Menu

رسالة لسيدات الغد

د. نجلاء الخضراء

نشرت في مجلة الهدف العدد(68) (1542)

إلى حوريتي البارة جوهرة الفؤاد وضي العين، لا تبخلي علي ببعض من وقتك لتقرئي ما خططته لك من حروف آمل أن تكون خارطتك في رحلة الحياة.

غاليتي كوني لنفسك أولاً واقتربي ممن تزدادين بجوارهم إشراقاً، وقتك وفكرك وقلبك أثمن ما تملكين لا تنفقيها إلا بما يليق بروعتك.

ابنتي الغالية عندما تكبرين ستجدين من يبحث عن سعادتك ومن يصارع لفشلك ومن يقترب منك لإيذائك ولكل منهم وجهه الغامض، فعليك أن تقدري الأمور بمقدارها الحقيقي ولا تتأثري بعسل الكلام، لا تجعلي بريق الدنيا يشتت نظرك عن وجهتك التي خططتي لها منذ البداية ولا تسمحي لقسوتها أن تغير ملامح قلبك المليء بالحب والعطاء، فالإنسان وليد بيئته التي صاغت له فكره وثقافته ومشاعره ومظهره الخارجي وهي مرآة تعكس احترام الناس لك وقبولك لديهم، وتعزز ثقتك بنفسك واحترامك لذاتك.

أميرتي الصغيرة، يقال: إن الانطباع الأول هو الانطباع الأخير وهو يتم خلال عدة ثوان ويبقى في الأذهان وتبنى عليه طريقة تعامل الناس معك، فاشهري هويتك يا بنتي وعبري عن تراثك ودللي على ثقافتك وارسليها مع النظرة الأولى بزيك فهو ثروة من المعلومات، وهو خير لسان يعبر عن انتمائك وشعبك وأمتك، وهو من أهم الوسائل المستخدمة في الكشف عن ثقافات الشعوب وحضاراتهم وهذا هو سبب تنوعها واختلافها من مكان لآخر، وهو سفير الجمال والأناقة والترجمان لمظاهر الحياة السياسية والاجتماعية والسياسية والدينية، والمادة البصرية التي وثقت الحياة والطبيعة وتحدثت عن المجتمعات.

يا بنتي إن ثوبك رسالة تضعك ضمن سياق اجتماعي معين بما فيه من ألوان تنقل العواطف والمعاني والدلالات كالأمل والحرية بينما تحمل الزخارف والأنماط عمقاً وتعقيداً يساهم في التعبير عن جوانب متنوعة في الهوية.

يفرض إيقاع الحياة نفسه على العادات والممارسات حتى في الملبس يا بنتي ففي قديم الزمان عبر الزي عن المكانة الاجتماعية والحالة المادية والمهنة والعمل أيضاً أما اليوم فهو يعبر عن أسلوب الشخص وتفكيره وانتمائه، فارتدي تاريخك وعبري من خلاله عن قيمك وسلوكياتك وجسدي هويتك، واعملي على استنساخ موروثاتنا الشعبية ومساراتها بقدرات إبداعية تناسب حاضرك فتكون أزياء معاصرة تعمل على إحياء الذاكرة.

بالحداثة والمعاصرة والأصالة والذوق الرفيع تكونين في موقع قوة وندّ في نظر الآخرين في حين يضعك التقليد والتبعية في موقع الضعف والتهميش والإلغاء.

غاليتي أن تتمثلي بثياب تحمل هوية وتاريخاً غربياً يعني أن تنسلخي عن عروبتك وأصالتك وعمق تاريخك، وهو تبن لثقافات غريبة ونشرها في مجتمعاتنا العربية.

لقد فهم عدونا يا بنتي أهمية تراثنا وعمق تاريخنا وما يشكله من تهديد لوجوده وما فيه من إسباغ شرعية كاذبة لحقوقه في فلسطين فعمد إلى سرقة الثوب الفلسطيني ونسبه لتاريخ عبري مزيف بالرغم من التصاقه بالهوية الفلسطينية وحمله لمفردات المقاومة ضد الاحتلال، فجعل منه – العدو الصهيوني- زياً لمضيفات خطوط الطيران الخاصة به ما يجعل زوار فلسطين المحتلة يربطون هذا الثوب بالكيان الإسرائيلي كانطباع أولي لتلك الزيارة.

واستغل مصمم الأزياء (يرون مينكوفسكي) أحد أهم رموز المقاومة الفلسطينية وأقام عرضاً في تل أبيب ألبس فيه العارضات فساتين مصنوعة من الكوفية الفلسطينية بلونيها الأسود والأبيض والأبيض والأحمر بحجة تعزيز التعايش السلمي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبرر جريمته أمام الغضب الفلسطيني الكبير بأن الكوفية ليست عنصراً مسجلاً باسم العرب أو فلسطين على لوائح اليونسكو، إضافة إلى أنه صناعة صينية ما يثبت عدم وجود حقوق للملكية الفكرية وراء استخدامه. فمن لا يملك تراثاً يا بنتي يعي أن التراث روح وفطرة مرتبطة بالأرض والطبيعة، لذلك نراه يلهث خلف الأوراق والاثباتات، تعنتاً وإصراراً على المضي في ظلمه وعدوانه وانتهاكاته، وفرض سردياته التاريخية التي وضعها مؤسسو الصهيونية فقالوا فيها إن الجماعات التي أنشأت المدن الأولى في فلسطين هي من نسل القبائل العبرانية وكان هذا قبل وصول العرب إليها بمئات السنين. في سعي عنيد لوضع نفسه ضمن السياق التاريخي العربي القديم، وتوحيد مواطنيه أصحاب الخلفيات العرقية والثقافية المختلفة تحت مسمى واحد، وتشكيل علاقات جوار مع الدول المجاورة تحت مسمى التطبيع لكسر حاجز العداء التاريخي.

المرأة الفلسطينية يا بنتي أمينة حريصة على نقل تراثها الذي ارتبط بالأرض والشجر عبر الأجيال فهو الهوية والوثيقة التاريخية وسلاحها في حفظ حقها بأرضها المسلوبة، فنسجت عليه حكاية العمر وقصة الوطن ووصفت من خلال نقوشه وألوانه قريتها وأحوال بلدتها وخلدت رموزها وسجلت أفراحها ودمعات أرهقت قلبها وعكست عليه ألوان روحها، ليكون سيرتها الذاتية ويشي عنها وعن أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية ومنطقتها الجغرافية.

كانت الفتاة الفلسطينية تتعلم التطريز منذ نعومة أظافرها، بمجرد أن تتمكن من الإمساك بالإبرة والخيط، فتأخذ مكانها بين الجدات والصبايا حتى تتقن أسس التطريز وفنونه لتبدأ العمل بثياب عرسها وأغطية رأسها ووسائد بيتها ومحارم عريسها، وتدخل سباقاً مع قريناتها في اختيار أجمل الزخارف وتنسيق الألوان، وحين تلتقي النساء في الأسواق والحافلات والأعراس كان بالإمكان تمييز أصولهن من طريقة تنسيق الثوب ووحداته الزخرفية، فرسمت نساء حيفا البرتقال وتزينت نساء الجليل بالأزهار وأوراق الأشجار، وقلدت زخارف الثوب في قرى نابلس وطولكرم واستبدلت بالشرائط الملونة، ورسمت نساء الخليل نقوش الزيتون والعنب، وفي بئر السبع نقلت النساء نجوم السماء فتلألأت على أجسادهن بمختلف الأشكال والأحجام، وفي بيت لحم استخدمت خيوط الذهب والفضة لتصميم ثوب الملكة الذي تألق بزخارف نباتية وأخرى على شكل حلي فريدة.

وعندما هجرت المرأة الفلسطينية من بيتها وأخرجت من بلدتها في عام 1948م حملت على جسدها ثوبها وفي جيبها مفتاح بيتها ضمن المقتنيات القليلة التي استطاعت حملها بعد ضياع أرضها وعمرها وأحلامها.

حولت المرأة الفلسطينية ثوبها التقليدي الشعبي إلى قوة تعبر عن التمسك بالهوية وسلاح يقف في وجه الأكاذيب والسرديات الصهيونية ودليل على وجودها الأزلي وتأصلها على أرض فلسطين، فقد كان لهذا الثوب أبجدية خاصة بأحرف وألوان حملت دلالات ومؤشرات غنية شكلت وثائق وسجلات أبهرت العالم بحجتها القوية، فسطرت بين طياتها العادات والممارسات والرموز والمعتقدات، وتحدثت عن المراحل التاريخية المتعددة التي مرت على أرض فلسطين، وعبرت عن الأفراح والأتراح والآمال، وأشارت إلى خصوصية كل منطقة وبلدة وقرية فكانت هوية ثقافية وتاريخية ووطنية رصدت ارتباط المرأة الفلسطينية بأرضها، وعشقها لطبيعتها، واهتمامها بتفاصيل حياتها، وعزمها في النضال بأساليبها الناعمة الأنثوية الفنية، والحفاظ على هويتها ونقلها عبر الأجيال ولتبقى فلسطين تنبض في قلب كل فلسطيني حر إلى يوم العودة والنصر والتحرير.

ريحانة الروح كتبت لك كلماتي بعد أن عادت ذاكرتي إلى الوراء وجالت مشاعري في تفاصيل عشتها مع أمي وجداتي، في جلسة استذكار لشمعات أضاءت بعيونهن طريقي، وصنعن من أجسادهن جسر عبوري، لأكمل الجسر بدوري، وتعبري غاليتي.

أقدم لك اليوم ما جمعته من زهور و أكاليل الورد لأفرشها لك أميرتي على طريق مستقبل زاهر وحياة حرة أتمناها لك ولصانعات الرجال ومنجبات الأحرار الأخيار، واعلمي أن الأشرار هم نتاج المستسلمات الخانعات من النساء، وأن سر عظمة المرأة وقوتها تكمن في ثقتها بنفسها وإيمانها بقضيتها المقدسة العادلة.

قفي مع نفسك غاليتي وقفة صادقة متأنية تبحثين فيها عن جوانب التقصير في علاقاتك مع ربك ونفسك ووطنك والمحيطين بك، وابحثي عن التوازن في شخصيتك وخططي لتكوني سليمة العقيدة ومتينة الخلق ومثقفة الفكر ومجاهدة في سبيل الله والوطن.

احبي الله يا بنتي بقلبك وعقلك واعلمي أنه أقرب إليك من هواء أنفاسك، عندها ستجدين طريقك المحمي بحماه. وليكن لديك دوماً قضية إنسانية تنتمين لها وتساهمين فيها، واجعلي من القدس بوصلة لك ومن فلسطين وطناً في صدرك ومن ثوبك هوية تعلنين بها عن شخصك.