Menu

كتّاب غزة الشهداء (1)

د. ثائر يوسف عودة

نشر في مجلة الهدف العدد (68) (1542)

إنّ رواية الـ (قصة)، بالنسبة إلى الفلسطينيين، تعني التذكّر ومساعدة الآخرين على التذكّر وتشجيعهم على ذلك وتحذيرهم من النسيان وإدانته؛ لهذا تركّز القصص الفلسطينية (الغزاوية) في معظمها، إن لم يكن كلها، على التفصيلات الدقيقة، والدقيقة جداً، في محاولة لنقش التحدّي للفظائع والويلات ولحظات الأمل النادرة التي تتضمنها القصص في ذاكرة الكتّاب وذاكرة الناس الذين تطحنهم الحرب بآلتها، ولأنّ الذكريات تشكّل جزءاً كبيراً من عالمنا، فإنّ رواية هذه الذكريات على هيئة قصص هي فعل مقاومة ضد الاحتلال الصهيوني الذي يبذل جهوداً حثيثة لاجتثاث الروابط بين فلسطين والفلسطينيين وتدميرها.

والكاتب الفلسطيني (الغزاوي) يعتقد أنّ النسيان فضيحة، مثل الاستسلام للعدو؛ وهو على يقين من أنه سيكون ثمة حياة بعد العدوان والاجتياح، وأنه ينبغي لنا، نحن الفلسطينيين، أن نملك روايتنا الخاصة، لأنّ لا أحد سوانا يمكنه إظهار الألم العميم والمعاناة الباهظة التي فُرضت علينا؛ ولأنّ غزة تنتمي إلى المدن التي لا تموت مهما أمعنوا في قتلها. يقول هاملت شكسبير: عندما تكون شخصية ما على حافة الموت، فإنّ رغبتها النهائية هي رواية الـ"قصة". وبالتالي فإنّ رواية القصة نفسها تصبح فعل حياة، وفي الأدب العالمي والعربي شواهد كثيرة على أدباء حوّلوا تلك الرغبة النهائية إلى فعل حياة، والأمثلة أكثر من أن تحصى.

في حرب الإبادة الأخيرة على غزة فإنّ الكتاب الشهداء الذين كتبوا قصتهم الأخيرة قبل الاستشهاد أكثر من أن تحيط بهم مقالة؛ لأنهم كتبوا بالدم قبل الحبر تلك اللحظات الأخيرة التي أصبحت فعل حياة بعد رحيلهم، فاستُشهد كثير من الشعراء والروائيين وكتّاب القصة والباحثين والمؤرّخين والفنانين والرسّامين، ومعظمهم اُستشهدوا مع عوائلهم، من مثل: عبد الكريم عيد الحشاش، د. جهاد سليمان المصري، يوسف دواس، مصطفى الصواف، د. سفيان تايه، هبة زقوت، حمزة أبو قنيص، محاسن الخطيب وغيرهم كثير.

أمّا في تخصيص الحديث هنا عن الأدباء، فإنّ من أوائل الكتّاب الشهداء وفي اليوم الأول، يوم السابع من أكتوبر، الشاعر الشهيد عمر فارس أبو شاويش، حين قام طيران المجرم الصهيوني، دون سابق إنذار أو تحذير وبشكل جنوني، باستهداف منزله في مخيم النصيرات للاجئين. وفي روايته الأخيرة "على قيد الموت" أعلن أبو شاويش أنه: على مفترق وجعٍ كانت ثنايا الروح متناثرة، كنتَ أنتَ هناك ترثي أحلاماً بائدة، وأنا أمرّ لألملم بعضاً من جراحاتي، تلك التي عوّدتني الحياة أن أحتفظ بسرها، فكما للفرح سرّ، للوجع أيضاً أسرار.. لقد أكّد من خلال تلك الرواية على أنّ فكرة الصمود هي فعل إنساني يستهدف إعلاء قيم الحياة.

وخلال حياته القصيرة (37 عاماً)، حرص أن ينقل إلى العالم الواقعَ الصعب الذي نشأ فيه، وقدّم العديد من الروايات التي عبّر فيها عن الدمار الذي لحق بالناس، والشباب منهم خاصة، نتيجة معيشتهم الصعبة تحت الحصار وفي المخيمات. وحصل أبو شاويش على العديد من الجوائز المحلية والعالمية، أبرزها جائزة أفضل أغنية وطنية للعام 2007 ضمن المهرجان الدولي للأغنية الوطنية والتراث بالأردن، وعلى جائزة الشباب العربي المتميز على مستوى الوطن العربي من مجلس الشباب العربي للتنمية المتكاملة التابع لجامعة الدول العربية، وعلى جائزة قلم الشعراء الدولية في العاصمة الفرنسية باريس من الشبيبة الفرنسية. وهو ناشط مجتمعي بارز وله إسهامات مختلفة على الصعيد المجتمعي والشبابي والثقافي والفكري، وشارك في تأسيس العديد من الجمعيات والهيئات الشبابية.

الشاعر والكاتب سليم مصطفى سليم النفار (1963 - 2023) الذي ولد في مدينة غزة، وعاش في سورية ولبنان وعاد إلى غزة في عام 1994، كان، قبل العدوان على غزة، الشاعر الوحيد الباقي على قيد الحياة من الذين تُدرَّس أشعارُهم في المدارس الفلسطينية، حيث اعتُمدت قصيدته الشهيرة "يا أحبائي" في منهاج التعليم للصف التاسع الأساسي الجديد ابتداءً من العام الدراسي 2017-2018.

اغتيل سليم هو وعائلته في ضربة جوية نفذتها قوات الإجرام النازية على البناية التي لجؤوا إليها في حي النصر في مدينة غزة، واستشهد في الغارة هو وزوجته وبناته وابنه الوحيد مصطفى وأخته وزوجها وأولادها، وبقوا تحت الأنقاض خمسة أيام. وحين اندلعت هذه الحرب الطوفانية، أطلق نداءه الأخير قبيل استشهاده: «نداء نداء، لمن يسمع أو يرى، من أمّة فقدت مكونات الكرامة والرجولة والإباء. نداء نداء، إنّ إسرائيل الدخيلة على مكوّنات أرضنا وتاريخنا، تستبيح دمنا، وتهتك سكون ليلنا بوقاحة قلَّ نظيرها، بينما الصمت العربي والدولي يمارس رياضة صمت مريب، معبّراً عن خيانة القيم الإنسانية والقومية. نداء نداء: هل تفعلون قبل فوات الأوان؟«.

صرخة أخيرة باقية أطلقتها الكاتبة والروائية الشابة هبة أبو ندى: «نحن في الأعلى نبني مدينة ثانية، أطباء بلا مرضى ولا دماء، أساتذة بلا ازدحام.. عائلات جديدة بلا ألم ولا حزن، وصحفيون يصوّرون الجنة، وشعراء يكتبون الحب الأبدي، كلهم من غزة، كلهم في الجنة، توجد غزة جديدة بلا حصار تتشكّل الآن«. ظلّ الكتّاب وروّاد شبكات التواصل يتناقلون هذه الصرخة كلّ دقيقة منذ رحيلها! وأبو ندى (1991-2023) كتبت القصة والرواية والشعر، وهي ابنة عائلة لاجئة مهجّرة في نكبة 1948، درست في الجامعة، وعملت في التعليم، وحصلت على عدة جوائز أهمها المركز الأول في القصة القصيرة على مستوى فلسطين، والمركز الثاني على مستوى الوطن العربي بجائزة الشارقة للإبداع العربي عام 2016 عن روايتها "الأكسجين ليس للموتى".

كذلك ظلّت وصية الروائي الشهيد نور الدين حجّاج صرخة توثيقية ضد الإبادة، ومما جاء فيها: «ساعي البريد لن يأتي في ظل القصف المتواصل، والصحف لن تحمل أي خبر جديد، بل ستكتفي بمانشيت متكرر: الشمس لم تعد تشرق، بسبب الرماد الناتج عن تدمير كل المدينة، لكن ربما يصدر خبر موتي في النسخة القادمة«. جاءت هذه الوصية في كتاب الروائي والقاص يسري الغول (مواليد غزة 1980) الذي حمل عنوان "شهادات على جدران حبيبتي غزة"، الصادر حديثاً بعد عام من أحداث طوفان الأقصى.

نور الدين حجّاج الروائي الشاب الشهيد (1996-2023)، تمكّن من نشر روايتين: الأولى "غريب وغريبة" القاهرة 2018، والأخرى "أجنحة لا تطير" عمّان 2021 وكان ناشطاً في مبادرة شغف الثقافية وتجمع قرطبة ومؤسسة أيام المسرح.

الكاتبة مريم سمير حجازي ((27 عاماً من مخيم جباليا، أو مريم البتول، كما هو اسمها في بطاقة العائلة استشهدت بتاريخ 22-10-2023 إثر استهداف طيران الاحتلال المجرم منزلاً نزحت إليه عائلة حجازي في مدينة غزة دون سابق إنذار أو تحذير، ما أدى إلى استشهادها وعدد من أفراد عائلتها، وحده شقيقها الذي يعيش خارج غزة نجا وأنقذ العائلة من أن تُمحى من السجلات المدنية كما حصل مع عائلات أخرى اُستشهدت جميعها بالقصف.

في اليوم الرابع للحرب، كتبت مريم على صفحتها: «نفسي أرجع لحياتي الطبيعية.. رسالتي الأخيرة: أريد العودة إلى الليل، أريد التوقف عن مدّ يدي إلى الجدران، الشمس تلدغني .. أين مخبئي؟ أنا في مخاض الكلمات«.

أرادت أن تعرف كل شيء، أن تقرأ وتكتب وتستمع إلى الموسيقى، أن تشاهد الأفلام التي تحبها، كانت تنتظر الخريف، تنتظر أكتوبر اللطيف، الذي يشبهها كثيراً، وقد جاء أكتوبر، ليحملها معه، إلى السماء والشمس، بعيداً عن غزة، وبعيداً عن حياتها الطبيعية في أحيائها.

أما الكاتب والشاعر رفعت العرعير، (1979- 2023)، فقد كان هدفاً إستراتيجياً حقيقياً، يعرف ما يمكن للقلم أن يقدمه، يحارب بالقصيدة والنصّ، والأخطر هو نقل هذه النصوص إلى لغات أخرى. كاتب شاب سمّاه زملاؤه "صوت غزة"، وكان أحد مؤسسي مشروع "نحن لسنا أرقاماً"، والذي جمع مؤلفين من القطاع ومرشدين في الخارج يساعدونهم على كتابة قصص عن واقعهم باللغة الإنجليزية.

عمل العرعير أستاذاً للأدب الإنجليزي في الجامعة الإسلامية في غزة، ودعم لسنوات طويلة الكتّاب الشباب، وعلّمهم أهمية ترجمة نصوصهم ونقل المأساة الفلسطينية إلى العالم بلغات أخرى، وكان بإمكان العرعير الذي درس الماجستير في لندن والدكتوراه في ماليزيا، ويتقن الإنجليزية كأهلها، أن يبحث لنفسه عن ملاذ آمن في إحدى جامعات العالم، وأن ينجو بأطفاله الستة من آلة القتل الوحشية، لكنه آثر البقاء في غزة ومواجهة عنف الصهيوني بشجاعة الكلمة.

خلال "عملية الرصاص المصبوب أو معركة الفرقان" (2008 – 2009)، كتب رفعت العرعير: «سألتنا أنا وزوجتي، ابنتنا الصغيرة، شيماء، التي كان عمرها خمسة أعوام فقط، سؤالاً لا يزال يذهلني، وأصبح، في عدة مناسبات، سؤالاً يسكنني. ففي غمرة أصوات الانفجارات ورائحة البارود، جاء سؤالها، بصوتها الناعم والمرتجف، كصدمة لكلينا: "مَن الذي خلق اليهود؟" سألتْ، وهي تنظر في عينَيّ، ثم التفتت إلى أمها في انتظار إجابة. ولوهلة، لم يكن أيّ منا قادراً على الكلام، فضلاً عن إجابة سؤالها. وفي غمرة ذهولي، عرضت أن أروي لها قصة، وتبعتْها قصص أُخرى. إن لم أستطع أن أجيب عن سؤالها، فقد عرفت شيئاً واحداً، وهو لماذا كبرت شيماء بما يكفي، في أسابيع قليلة، لتسأل مثل هذا السؤال البليغ. لا بد من أنها فكرت في أن الله الرحيم المحبّ الذي تعلّمت عنه في الروضة، والذي يحمي عادة الطيبين في قصص أمها، لا يمكن أن يكون هو الله نفسه الذي خلق ماكينات القتل التي لم تجلب لنا، على امتداد أيام وليالٍ، إلّا الموت، والفوضى، والدمار، والدموع، والألم، والخوف«.

في الحرب الأخيرة (طوفان الأقصى) تركت قصّته وقصيدة إعلان موته (إذا كان لا بدّ أن أموت)، الأثر الكبير في عشرات الآلاف حول العالم، وأبكت قلوب زملائه المبدعين في فلسطين، حتى لو لم يكونوا من أهل غزة، ولم يسمعوا به إلا عقب رحيله. ومنذ لحظة استشهاده بسبب القصف الصهيوني الذي استهدف منزل شقيقته مباشرة، لم تنقطع قصيدته عن الألسن، فالممثّل الاسكتلندي "براين كوكس" ألقى قصيدة رفعت العرعير الأخيرة. كما ردّدتها شابة وناشطة أميركية في مقطع مصوّر، ومازال المقطع يحظى بتداول واسع في وسائل التواصل الاجتماعي، كما خرجت مسيرات في مدن العالم تحمل صوره وتدعو إلى وقف الحرب على غزة، وفي معرض الكتاب الوطني في روما، نهضت فتاتان مناصرتان لفلسطين لإلقاء القصيدة أمام الجمهور.

كان العرعير واعياً بأن تكون قصيدته باللغة الإنجليزية، كي تطير وتحلّق عبر العالم كله، وحريصاً أن يضمّنها حكاية شعبه ومأساته، آملاً أن تتحوّل أرواح الضحايا إلى طائرات ورقية ملوّنة تسعد أطفال غزة! فأصبح العرعير وقصيدته أيقونتَين متلازمتَين، ولعلّ جمالية النصّ أنه جاء خلواً من الميلودرامية ورثاء الذات، ومفعماً بأمل شفيف في الخلاص من كل هذا، شرط أن تصل الحكاية إلى الناس كلهم. وما تزال أفكاره وكلماته طليقة وباقية، تخلّد اسمه في التاريخ بعد أن استشهد على يد الاحتلال الصهيوني. وظلّ يكتب حتى الدقيقة الأخيرة ما قبل استشهاده، فنقل ورثة الأدب من بعده قصيدته الأخيرة وترجموها إلى لغات أخرى، ليخبروا العالم من جديد أنّ أصحاب القلم لا يموتون، وستظلّ نصوص العرعير وغيره من الكتّاب الشهداء تتردد كما بقيت نصوص عبد الرحيم محمود و غسان كنفاني وغيرهما.(يتبع)