شهدت منطقة الساحل الإفريقي في السنوات الأخيرة أحداثا عديدة أفضت إلى أوضاع جديدة غير مسبوقة في هذه المنطقة التي ظلت لفترة طويلة جدا مسرحا مستباحا للهيمنة الاستعمارية الغربية. لقد اشتد صمود شعوب المنطقة وهبت للنضال ضد الهيمنة والسيطرة الإمبريالية وخاصة الفرنسية التي تتعاطى مع هذه الدول باعتبارها الحديقة الخلفية الملحقة بالمراكز الرأسمالية الاحتكارية الفرنسية من خلال دعم كل أشكال التبعية والإخضاع. لكن على ما يبدوا أن هذه الانتفاضات لم تحقق إلى الآن أهدافها بتشكيل نماذج وطنية شعبية وذلك لأسباب شتى، مما هيأ الأجواء لتنظيم انقلابات عسكرية سيطرت على الانتفاضات الثورية في عده أقطار منها مالي، بوركينا فاسو والنيجر وغيرها ، وإقرار عدد من الإجراءات ضد الهيمنة الغربية بما في ذلك إغلاق القواعد العسكرية وإلغاء جملة من الاتفاقيات السياسية و الاقتصادية وغيرها.
إن مجريات التحولات في القارة السمراء جذبت الأنظار العالمية إليها خاصه من القوى الثورية في العالم، وتزاحمت الأسئلة والتوقعات لفهم ما يجري في الساحل الإفريقي الذي ما زال مسرحا مفتوحا للصراع. وفي هذا السياق تحاور "الهدف" الأمين العام للحزب الشيوعي في بنين الرفيق فيليب نودجينومي، هذا الحزب الذي له دور بارز في قيادة النضال في بنين وفي منطقه الساحل من أجل تحقيق الحرية والاستقلال والانعتاق من الهيمنة والعبودية والاستعمار و الاستعمار الجديد.
1- حدثنا عن نشأة الحزب الشيوعي في بنين ودوافع الاهتمام بالقضايا الوطنية والالتزام التنظيمي والسياسي؟ كيف ومتى بدأ؟
تم إنشاء الحزب الشيوعي في داهومي، ويسمى اليوم الحزب الشيوعي للبنين، في 31 ديسمبر عام 1977. وذلك وفق السيرورة التالية:
- النضالات الأيديولوجية ضد الشعبوية من 1975 إلى 1976 وتبني فئة محدودة من الماركسيين لنظرية كلاسيكيي الماركسية-ال لينين ية وهم ماركس وإنجلز ولينين وستالين.
- تطبيق هذه النظرية على دراسة الواقع الاقتصادي والاجتماعي في بنين لتحديد الطبقات الاجتماعية المتصارعة وتلك التي على أساس مصالحها تُبنى نظرية الثورة في بنين : أي الطبقة العاملة.
وأخيرا، اعتبارا لكون بلادنا توجد تحت السيطرة شبه الاستعمارية لفرنسا، تحديد المراحل التي يجب اجتيازها خلال السيرورة الثورية ووضع الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية المناهضة للإمبريالية كهدف في المرحلة الحالية.
- إن التزام الحزب إلى جانب شعب بنين وشعوب أفريقيا والعالم يكمن في مجموع مصالح الشعوب التي تسيطر عليها وتضطهدها الإمبريالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في جميع أنحاء العالم.
ومنذ ذلك الحين، استمر الحزب وفق هذا المنظور. وحيثما كان ذلك ممكنا، انخرط حزبنا بشكل منهجي مع الحركات الأخرى المناهضة للإمبريالية في جميع أنحاء العالم دفاعا عن السلام وحق الجميع في العيش بحرية وسعادة في بلدانهم.
2- يعيش العالم أزمات اقتصادية بسبب توحش الرأسمالية وتهديد مستقبل الشعوب، كيف يمكن أن تقوم القوى الشيوعية واليسارية والتقدمية الأممية بدورها في مواجهة السياسات الإمبريالية بشكل عام والإمبريالية الأمريكية بشكل خاص والاصطفاف إلى جانب الشعوب في صراعها لتقرير مصيرها؟
هذه قضية صميمية ومقلقة للغاية. إننا في مفترق طرق لمجمل التطورات على الصعيد العالمي، حيث وصلت أزمة الرأسمالية إلى ذروتها. إن اللحظات الحاسمة في هذه الأزمة المتعددة الأبعاد هي أزمة عام 2008 التي لا تزال تكشف عن انعكاساتها على الإنسانية، وخاصة على ظروف العمال والشعوب والتي تستمر في التدهور. إن خطر الحرب العالمية الثالثة يعبر عن نفسه بشكل أكثر وضوحا كل يوم، والاستعدادات لهذه الحرب ملحوظة مع ارتفاع الميزانيات العسكرية في العالم وسباق التسلح، ومن الواضح أن الأسلحة المصنعة لن يكون لها سوى هدف واحد هو تدمير البشر. لأن الأسلحة ليس لها من غرض آخر سوى قتل الإنسان.
في مثل هذه الظروف، تلعب القوى الشيوعية والتقدمية والثورية والأممية دورا مهما: تعبئة العمال والشعوب في حركات احتجاجية واسعة وكبيرة لوقف القتلة؛ أو إذا تعنتوا، تحويل الحرب إلى ثورة عارمة للإطاحة بالنظام الهمجي الذي يحكم العالم حاليا.
3- ما تزال الولايات المتحدة الأميركية تهيمن على النظام الدولي، وفي المقابل نرى بشكل خاص الدور الصيني والروسي يبرز بشكل ملحوظ على الساحة الدولية، هل سنرى تحولات جديدة على تركيبة النظام الدولي؟
نعم، تستمر الولايات المتحدة في الهيمنة على العالم. لكن النظام العالمي يشهد بالفعل تحولات كبيرة في الوقت الحالي. إننا نشهد، مع نهاية عهد الألفية، تحولا على نطاق عالمي، للغرب الرأسمالي لصالح عالم آخر، عالم البريكس. وبشكل أكثر تحديداً، تشهد الإنسانية انتقال القيادة من القوة العظمى الأمريكية المتراجعة، ولكنها لا تزال مهيمنة وزعيمة العالم الغربي، إلى قوة عظمى أخرى، الصين، القائد الطامح للكتلة العالمية الجديدة. ونعلم أيضا أن مثل هذا الانتقال من قوة عظمى عالمية إلى قوة عظمى أخرى لم يحدث من قبل دون حرب ذات طبيعة عالمية. وهذا ما يفسر تصرفات دونالد ترامب، الذي يهدف فقط إلى إبطاء هذا التراجع للولايات المتحدة من خلال شعار "اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" (MAGA). لكن هل سينجح؟ هذا ليس مؤكدا. وكما قلت أعلاه، أصبح ظهور الصين الآن حقيقة عالمية؛ وأيضا روسيا ودول أخرى مثل البرازيل والهند و تركيا وغيرها. باختصار. هناك تحول نحو تعددية قطبية أمام أعيننا والتي ستحل محل الأحادية الأمريكية الحالية. هذا لا يقاوم.
4- كيف تقرأ مجريات صراع المشاريع السياسية في إفريقيا بين مشروع غربي استعماري إمبريالي ومشروع مضاد تحرري مقاوم ؟
القارة الأفريقية هي مركز مشاكل الإنسانية. كل المعارك الأكثر شراسة وقوة بين القوى الإمبريالية تنجم عن السيطرة والهيمنة على ثروات أفريقيا الهائلة وأشد المنافسات الإمبريالية المريرة تجري في القارة الأفريقية. إنها القارة التي ليست الشعوب فيها سيدة نفسها في بلدانها. وذلك من خلال خمسة قرون من العبودية وقرن من الاستعمار المستمر حتى يومنا هذا. باختصار، إن الويلات التي تعاني منها أفريقيا (العبودية والاستعمار والاستعمار الجديد) سببها قوى الغرب الرأسمالي والتي ما زالت تسيطر على القارة. وهذا يعني أن أفريقيا، وخاصة منطقة جنوب الصحراء، هي في مرحلة التحرر الوطني؛ استعادة كرامة الإنسان ضد العنصرية ضد السود ونهب الموارد والاستغلال الرأسمالي. يتعلق الأمر إذن باستعادة أفريقيا، بقيمها، والسيطرة على الموارد الطبيعية لخدمة الأفارقة نساء ورجالا؛ هذه هي طبيعة اللحظة التي نحن فيها الآن.
5- في هذا الاطار، كيف تقرأ التغييرات السياسية الحاصلة في منطقة الساحل بعد وصول العسكر إلى السلطة في بعض الدول الأفريقية؟ وما مدى نجاح الجيش في الحفاظ على منجزات الانتفاضة الشعبية ضد الهيمنة الخارجية وإرساء الاستقرار؟
إن ما يتم إنجازه على قدم وساق في دول تحالف الساحل، في صراع صعب للغاية مع الانقلابات، يشكل تجارب تتجه أنظار أفريقيا كلها إليها. إنها تجربة فريدة من نوعها. لقد فشل المشروع الاستعماري الغربي وسيتعين عليه أن يفسح المجال لإنجاز مهام التحرر الوطني التي تنطوي على الحروب وحركات التحرر الوطني. الواقع فإن الحرب الحالية في منطقة الساحل هي حرب عدوانية فرنسية ينفذها إرهابيون بالوكالة. ويشكل الرد الحالي أيضا حرب تحرير مناهضة للإمبريالية الفرنسية بقيادة دول مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر. ومن المحتمل أن تحذو حذوها بلدان أخرى في المنطقة. نحن نعلم أن الانقلاب هو بمثابة تعطيل للعملية الدستورية من قبل الجيش ويحدث هذا عادة خارج نطاق حركات الشعوب. غير أن الانقلابات المعنية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر حدثت في سياق الانتفاضات الشعبية ضد النظام الاستعماري الجديد الراسخ، ثم حظيت بدعم الشعوب. وهذه ثورة وطنية، خاصة من خلال الإجراءات الوطنية التي تتخذها السلطات. في الواقع، لدى الناس ذاكرة قصيرة؛ هناك انقلابات رجعية، ويُعَد مثال تشيلي في عهد بينوشيه مثالاً واضحاً على هذا النوع من الانقلابات. ولكن كانت هناك أيضا انقلابات شكلت جزءا من العملية الثورية. مثال ذلك، انقلاب مصطفى كمال المعروف باسم أتاتورك والذي كان بمثابة الأساس لتجديد وتحديث تركيا. وننسى أيضا أنه كان هناك انقلاب في البرتغال عام 1974 أطاح بسلطة كايتانو الفاشية وسهل استقلال المستعمرات البرتغالية وما إلى ذلك. وتحدث هذه الانقلابات في ظروف نضج العوامل الموضوعية للثورة وحيث تكون الظروف الذاتية ضعيفة للقيام بها.
وبطبيعة الحال، لن يتمكن الجيش من الحفاظ على مكاسب الانتفاضات الشعبية ضد الهيمنة الأجنبية دون تدخل القوى التقدمية والثورية، المنظمة لتتولى مسؤولية العملية الثورية.
6- ما هو دور القوى الثورية في منطقتكم، إفريقيا الغربية، في مواجهة الهيمنة الإمبريالية في القارة السمراء؟
إن القوى الثورية في غرب أفريقيا تحارب الهيمنة الإمبريالية في القارة الأفريقية، من خلال الدعاية والتنظيم والتعبئة الشعبية ضد الأعمال العدوانية الإمبريالية التي تجري في جميع أنحاء العالم. وقد نظمت القوى التقدمية والثورية في هذا الجزء من قارتنا نفسها في منظمة وطنية إفريقية تسمى منظمة شعوب غرب إفريقيا (WAPO) التي تأسست في ديسمبر 2022 في غانا.
7- في أي سياق يمكن أن تضع عملية طوفان الأقصى البطولية التي قامت بها المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر 2023؟
إن العمل البطولي الذي قامت به المقاومة الفلسطينية يشكل عملا غير مسبوق في تاريخ الشعب الفلسطيني في نضاله ضد الاستعمار الصهيوني الإسرائيلي. إنه عمل يدخل في إطار للدفاع عن النفس.
وقد حيت كافة الحركات والأحزاب الثورية العملية البطولية التي قام به الشعب الفلسطيني في غزة يوم 7 أكتوبر 2023.
8- تفاعلت غالبية الدول الأفريقية مع عملية "طوفان الأقصى"، وتباينت المواقف بين الدعم الكامل للمقاومة، وبين الانحياز إلى صف (إسرائيل)، ما هو تقييمك لذلك؟
بشكل عام، كان رد فعل غالبية البلدان الأفريقية إيجابيا بدعم هذه العملية.
9- ما تقييمك للتأييد الشعبي للمقاومة الفلسطينية في دول غرب أفريقيا؟
يختلف هذا الدعم حسب البلد. وهو بشكل عام أكثر كثافة في البلدان الأفريقية ذات منحى تقدمي والتي يهيمن فيها المسلمون.
10- تصدرت دولة جنوب إفريقيا الدعوى الجنائية ضد حكومة بنيامين نتنياهو في الكيان الصهيوني بتهمة القيام بالإبادة الجماعية وارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة، هل من الممكن اعتبار ذلك من تداعيات طوفان الأقصى؟
إن موقف جنوب أفريقيا من تقديم شكوى أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد حكومة نتنياهو للكيان الصهيوني بتهمة الإبادة الجماعية وجرائم الحرب في قطاع غزة هو عمل نبيل وشجاع، وقد حظي بموافقة كل أفريقيا تقريبا.
11- هل تظن أن التغييرات التي شاهدها العالم على وقع "طوفان الأقصى"، ربما تؤدي إلى تراجع وانحسار المشروع الصهيوني؟
بالتأكيد. لقد كشف المشروع الصهيوني للعالم قذارته ولا يمكن إلا أن يتراجع ويضمحل.
12- هل من كلمة أخيرة توجهها لشعبنا الفلسطيني الصامد في غزة والضفة و القدس وكل فلسطين والشتات ؟
في غزة والقدس والضفة الغربية وفي جميع أنحاء فلسطين والشتات، كلمتي الأخيرة هي الدعم في مواجهة عملية إبادة جماعية غير مسبوقة. لكن السعار الحالي للمجموعة الفاشية في السلطة في إسرائيل يظهر قسوتها وهمجيتها التي فضحتها وعزلتها أمام أعين العالم. أنتم شعب بطل! النصر مؤكد لأن القضية عادلة.

