سرعان ما تتغير صفحة وجه الممثلة العشرينية لبنى زين الدين لشيئٍ من العبس وهي تؤدي دورها المطلوب في إحدى المسرحيات، حين يصل إلى مسمعها انتقادات لاذعة وتعليقات ساخرة من أحد المشاهدين هناك.
منذ أربع سنوات من صياغة هذا التقرير انطلقت مهندسة الديكور لبنى بالسير بسعادة في طريق حياتها الفنية، لكنها لا زالت تعاني من كومة من الانتقادات والتعليقات على مستوى الجيران والمجتمع على وجه العموم.
لبنى حررت نفسها من تقاليد المجتمع وراحت تتألق في أعمالها الدرامية التي تحاكي واقع غزة، إلى أن جاء لها العرض الذي كانت تشق الطريق إليه والذي يتمحور في الوصول لفرصة عمل خارج أسوار غزة؛ وضبت نفسها لتستعد للإنطلاق؛ لكن سرعان ما تهشم حلمها على بوابات المعابر المغلقة.
"تعرضت لانتقادات بالجملة، لكنني صممت على مواصلة الطريق، حتى ذلك المعبر لم يرحم موهبتي، وتركني هنا ممثلة أمارس مهنتي بين نبذ المجتمع". تفتتح لبنى حديثها لمراسل "بوابة الهدف".
استياء يحيط الممثلة التي تقطن على الأطراف الغربية من مدينة غزة, جراء انعدام ثقافة تقبل الفن والفنانين في المدينة؛ لكن ما يخفف من هجمات هذا التذمر على صدر لبنى هو إيمان والديها بموهبتها.
غزة متباينة بخصوص "فن التمثيل" بين القليل المؤيد والكثير المعارض، سيما وإن كانت من تحمل هذه الرسالة امرأة!
أما كاميليا أبو سمك, فتعمل في مجال التمثيل منذ عقد مضى وهي من أقدم الممثلات هنا، لا يختلف حالها عن زميلتها لبنى، رغم أنها مخضرمة في العمل الفني, إلا أن نبذ المجتمع والأجر المتدني يحاصرانها، فهي بالكاد تساعد زوجها في توفير لقمة العيش لطفليها.
اختارت الفنانة أبو سمك مهنة التمثيل بناءاً على اقتناع تام من أهلها وزوجها, تقول "طالما أنني لا أخرج عند حدود الدين والعادات، لا ضرر بالعمل في هذه المهنة".
وتنتقي أبو سمك الأدوار التي تتمحور حول القضية وأهمية الشخصية, كأم الشهيد وزوجة الأسير وغيرها من أدوار المرأة الفلسطينية.
وتضيف أبو سمك "هناك عشرات المواهب العالمية في الوسط الفني بغزة من الواجب رعايتها، أتمنى أن يكون هناك نقابة ترعى الفنانين لضمان حقوقنا، فنظرة المجتمع وتدني أجرنا عاملان قسما ظهورنا نحن ممثلات غزة".
وحول أعداد الممثلات في القطاع, يقول الدكتور يسري مغاري مسئول حقيبة المسرح في الأمانة العامة للإتحاد العام للفنانين التعبيريين الفلسطينيين, إن "الممثلات في غزة لا تقارن مع الدول الأخرى من حيث العدد, قد لا تجد أكثر من 15 ممثلة في القطاع".
ويوضح مغاري والذي يعمل مخرجاً مسرحياً أن ظروف غزة والثقافة الفنية التي تحيط أذهان الغزيين، يُجبرهم على الحذر في العمل مع الممثلات, كذلك في اختيار أدوارهم.
ويتابع "تحفظ المخرج والممثلة يعيق نوعاً ما من إنتاج المادة الفنية"، وهناك عوامل تعيق أعمال المخرجين من بينها تكاليف الانتاج وتدني أجر الممثلين, بالإضافة إلى أن بعض الممثلات لا تعمل إلا أمام الجمهور الأنثوي.
كثرة المؤسسات المجتمعية والفنية التي ترعى الفن والأدب والحياة الشبابية عامل رئيسي في إقبال الجنس الأنثوي على الحياة الفنية.
كذلك يرى الفنان يوسف العفيفي أن "الضيق الشديد الذي يخيم على غزة منذ سنوات، أجبر أهلها على امتهان مهن كانت غير مرحب بها سابقاً".
إن كانت حرّية التّمثيل تعكس مقدار حريّة التّعبير في كلّ بلد، فيتوجب على أهل غزة التريث قليلاً قبل توجيه الانتقاد، فالممثلة الغزية تحاكي حياة المرأة الفلسطينية والقضية, أما في حال خروجها عن هذا النص، فحرية تعبيركم أو انتقادكم لها لربما يكون مسموح أو مبرر!.

