Menu

غسان كنفاني: حين تصيرُ الكلمةُ وطناً لا يُهزَمُ

آية غسان سعيد

نشر في مجلة الهدف العدد (69) (1543)

في زحمةِ النكباتِ، وسطَ ضجيجِ الأسلحةِ التي تخترقُ اللحمَ الفلسطينيَّ، وبينَ صرخاتِ الأمهاتِ اللواتي ينتظرنَ العائدينَ فلا يعودونَ، وحجارةِ البيوتِ التي تئنُّ تحتَ أقدامِ المحتلِّ، وُلِدَ غسانُ كنفاني. لم يكن ميلادُهُ مجردَ تاريخٍ، بل ميلادًا لفكرةٍ أقسمتْ أنْ لا تموتَ ولا تنحني، أنْ تكونَ سلاحاً حينَ تخذلُ البنادقُ، وتبقى واقفةً حينَ يسقطُ الجميعُ. لم تكنْ فلسطينُ في أدبِ كنفاني مجردَ بقعةٍ على خارطةٍ أو سطرًا في كتابِ التاريخِ، بل كانتْ وجعاً مقيماً في الذاكرةِ، وصوتاً ينادي منْ عمقِ الغيابِ، وجرحاً لا يندملُ في قلبِ المنفى. كانتِ الوطنَ الذي يتنفسهُ اللاجئونَ، والأملَ الذي يحملهُ الفدائيونَ في زنادِ البنادقِ، والحلمَ الذي لا يقبلُ القسمةَ على صمتِ العالمِ. رأى الوطنَ في عيونِ العجائزِ اللواتي ما زلنَ يحتفظنَ بمفاتيحِ البيوتِ المسلوبةِ، في الأطفالِ الذين وُلدوا بلا وطنٍ لكنهمْ حملوهُ في دمِهمْ كما يحملُ القلبُ نبضَهُ، في وجوهِ اللاجئينَ الذين حملوا خيامَهمْ على أكتافِهمْ، لكنهمْ لم يضعوا أحلامَهمْ يوماً جانباً.

لم يكتبْ كنفاني عنْ فلسطينَ كمؤرخٍ يوثقُ المآسي، ولا كسياسيٍّ يجيدُ تزييفَ الكلماتِ، بل كتبَها كوصيةٍ أخيرةٍ، اسماً منقوشاً على جدارِ زنزانةٍ، كصرخةِ أمٍّ ثكلى، وكنداءٍ فدائيٍّ قبلَ أنْ يسقطَ شهيدًا. كانَ قلمُهُ أشبهَ برصاصةٍ لا تقتلُ، بل توقظُ الوعيَ، تشعلُ جذوةً ثورةً، تكسرُ حاجزًا خوفاً، وتعيدُ تعريفَ الفلسطينيِّ بأنَّهُ ليسَ مجردَ لاجئٍ أو مفعولاً بهِ، بل هوَ الكائنُ الذي خُلِقَ ليقاومَ، ليعودَ، ليحملَ حجارةً وطناً في يدِهِ، ويجعلَ منها قنابلَ في وجهِ منْ ظنّوا أنَّ الأرضَ تُسلَبُ. في "عائدٍ إلى حيفا"، لم يكنْ سعيد يبحثُ عنْ ابنِهِ الضائعِ فحسبَ، بل كانَ يبحثُ عنْ وطنِهِ الذي تركَهُ خلفَهُ، عنْ كرامتِهِ التي سُرقتْ منهُ، عنَ إجابةً ظلّتْ تطاردُهُ: "كيفَ خرجنا؟ كيفَ سمحنا لأنفسِنا أنْ نخرجَ؟" لم يكنِ الغيابُ مجردَ رحلةٍ في مكانٍ، بل كانَ تمزقاً في روحٍ، اقتلاعاً لجذورٍ، نفيًا لهويّةٍ. كانَ غسانُ يقولُ إنَّ الوطنَ ليسَ ذكرى تُروى في منفى، بل هوَ فعلٌ يوميٌّ، نضالٌ مستمرٌّ، رفضٌ دائمٌ لهزيمةٍ، وإنَّ منْ ينسى أرضَهُ، ينساهُ تاريخٌ.

وفي "أرضِ البرتقالِ الحزين"، لم يكنِ البرتقالُ مجردَ فاكهةٍ تملأ بساتينَ يافا، بل كانَ وطناً يُسرَقُ، كانَ دماً ي قطر ُ منْ جذورِ أشجارٍ، كانَ رمزًا لكلِّ شيءٍ سُلِبَ من فلسطينيينَ، لكلِّ ما أُخذَ منهمْ بقوةٍ، لكلِّ ما اضطروا لتركِهِ خلفَهمْ دونَ أنْ يملكوا حتى وداعاً. كانَ البرتقالُ يبكي في نصوصِهِ، كما تبكي قرىً مدمّرةٌ، كما يبكي لاجئٌ حينَ يدركُ أنَّ ذاكرةً هي كلُّ ما تبقى لهُ منْ وطنٍ، وأنَّ عالماً قد أدارَ ظهرًا لهُ، وكأنَّ فلسطينَ لم تكنْ يوماً قطعةً منْ كونٍ.

في "أمِّ سعد"، تجلّى وطنٌ في امرأةٍ لا تستسلمُ، تنجبُ أبناءً لا ليكونوا أرقاماً في سجلاتِ إغاثةٍ، بل فدائيينَ يحملونَ سلاحاً حينَ يتعبُ رجالٌ، ويواصلونَ طريقاً حينَ يتراجعُ آخرونَ. "هي تخلفُ وفلسطينُ تأخذُ"، وكأنَّ أرحاماً فلسطينيّةً كُتبَ عليها شهادةٌ قبلَ أنْ يُولدَ أبناؤها، وكأنَّ أرضاً تعوّضُ نفسها بدمٍ، وكأنَّها لا تقبلُ أنْ تُروى إلا بتضحياتِ أبنائِها.

لم يكنْ أدبُ كنفاني أدباً باكياً، ولا نشيجاً خافتاً في زوايا خيبةٍ، بل كانَ نارًا تشتعلُ في وجهِ كلِّ منْ أرادوا طمسَ قضيةٍ، كانَ ثورةً لا تهدأُ، كانَ يقيناً بأنَّ عودةً ليستْ حلماً مؤجلاً، بل وعدًا لا بدَّ أنْ يتحققَ. كانَ يؤمنُ أنَّ ثورةً لا تموتُ، وأنَّ قضيةً لا تنتهي، وأنَّ أرضاً تعرفُ أبناءً حتى لوْ تأخروا في عودةٍ.

وحينَ قررَ عدوٌّ أنْ يخرسَ، لم يكنْ ذلكَ خوفاً منْ رجلٍ واحدٍ، بل كانَ خوفاً منَ كلمةٍ ظلّتْ تقاتلُ حتى بعدَ رحيلِ قائلٍ. اغتالوهُ، لكنهمْ لم يقتلوا صوتاً، لم يقتلوا فكرةً، لم يقتلوا أملاً زرعَ في قلوبٍ منْ قرؤوهُ، لم يقتلوا ثورةً خطّها بحبرٍ قبلَ أنْ يخطّها شهداءٌ بدماءٍ.

واليومَ، بعدَ أكثرَ منْ خمسينَ عامًا على اغتيالِهِ، لا تزالُ كلماتُهُ منقوشةً على جدرانِ مخيماتٍ، مرددةً في سجونٍ، ترددُها أمهاتٌ في وداعِ أبناءٍ، ويرفعُها مقاومونَ فوقَ أسلحةٍ، ويحفظُها أطفالٌ كما يحفظونَ أسماءَ قرىً مفقودةٍ. لا تزالُ "دقّوا جدرانَ خزانٍ" نداءً لا ينامُ، لا تزالُ "لا تمتْ قبلَ أنْ تكونَ ندًّا" قانوناً لثائرٍ، لا تزالُ كلماتُهُ سلاحاً لا يصدأُ، ورايةً لا تسقطُ، لأنَّ أوطاناً تُحفظُ في قلوبٍ قبلَ خرائطٍ، ولأنَّ فلسطينَ، كما علّمَنا غسانُ، لا تُمحى، ولا تُباعُ، ولا تُنسى.