Menu

غاب مبدع الفانتازيا التاريخية" هاني السعدي"

بسام سفر

نشر في مجلة الهدف العدد (68) (1542)

رحل عن عالمنا الكاتب الدرامي والممثل الفلسطيني هاني السعدي ابن مدينة صفورية المحتلة من قبل الكيان الصهيوني الذي لجأ مع عائلته في عام النكبة 1948 إلى سوريا وكان عمره أربع سنوات. ويأتي رحيله بعد معاناة وصراع طويل مع المرض في أوساط شهر شباط من العام الجاري، عن عمر يقارب 81 عاماً، عمل منها 65 عاماً ما بين السينما والتلفزيون والمسرح والإذاعة، ولديه خمسة صبايا عملت منهن روعة وربى في مجال التمثيل.

كانت بدايته في عالم السينما بفيلم" بوابة الغزلان " في العام 1969, مع المطربة سميرة توفيق وناجي جبر وياسين بقوش، وعمل في المسرح السوري في العديد من الأعمال المسرحية منها" رأس المملوك جابر، حفلة سمر من أجل خمسة حزيران"، للكاتب سعد الله ونوس والمخرج علاء الدين كوكش وعدد من المسرحيات مع المخرج العراقي جواد الأسدي التي قدمها المسرح الوطني الفلسطيني.

وفي السينما شارك في العديد من الأفلام منها" الحدود، حبيبتي يا حب التوت، الاتجاه المعاكس، التقرير والمتبقي" وعمل الراحل ممثلاً في العديد من الأعمال الدرامية منها" أسعد الوراق، أبو البنات و تجارب عائلية"، ليتفرغ بعدها إلى الكتابة الدرامية التي بدأها في" حارة نسيها الزمان و وداعاً زمن الصمت".

الفانتازيا التاريخية:

شكلت الأعمال الدرامية التي سميت" الفانتازيا التاريخية" ماركة مسجلة باسم الراحل هاني السعدي إذ ترافقت فيما أطلقت عليه في الدراما مفهوم الإبهار البصري التي عمل فيها في البداية المخرج السوري نجدت اسماعيل أنزور، وانطلقت فكرة" الفانتازيا التاريخية" مع مسلسل" غضب الصحراء"، الذي كتبه الراحل بناءً على طلب الراحل عدنان بركات ليكتب بعده" البركان" وسلسلة طويلة منها" الجوارح والفوارس" حيث عمدت هذه الأعمال حسبما صرح صناعها إلى قراءة الواقع المعاش من خلال قناع تاريخي فاستعارت من الماضي الديكورات والإكسسوارات واللغة العربية الفصحى ، وولفت إسقاطات سياسية واجتماعية عبر حكاية خيالية عناصرها من ترميز الواقع السياسي المعاصر من خلال استعادة التاريخ وتوظيفه في تاريخ سياسي يحاكي الواقع الجغرافي في المنطقة مع تغيرات في التسمية. فالعمل الدرامي" الفوارس" كان ترسيماً لخريطة سياسية مرسومة إذ أن"روما" عوضاً عن "الولايات المتحدة الأمريكية " و" قبيلة ابن أوى "هي الكيان الصهيوني بينما القبائل العربية هي الدول العربية والعرب.

هذه الإسقاطات المباشرة جاءت لتباين المقاصد والمباشرة للعمل من خلال حوار أجرته الصحفية ليلى نصر مع الكاتب الراحل هاني السعدي قال فيه أن مسلسل" مسلسل البركان" كانت فيه هذه الإمكانيات متاحة لأن الدول العربية كانت مشتتة، مثل القبائل في العصور القديمة. فحاول أن يدعي إلى وحدة القبائل التي هي عملياً وحدة الدول العربية المعاصرة للوقوف بوجهة خاصة في وضعنا الحالي، ونحن كعرب لدينا سلاح هام هو البترول وكم هائل من البشر ولكننا لا نستخدمه حتى الآن ورغم النقد الذي قدم إلى هذا النوع الدرامي إلا أن الراحل السعدي قال:" إن قبل انتفاضة الأقصى في العام 2001، كان عندي خوف من المحطات العربية التي تمنع أي شيء عن القضية الفلسطينية كوننا في مرحلة سلام ولا يريدون تقليب المواجع وإثارة القضايا من جديد لذلك لجأت في هذه الفترة إلى كتابة (الجوارح و الموت القادم إلى الشرق) بشكل مبطن".

ولكن الطلب على دراما الفانتازيا التاريخية لم يتوقف في تسعينيات القرن الفائت حيث عمل الراحل السعدي على مسلسل" الكواسر" لمركز دبي للافتتاح الفني في الإمارات الذي باعه للعديد من المحطات الفضائية الخليجية والعربية.

وأيضاً أنتج في العام 2023 مسلسل" فرسان الظلام و ذئاب الليل " من تأليف الراحل السعدي وإخراج سامي جنادي وبطولة " سلوم حداد، نادين خوري، مهيار خضور، لجين إسماعيل، رشا إبراهيم، عامر العلي، ربى السعدي، رنا جمول، فيلدا سمور، زيناتي قدسية، محمود خليلي، غسان عزب و هناء خضور" وعدد كبير من الممثلين والممثلات.

أن المسلسل يتناول مدينة تحاصرها قوى الشر والهلاك تنشأ فيها قصة حب بين سلمى وزيد لكن مع وجود أبو الدهماء الذي يعجب بسلمى ويتزوجها غصباً عنها ويحاول زيد الانتقام بعد أن عمل أبو الدهماء على تعزيز الفساد في المدينة بمساعدة كبير الحرس أبو الدوق والمشعوذ أبو الحكم".

ورغم المرض الذي كان يعاني منه الكاتب الراحل إلا أن أعماله الدرامية لم تتوقف حتى في المواسم الدرامية الأخيرة.

 

الدراما الاجتماعية:

بعد موجة الفانتازيا التاريخية عاد الراحل إلى كتابة المسلسلات الاجتماعية وكانت سلسلة من هذه الأعمال منها" أبناء القهر، قتل الربيع وعصر الجنون" حيث عمل فيها على وصف الواقع الحياتي السوري في تلك المرحلة معتمداً على بناء حكائي يحذر من الوقوع المشاكل التي تفشت بين الشباب السوري والفلسطيني في ذاك الزمن.

وقدم أيضاً مشكلات اجتماعية خطيرة تنخر في المجتمع السوري مثل مرض الإيدز في" أبناء القهر" الذي وصل إلى شخصية (نوار - ميلاد يوسف) إذ تتأثر العائلة والمحيط بما يمر به المريض.

أما عالم المخدرات فقدمه في مسلسل"عصر الجنون"، ولعب الفنان بسام كوسا دوراً كبيراً في تقريب المسلسل من المشاهدين فالشباب في هذا العمل الذي يدخلون هذا العالم بعيداً عن محيط الأهل والأقارب في عالم خاص بهم، وجاءت معالجات الأعمال الاجتماعية كدراما هادفة لتلعب دوراً في توعية جيل الشباب من ظاهرة المخدرات( حشيش - هيروئين)، التي تغلغلت في عالم الشباب.

ولا يقف عند حدود الظواهر الاجتماعية الشبابية بل يتعداها إلى الهموم الاجتماعية في الواقع السوري من خلال البطالة في مسلسل" قتل الربيع" الذي يتحول به الشباب( مازن- ميلاد يوسف) إلى لص سيارات فيدخل السجن إلى جانب عدد من شخصيات العمل مثل( طارق - سامر المصري)، ونادين خوري.

وظهرت في أعماله الاجتماعية هموم الآباء والأهل عبر الخوف يتسلل إلى نفوس العديد من الفئات الاجتماعية منها المراهقين والمراهقات، وقد ظهر ذلك في حياة عدد من الطالبات في الثانوية العامة بقصة (فاديا- ليليان الأطرش) في عصر الجنون التي تتزوج صغيرة عرفياً دون علم إخوتها وتحمل وهي في المدرسة. ويعالج الراحل السعدي أزماتها بعيداً عن المصير الذي تلقاه كل فتاة تتبع هواها.

أن معالجات العنف المجتمعي التي قدمها الراحل السعدي تصور حياة الإنسان السوري والفلسطيني المقهورة اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً في تحدي للزمن الذي كان فيه هذا العنف جزء يومي من الحياة في سوريا و فلسطين والمنطقة العربية.

أخيراً كل التحية لروح الكاتب الفلسطيني هاني السعدي على ما قدمه للمشاهد العربي في فترة من أشد فترات الظلمة في حياة الإنسان الفلسطيني والسوري.