Menu

حكاية تشبه كلّ الحكايات (2)

محمد بلال

نشر في مجلة الهدف العدد (69) (1543)

المخيم صورة وطن ذبح من الوريد إلى الوريد في غفلة من الزمن، هو أصل حكاية شعب انتزع من أرضه، في أزقته، حاراته، يرتسم الوجع على وجه المرايا، ليزهر زنابق من الأمل.

" أم الطّواقي" مستنقع نتنٌ في مجرى وادي الزّيدي صبغته الطفيليّات بلونٍ أخضرَ قاتمٍ يُفصح عن حجم القذارة التي يعجّ بها المكان الّذي يمكن وصفه بمستعمرة للكائنات المائيّة القذرة من ضفادع وطحالب وديدان العلق المتّهمة بمصّ الدّماء، تعلوه على السّفح من الجهة الشّماليّة كهوف كان الفدائيّون قد اتّخذوها قواعد لهم بعد خروجهم من الأردن في سبعينيّات القرن الماضي إثرَ معارك أيلول الأسود.

في أمّ الطواقي وبعد جولاتٍ من السّباحة في المياه العفنة تخلّلها بعضُ المشاحنات بين أفراد المجموعة، اقترح الزعيم "خَضِر" وهو الأكبر سنّاً والأقوى جسداً بين أقرانه :

- اليوم بدنا نتغدّى ضفادع، يا شباب شدّوا حيلكم.

رغم القرف الّذي انتاب الفتى لكنّ الفكرة أعجبته، فقد تناهبه الجوع إلى درجة الإعياء، ليس مهمّاً ما سيأكله، هو يريد أن يأكل أيّ شيء وكفى.

انتشر الأطفال في المكان بحثاً عن الضّفادع بين الأعشاب وتحت الصّخور، جمعوا كميّة لا بأس بها، وحان موعد الشّواء الّذي كان وقوده كتباً ودفاتر مزّقها طلّاب المدارس مع بدء العطلة الصيفيّة كطقس من طقوس التمرّد والعدوانيّة تجاه كلّ نظام أو قانون يحدّ من حريّتهم أو يقيّد حركتهم .

استغرب الفتى تصرّف الزّعيم الّذي رمى الجزء الأعظم من أعضاء الضفادع وكان منّى نفسه بوجبة دسمة، سأله مستفسراً:

- لماذا ترمي هذه الأشياء؟

ردّ الزعيم، وهو يوزّع الحصص على أفراد عصابته، بلغة تنمّ عن ثقة بالنّفس وكأنّه عالم من علماء الدّين:

- الّدين حلّل لنا أكل الأفخاذ فقط.

شجّعته فتوى الزّعيم هذه على تناول بعض الأفخاذ المحترقة بنهمٍ، لم يستسغ طعمها، لكنّها سدّت شيئاً من رمقه، وتخلّصَ إلى حدّ ما من حالة الخوار الّتي أرهقته، وهي حالة اعتادها منذ تفتّح وعيه على هذه الدنيا حتّى ظنّ الجوعَ المستدام حالةً طبيعيّة يشترك فيها الناس جميعاً وجزءاً من معطيات الوجود القاسي، كرهها إلى حدّ الحقد والكراهية.

"هوّن عليك يا صغيري، هأنذا أفتح نوافذ الّذاكرة على ذلك الزّمن الرّديء الّذي يفيض بمعاني القهر والحرمان، أعيش معك وأنت تغالب الجوع، تحاول أن تتحمّل عذاباته دون شكوى أو تذمّر، لكنّك أبداً لم تؤمن به، و لم تنسجم معه، كان اعتيادك له اعتياداً قسريّاً لا أكثر سيقودك مثل كلّ الفقراء في النّهاية إلى تبنّي حالة من المقاومة الفطريّة ينزع فيها الإنسان المأزوم إلى التحرّر والخلاص من الألم والقهر، ربّما تتطوّر لتصبح حالة عدوانيّة، حالة رفض وكراهية للبشر للمجتمع للكون برمّته، إنّه اعتياد شكليّ مزعوم يتكيّف معه الإنسان حين تنعدم الخيارات أمامه، اعتياد مخالف للطبيعة البشريّة منافٍ للذّة الوجود، خُلق للأنبياء والقدّيسين في صحاراهم القاحلة في هذه الدّنيا الفانية أملاً بالفوز بأنهار من العسل والخمرة في فردوسهم الأعلى، تقدّم لهم كجائزةٍ بعد نجاحهم في ذلك الاختبار الوجوديّ العنيف."

تناسى الجميع الوقتَ وقلقَ الأهل والتعبَ الذي غالبهم، وفاجأهم الليل وهم يتسكّعون في براري درعا، ليقرّروا مكرهين العودة إلى المخيّم بعدما خمدت جذوة النشاط الّتي كانت متأجّجة في أعماقهم، وأصبحت رماداً باهتاً، توجّهوا إلى مخيّمهم يجرّون أرجلهم المتعبة السّجينة بأحذية بلاستيكيّةٍ تعجز عن حماية أقدامهم أمام سطوة الطّبيعة القاسية، توجّهوا إلى ذلك القمقم بيت السلحفاة السّجين بألف حكاية قهر وحلم والرّازح بقيود أمنياتٍ كسيحة يصعب تحقيقها.

تسلّل الفتى إلى غرفةِ أهله الطينيّة اليتيمة مهتدياً بضوء (البنّورة) الخافت المتراقص دونما سببٍ، مشى بحذر بين الأجساد البشريّة المتناثرة بفوضى على أرضيّة الغرفة، أخافته تلك السّعلة الخفيفة التي صدرت عن والده مشفوعة بصوتٍ أجشّ فيه نبرةُ تقريعٍ حادّةٍ:

- وين كنت يا ولد، الك من الصّبح ما بيّنت؟

- كنت ألعب مع أصحابي.

قالها الفتى بصوت متهدّجٍ كسيرٍ حمل بين نبراته المرتجفة الكثيرَ من النّدم لعقدة ذنبٍ انتابتُه فجأة، اعتقد أنّه تمادى في الانغماس بمتطلّبات طفولته ومسايرته لرغباتها ممّا جعله يتأخّر إلى مثل هذا الوقت الغارق في هوّةِ الليل السحيق والمخالف لطقوس العائلة المشتبكة أبداً مع أنياب الكدح والتعب والجوع والشّقاء البعيدة كلّ البعد عن لذّة التّرف ولو بأدنى أشكالها ومراتبها. (يتبع)