أمام أمريكا . .
لا تستطيع إلّا أن تكون أمريكياً، لأن الذي يملك القوّة،
يعرف كيف التعاطي مع الجزء المتبقّي من العالم.
هل أصبحنا كائنات مجفّفة، واختزلنا تلك الصوَر المرعبة التي جعلتنا نتقن فنّ النوم العميق، والغيبوبة العميقة، والسقوط العميق، واللامبالاة العميقة؟!
نحن الذين كنّا نوظّف قلوبنا في خدمة القمر، أصبحت قلوبنا، تتقن فنّ التورّط في العذاب.
منذ وقت طويل، ونحن نحمل الصدى فوق ظهورنا، ونمشي وراء آهات كثيرة، وكأن الأمكنة صارت أكثر كثافة من أن تختزلها القصائد، والمقامات، وروايات ما بعد منتصف الليل؛
وحتى الفرح الذي هو ضرورة مهمّة لإعادة تشكيل عيون البلاد، والقصائد، والليالي الملاح .
أمام أمريكا.. أصبحنا كائنات بارعة في إنتاج الليل، هي نفسها الكائنات التي صنعت رحيلاً خارقاً، وسعالاً طاعناً في السن، حين بدأنا نحاور بعضنا في عبثية الأفق. وإنّنا بانتمائنا الخجول، وزّعنا أصابعنا الصاخبة، بين جنون المكان الذي نحن فيه، وبين عبقرية الكاوبوي التي دلّتنا على الأشياء الفذّة التي عثرنا عليها، وما أصابها واعتراها في اللاوعي، من ارتطام عيوننا بالأشياء الجديدة التي قتلت أيامنا .
هل حقاً أنه يُفترض أن تكون بربرياً، لتكون عربياً؟
لاحظوا كيف أمريكا رجمت الحكّام العرب بالذهب، وجرّدتهم من كل قطر ة ماء في وجوههم .
فالهذيان الذي له وجهه الآخر، لم يبق أمامه، ولا حجرٍ على حجرٍ أبداً، وكأن الخلاص، مهنة أو صفة رديئة جداً.. ورائعة جداً، أن يبحث العربي عن الخلاص !
لا أظن أن النصّ التوراتي يمنعنا من الذهاب إلى الحياة.
أو أننا نوع من الكائنات التي لا تأخذ بالأسباب، أو التساؤل، وما إذا نستحق أن نكون ذلك النوع البشريّ وأننا نذهب إلى قبورنا على. نفقتنا الخاصة.
يعني:
بدلَ أن ندخل في الحياة، أو في الفناء. صارت أمريكا تتدخّل في أنسنتنا، وفي شفاه نسائنا، وقصائدنا، وكلّ ما نمتلك من خطوات .
كل الأمكنة العربية تحت ثيابها، بل في الهاوية، ولأننا نغتسل ببعضنا البعض، يجب أن تظلّ خطيئتنا تتقيّأ نفسها كي تصبح مستودعات بائسة لمفرداتهم الفاسدة.
هل حدث تصدّع في الأنين العربي الذي لم ولن يتوقف إلى الأبد؟ أم أن الخيال الذي يلتصق به هذا الأنين، صار بحاجة إلى أحذية كي لا يخوّض في العيون المرمّدة، أو في المسافات، أو في قصائدنا التي تحوّلت إلى صفيح؟!.
نحن جثث تتمتّع بكامل سلطاتها يقول الغرب: طبعاً وتكون اللحظات قد تحوّلت إلى كرنفال بهيّ ولانهائي من الهياكل العظمية.. وقد تستعين بنصوص فائقة من التوراة لتغطية الأحذية التي رفضت التعاطي حتى مع آهاتنا .
ثمّة دفء نادر في أحاسيسنا الميتة، هل نستعدّ مثلاً لخوض الحروب ضدّ نسياننا؟. أقصد هل نحن "ولدنا" لخوض هذه الحرب، لنشعر، أننا وأحزاننا وإرثنا، في صناديق القمامة؟
المشهد العربي، انفجرت في وجهه القبضات، لأنه حاول جاهداً أن يكون ضدّ الرهان، أو أن الماضي لا زال يثير دهشته، ودهشة الأشياء التي في داخله .
حاخام أمريكي يقول: من الضروري شنّ حرب ضدّ أي عربي، لكي يبقى لدينا زمن، وبالتالي لكي تبقى البشرية .
ولولا العرب لوصلت البشرية إلى المدينة الفاضلة !
أمام هذا الكلام، هل نبحث عن العربي الذي يريده هذا اليهودي في المريخ، أم في الأدغال، أم في الكهوف؟ !
يقول في مكان آخر: ابحثوا عن العرب في صدام الحضارات وتعقّبوا العربي كي لا يتكاثر أولاً، وثانياً كي لا تكون الكرة الأرضية تعاني - من - جدلية الأقدام .
في منطق أمريكا، ليس لدينا قواسم مشاركة تؤكّد، أنّ لدينا حضارة، أو سمات خاصة لوجودنا.. وقيل أيضاً، إنه يوجد لدينا فقط مستودعات لا توصف من الأفكار الهزيلة، ويعود بعضها أو كلّها إلى عهد قابيل وهابيل، فيما ينتمي بعضها الآخر، إلى الأيام العبثية الأولى، مروراً بمعرفة الرماد، وثقافة الرماد.
يعني ، أننا نعيش في أزمة بنيوية مزمنة وخانقة، وهذا ما نراه عياناً بياناً، أننا "ننتهي" بأيدينا .
كل هذه الإنسانية التي نحملها.. ونردّد نحن خير أمة أخرجت للناس .
من منّا لم يسمع أو قرأ عن ورثة الليل؟ والدم العربي الذي شاخ وترهّل وتفاعل مع المستنقعات، بدل أن يتفاعل مع التاريخ.
يبدو انّ لدينا تقنيات خاصة "بعدم" سقوط ورقة التوت، ورؤية المناطق الحسّاسة جداً التي تكوّنت بها إمكاناتنا البليدة، ونعرف أنها تعرف مدى الهلع الذي جعلنا من ذوي "أكَلَة الهواء"، أو من الذين يمتلكون خيالاً صالحاً للقتل .
قلت مرة: إن أجسادنا لا تزال طازجة، ونضرة، ومزدهرة، وقادرة على استعمال ثيابها بشكل يليق بكلّ خطيئة؛ لأنها نسيت كيف أصابعنا قد عادت إلى سحرها، لتوثيق كيف انكسرت عيوننا إلى الأبد !
المسالة لدينا لا تحتاج إلّا لبعض التعاويذ المراد حفظها وتلاوتها، لنرى كيف امتلأنا بقدرة قادر بكميات هائلة من القبلية الأولى التي دلتّنا على الأيديولوجيا وهي تأكل بعضها البعض، لرؤية سلالات لا يمكن إبادتها، إلّا بذلك الاهتزاز الذي لو انفجر لكنّا من صنف آكلي لحوم البشر .
لنقلب الصورة الرمادية، ونتناول الصورة الزاهية للحلم الأمريكي الذي يثير شهيّة الملائكة.. طبعاً دون أن ينكر أحد القادة العرب بقوله : لولا أمريكا لأكل العالم العالم .
هنا أذكر ردّاً رائعاً للكاتب الأمريكي الأسود المناهض جيمس بالدوين يقول: إنني أحمل في داخلي صراخاً عظيماً بالتأكيد هو صراخ الرماد.. يا إلهي إنني أعاني بل أعيش الآن صدمة الخوف !
بعض قادة العرب الأشاوس، يتذكرون فقط الأيام الجميلة مع أمريكا، ويتجاهلون الإيقاع الدموي الذي أربكهم خفية واستبسلت جلودهم أكراماً لسيدة العالم .
_ عرّفونا على السقوط، وأن تحت كل فضيحة فضيحة .
_ أصابعنا من القشّ، لنكتب بها ضياعنا الضائع .
_ متّهمون أننا أقل من أن نكون بشراً، وأكثر شعوب الأرض اقتتالاً لتناول الطعام الطيب من وجوهنا .
_ حتى الأنين لا يتوقف عند حدود معيّنة، لأن جثثنا تتمتّع بكل السلطات التي يمكن أن يتصورها الخيال.
_ أصابع العربي من المخمل، لتحريك الدم، لأن ثمّة من يغرز السكين في خاصرة الثلج.
حدث أن حاولت أن أغسل بأصابعي الهواء، وأحياناً الأماكن الفارغة، لكنني فوجئت بمن يقف هناك ليغسل وجه الخطيئة .
هزائمنا مجرّدة.. لتذهب حيث يذهب الله
يا أمريكا
يا نعشنا الجميل !

