Menu

ورقة من غزة لغسان كنفاني

حليمة بوستة

نشرت في مجلة الهدف العدد(68) (1542)

تحت وقع الظروف المعيشية والوطنية الصعبة، يلجأ البعض إلى البحث عن الخلاص الفردي على حساب الخلاص الجماعي، معتقداً أن بإمكانه أن يحل مشكلة خاصة، ليتفاجأ أن البعد الوطني حاضر في هويته التي يحملها، والتي تذكره بوطنه.. وهنا يبدأ رحلة مختلفة من حياته النفسية بين لجوئه الجديد، وذكريات الوطن والأهل والشعب، التي تدفع به للعودة إلى الوطن حتى ولو كان ميتاً، كما فعل المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد الذي عاش في المهجر سنوات طويلة، حيث أوصى بدفنه في مسقط رأسه فلسطين.

أبدأ من حيث انتهى العملاق غسان كنفاني .. كم هو حاضر بروحه العميقة الثاقبة، وكل شخوص قصته المؤثرة.. الحقيقية المبكية على لسان مصطفى (لن آتي إليك، بل عد أنت لنا لنتعلم من ساق ناديا المبتورة من أعلى الفخذ ما هي الحياة... وما هي قيمة الوجود؟؟!!)

وإني أرى أن هذه الرسالة التي أرسلها الكاتب إلى أهلنا في غزة عام (1956) مازالت حيّة، تجسد معاناة أهلنا هناك، وتنطق بوجدان الفلسطيني: أنا لن أرحل، أنا باق ومتجذر في أرضي.

هذه القصة بلسان شاب غزاوي حاصرته الحياة مثل غيره من الفلسطينيين بالبؤس، المعاناة، القهر، ومحاولة الهروب من العذاب إلى حياة قد تشبه الحياة؛ فكان مصطفى يحس أن أيامه فارغة من أي هدف سوى آخر الشهر.

وكان بطل القصة يستعد للسفر إلى أمريكا في عطلة الصيف، حيث ينتهي من عمله التدريسي في الكويت ، ويرجع إلى غزة، ليودع أهله، محاولاً أن يضع هدفاً لحياته، ويحقق طموحه وذاته في السفر... نعم إنه يتوق للسفر، حيث الخضرة والماء والوجه الحسن، حسبه أنه يريد التفرغ لنفسه، وقد أجبرته الحياة على العيش من أجل أمه وأرملة أخيه وأولادها.

فقصتنا تنطق بأحلام الشباب في غزة، وهذا الصراع بين البقاء في وطن مقهور مليء بكل أسباب الفزع والتعب، وكل أسباب الرحيل، وبين حلم قد يشبه الحياة.

ونجد الرسالة التي يرسلها مصطفى إلى صديقه الذي دعاه للهجرة، ورتب له كل أمور السفر، بدل أن تكون استجابة، أصبحت دعوة إلى الوطن.. إلى غزة.. وهنا يدعوه ويدعونا جميعاً للوقوف أمام الحقيقة، أمام ما نهرب منه؛ لنتعلم من ساق ناديا المبتورة معنى الحياة السامية، وكيف آثرت أن تحمي إخوتها الصغار على النجاة بنفسها..

ونجد تحول مشاعر الكاتب من رغبة بالهروب في الكويت، إلى انجذاب للهجرة إلى أمريكا، للوصول إلى الحقيقة.. إلى القرار الراسخ بعد زيارته لناديا في المستشفى، قرر مصطفى البقاء، الصبر، والصمود في غزة.

الحقيقة راسخة في ضميرنا، تلاحقنا (كلعنة)، كالشمس الساطعة واضحة، موجودة، حتمية مهما حاولنا.. تنتظرنا وننتظرها كما الموت، كما القدر، فالمواجهة والتشبث بأرضنا خير سبيل.

وأجد قصة ورقة من غزة هي رمز من رموز الأدب، وأيقونة للهوية الفلسطينية العميقة، كشجر زيتون غزة.

القصة نجحت في تحويل معاناة فرد إلى صوت جماعي شعبي، يجسد ضمير وبوصلة الشعب الفلسطيني في الصمود، والتجذر بأرضه، فيصبح الهروب مستحيلاً، لأن الوطن ليس مكاناً فقط؛ بل ذاكرة، تاريخ، انتماء، وجسد ينزف... إنه الوطن في قلبنا، يعيش داخلنا، ونعيش فيه...

ثم يأتي مهرج صهيوني، يريد أن يقتلع الفلسطيني من غزة.. غزة باقية بأهلها، باقية بزيتونها وبياراتها..