ولعل أساقفة العرب يعرفون تماماً أن وجوههم المرصّعة بالذهب الأسود، الأسود جداً هي تحت الزمن الفلسطيني الذي لم يطأ الهواء، طريقه الأبديّ الأزل، لأن الذي يعيش بين هؤلاء البرابرة، سيظل على قيد الحياة إلى ما بعد التاريخ، وروحه التي بين يديه لا تؤكل، ولن يستطيع الفرار بها إلى المجهول

يقول شاعر يهودي: يا إلهي إن روح الفلسطيني ضيفه الدائم على العشاء، يعني أن الروح اللانهائية هي حقاً من ممتلكات الله، وإن موت الفلسطيني يكتمل تحت ملابسه التي تشبه التراب .

اليهودي لا يستطيع أن يقرأ الماضي، هو يقرأ فقط أن يوشع بن نون لا يأكل من الأطباق الفارغة.. ويبدو أننا نحن اليهود قد زرعنا فلسطين في الفلسطينيين، وزرعنا الفلسطينيين في فلسطين.. مع أن بعض الحكام العرب ممّن "يعتقدون" أنهم بحماية حائط المبكى وأن تاريخهم ليس سوى مائدة فارغة ترعرع فيها بقائه التافه .

يا سيدنا الله، إننا جاهزون لنقلهم بشاحناتنا وعلى نفقتنا "نفقة العرب بالتأكيد" إلى المريخ، أو أي مكان آخر، والمطلوب منك يا سيدي في الوقت الحاضر، هو "تجهيز" الكوكب الأحمر بالأسباب التي يمكن لذلك النوع من الكائنات البشرية من المكوث هناك.

هذا الكلام، نداء وجّهه أحد الحاخامات وهو يصلي أمام الهيكل. هذا إذا صرف الله النظر عن يوم القيامة، ليظل اليهوديّ على قناعته أن الصدمة لن تجيء، وأن القدر هو قطعة من القماش، يضعها اليهودي أتّناء النظر إلى البشرية، ومنع الخطيئة من الاقتراب من التلمود .

لهذه الأسباب يُفترض على شعب الله المختار، أن يعمل بكل طاقته من أجل أن لا يُلحِق "الآخرون" الأذى بالحياة. ويقول اليهودي أيضاً: حتى أرواح الحشرات يقتضي احترامها، لأن العربي له لقب واحد فقط هو اللاشيء .

الحاكم العربي يتلذّذ بإنتاج الذل، وهو يرتدي العار، ويأخذ قيلولته بمحاذاة مستودعات القمامة، ويخطب بشعبه: أنتم أمة تحتاج إلى من يعيد تعليبها لتستطيع أن تكون أمّة .

إن حكومة جلالة الملك، تنظر بعين العطف والرأفة إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين؛

هذا أول سطر من وعد السيد المحترم آرثر بلفور بالاغتصاب، ولأننا من دون تاريخ إذاً إننا من دون خطيئة .

والذي حدث أن الفلسطيني قام بتحطيم الأيديولوجيا التي يمكن أن تكون أكثر قابلية للبقاء، ولا يعرف السيد المحترم - بلفور - ولا اليهودي أن التاريخ هو عبارة عن سلسلة من اللحظات الطاحنة التي قد تعرّي معها المتواطئين الجدد، حرّاس الرمال الساخنة، لأن ضراوة الماضي، فيها أشياء كثيرة جداً توحي أنه يمكن أن يتجذّر في العقل العربي.. ولكن بطريقة مريبة وشائكة .

يبدو أن التوراة الجديدة أصابها الجفاف جرّاء الهروب الرائع من الوعي، وهذا يعني أن هناك تغييراً فلسفياً بدأ يجثم على صدر الهيكل الذي هو أصلاً لم ولن ولا ينتج غير تأهيل نفسه ليقول لليهوديّ: أنا لست الهيكل الذي تعتقد .

في الفلسطيني يوجد المكان الذي تنتهي عنده قبائل العرب الخائنة، لذلك يدخل نهائياً بذاته ويتوحد مع يومه الأخير.

عِظام الفلسطيني لا تصلح إلّا للفلسطيني، إنه الكائن الأخير الذي عثر على قدميه الضائعتين في فلسطين !

يقول طفل فلسطيني دون العاشرة من عمره: ولدت قطعة قطعة في غزّة؛ وضِعت عند ولادتي في فلسطين، لن أهرب إلى آلام أقل؛ لأني لست الفلسطيني الذي يهرب إلى الآلام، إن عِظامي لا تصلح إلا للحياة هناك.. هناك فقط .

هذا وحين ينتهي الحاكم العربي من أي حديث ما، علينا أن نغسل الهواء خوفاً أن يمتلئ بالكذب، لأن حياته تشبه الطريق الوهمي إلى المقبرة .

يبدو أن ما يفعله اليهودي الآن، هو أن يكون حجراً من حجارة الهيكل، لا ليبحث عن الخبز، لأن بقائه ينبغي أن يظل بطريقة أخرى، وهذه هي الطريقة المثلى ليعرف العربي كيف يمشي إلى المستقبل !

عطل طارئ في الفلسفة فكان الفلسطيني، ولا أحد يعرف ماذا يجري وراء يديه، لكن الضجيج الغامض اللانهائي، كان يملأ أوراق التلمود، وليس صحيحاً أن ما يقال: على اليهودي أن يحطّم ولو قليلاً من البشرية، لأن الرب الذي أنشأنا لم يضع مسافة بيننا وبينه وبين الملائكة.

هل أصبحت وجوه العرب خشنة وخادعة وتحرسها غابة من السكاكين لتظل أيديهم ممتلئة بالقضاء والقدر؟!

الحاكم العربي اليوم، في أبهى صورته وهو يرتدي الفضيحة، لأنه سيظل كل حياته داخل عِظامه .

فالنمور الخشبية لا تصنع الثورات.. لذلك فليهيل كل حاكم عربي تواطأ مع قناعته حفنة من الأنين على حياته، ربما تصبح تقاطيع وجهه أكثر رِقّة وعذوبة وعمقاً؛ كونه ربط كيانه ومصيره بمصير "رقصة المناديل السبعة" وظهرت سالومي بكل قيافتها للحفاظ على جاذبيته الهائمة في الذل .

الفلسطيني في مكانه، والتاريخ في مكانه، فيما اليهودي سيظل يلعق إهانته وذلّه وهزيمته حتى آخر يوم في التاريخ .

هل بقي لدينا من الكلام عن عبقرية الوقت، نعم، بقي وقت الفلسطيني الذي حمل الشمس فوق ظهره وعاد بها إلى الله.

_ اليهودي القادم من العراء، لا ولن يستطيع البقاء داخل أرض يسكنها القدر.

_ اليهودي لن ينغمس، أو يتماهى كليّاً في أسلحة الدمار الأمريكية وحتى الأوروبية، لأن روحه ما زالت عالقة في أرض ولادته، وأن أوراقه اللامرئية هي ركامه اللامرئي الذي أنتج قطعاناً لا نهائية من الوحوش، وهذه الوحوش لا تشعر البتة بأنها مجتمعات إنسانية متوازنة، بل هي ذلك الفتات الذي تبعثر وترعرع فوضوياً.. لإحالة العالم كلّه إلى مستنقع للهياكل العظمية !

الحاخام الأمريكي أبراهام زايتلمان كتب ما يلي: انظروا أيها العالم، إن إله العرب يضرم النار في أرجاء العصر، وهو بالتأكيد إله يعمل على تحطيم الزمن.

بهذا يعتبر هذا الحاخام أنه من الضروري شن حرب شاملة ضد العربي في كل مكان لكي يبقى هناك الزمن، وبالتالي لكي تبقى البشرية؟

يا سيادة الحاخام.. لماذا لم تتحدث عن "يهوه" المتوحش الذي ولد وترعرع وعاش داخل كهف كان ذات يوم مقرّاً لبركان هائل؟ وكأن هذا "الإله" يشبه في بعض خصاله بل أكثرها آلهة الشر عند الإغريق، يرشق السابلة وحتى النيام بالحجارة، إلى أن تمكن الكهنة من ضبطه، ومن ثم صقله ليتكيف مع النوع البشري والثقافة البشرية .

لا أحد ينكر أن الكثير من حكّامنا والكثير من أقوالهم والكثير الكثير من خطبهم العصماء، والتي بجرّة قلم تتحكّم هكذا مزاجياً بمليارات الدولارات، ويبعثرونها صفقة وراء صفقة أمام أعينهم، وأمام الستار لا وراءه .

فهل كان الأنبياء يمتلكون الصلاحيات التي يمتلكها هؤلاء الحكام.. بالتأكيد لا

في المفهوم الغربي، ومفهوم "صراع الحضارات "لهنتنغتون - ليس لدينا لا حضارة ولا تاريخ، لدينا مستودعات من الأفكار العدمية التي يعود بعضها إلى عهد قابيل وهابيل، فيما ينتهي بعضها الآخر إلى الأيام العبثية الكبرى والجاهلية الكبرى، مروراً بكل الأفكار التي أنتجها العربي الذي أنتجها الهواء.

هل نعترف أمام هذه الوحشية العالمية أن ليس لدينا ما نفعله الآن غير أن نصنع من أنفسنا قضايا مفخّخة؟ لا لشيء، إلا لكي ننهي بأيدينا الشريرة كل تلك الإنسانية التي نتمسك بها، لأننا أكثر شعوب الأرض اقتتالاً من أجل الحدود، الحدود الوهمية التي حولتنا إلى مغامرين "أكلت بعضها " .

إنه إيقاع الجريمة الذي يعاني من صدمة الخوف، وإنه التاريخ القذر الذي يغتال الحاضر بكل ما أنتجه من حضارة، وفلسفة، واتجاهات .

يا أهل الزيتون وطور سينين ..

عليكم السلام !